تكلفة الحرب
ليست الحروب مجرد لحظة اشتباك عسكري، بل هي نقطة تحوّل تمتد آثارها لعقود، خاصة في دول العالم الثالث حيث هشاشة الاقتصاد وضعف المؤسسات و البني التحتية . ولعل استدعاء ما قاله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ فترة عن أن جذور الأزمة الاقتصادية في مصر انها تعود إلى حرب ا1967 التي استزفت الاقتصاد المصري ، ذلك القول الصريح يفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحاً اليوم: ماذا ستفعل حرب الأربعين يوماً بإيران؟ وكم من الزمن تحتاجه دولة تعرضت لدمار واسع كي تستعيد توازنها؟
التجربة المصرية تقدم نموذجاً واضحاً. فالهزيمة في 1967 لم تكن مجرد خسارة عسكرية، بل كسرت بنية الاقتصاد، وأعادت توجيه الموارد نحو إعادة بناء الجيش على حساب التنمية. استمر ذلك لسنوات طويلة، وتراكمت الديون، وتراجعت القدرة الإنتاجية. حتى بعد حرب 1973 وما حملته من استعادة معنوية، ظل الاقتصاد المصري يعاني من آثار تلك الصدمة الأولى لعقود، وهو ما أشار إليه السيسي بوضوح.
إذا انتقلنا إلى إيران، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً. فالحرب الأخيرة، وإن كانت محدودة زمنياً، إلا أن آثارها البنيوية قد تكون عميقة. البنية التحتية التي تُستهدف في مثل هذه الحروب لا تُبنى بسهولة: منشآت الطاقة، شبكات النقل، القدرات الصناعية، الجامعات ، وحتى الثقة الداخلية والخارجية بالاقتصاد. هذه العناصر، حين تتضرر، لا تعود إلى سابق عهدها بسرعة، بل تحتاج إلى سنوات طويلة من الاستقرار والاستثمار.
التاريخ الحديث يقدم أمثلة متعددة. العراق بعد حربه مع إيران في الثمانينات خرج مثقلاً بالديون، ومع أن الحرب انتهت عام 1988، إلا أن آثاره الاقتصادية والسياسية ظلت تتفاعل حتى سقوط النظام في 2003. بل يمكن القول إن تلك الحرب الطويلة كانت من الأسباب التي دفعت العراق لاحقاً إلى مغامرات أخرى، بحثاً عن موارد أو تعويض خسائر. وبالتالي الدخول في حروب، مزقت العراق و افقرت العراقيين كما نشاهد اليوم .
وفي مثال آخر، عانت سوريا بعد 2011 من تدمير واسع، ولم تفلح فترة الهدوء النسبي الاخية في إعادة الاقتصاد إلى مساره. فالخسارة لم تكن فقط في البنية التحتية، بل في هجرة الكفاءات، وتآكل رأس المال الاجتماعي، وتفكك السوق الداخلية. وهي عوامل تجعل التعافي عملية بطيئة ومعقدة، قد تمتد لأجيال.
حتى في حالات أقل حدة، مثل لبنان بعد حرب 2006، احتاج الاقتصاد سنوات ليستعيد بعض عافيته، قبل أن تعصف به أزمات أخرى. ما يؤكد أن التعافي ليس مجرد إعادة إعمار مادي، بل يتطلب بيئة سياسية مستقرة وثقة دولية، وهما عنصران غالباً ما يكونان نادرين في دول الصراع.
بالنسبة لإيران، فإن التحدي لا يقتصر على إعادة الإعمار، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف أولوياتها الاقتصادية والسياسية. فالدولة التي تنفق مواردها على التمدد الخارجي قد تجد نفسها مضطرة للانكفاء نحو الداخل، وهو تحول ليس سهلاً، لا سياسياً ولا اجتماعياً. كما أن العقوبات الدولية، إن استمرت أو تشددت، ستضاعف من كلفة التعافي وتطيل أمده. الحرب ليست لعبة حناجر بل كلفة الخداع ! من هنا، فإن تقدير مدة التعافي ليس مسألة حسابية بسيطة. قد تحتاج إيران إلى عقد أو عقدين لتجاوز الآثار المباشرة، لكن استعادة مستوى تنموي مستقر قد يتطلب زمناً أطول، خاصة إذا لم تحدث مراجعات جذرية في السياسات. فالحروب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر صمتاً، لكنها أشد قسوة: مرحلة دفع الفاتورة. دروس العالم الثالث متشابهة إلى حد بعيد: الحرب قرار لحظي، لكن كلفتها زمن طويل. وما بين لحظة الانفجار وبداية التعافي، تضيع سنوات من عمر الشعوب، وتُهدر فرص كان يمكن أن تغيّر مسار التاريخ.