المحبطون : كيف تنقلب النخب على مصالح الوطن

                                                          المُحبطون !

في أزمنة التوتر الإقليمي، لا يقتصر الخطر على ما يأتي من الخارج، بل يتسلل أحياناً من الداخل عبر خطاب اعلامي  يلبس ثوب التحليل ، وهو في حقيقته تعبير عن هوى أيديولوجي متضخم. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة نماذج من هذا الخطاب لدى بعض الكتّاب العرب والخليجيين ، وهم يفسرون الصراع القائم بين إيران والولايات المتحدة،  وتاثيره على دول الخليج ، فإذا به ينزلق من قراءة الواقع إلى إعادة إنتاج شعارات قديمة لا تسندها الوقائع كما لا يقبلها العقل.

حين يقول أحدهم على شاشة تلفزيونية واسعة الانتشار إن “مدن الخليج من زجاج”، فهو لا يقدم تحليلاً بقدر ما يروّج لصورة ذهنية تُضعف الثقة بالذات ، وتبث شعوراً بالعجز وتثير  الغثيان . وحين يكتب آخر أن ما يجري “مؤامرة سياسية ”، ( كمثل الحرب العراقية – الكويتية) فهو يقفز فوق تعقيد المشهد ليختزله في تفسير مريح أيديولوجياً، لكنه مضلل سياسياً. او من يدعو لفك الارتباط الأمني  مع دول كبرى ، فهو يقع في مصيدة التضليل الإيراني ، متجاهلا مثلا ان تركيا وهي التي تحتفظ برابع جيش في العالم، لها مثل تلك الترتيبات مع دول كبرى ،وغيرها كثير،   مثل هذه الاطروحات قد تجد صدى لدى جمهور مشحون بايدلولجيا سادت في فترة من الزمن ، لكنها في النهاية لا تبني وعياً، بل تهدمه و تسبب تشوشا في ذهن المتلقى .

المشكلة في هذا النمط من التفكير أنه يستبدل الواقع بالرغبة، ويقدّم الانحياز الفكري على الوقائع الملموسة. في ثياب تبدو ( وطنية ) فالحرب الجارية لم تسعَ إليها دول الخليج، ولم تكن جزءاً من حساباتها الاستراتيجية، بل فرضت عليها بفعل تصعيد إقليمي معقد ، كانت إيران أحد أبرز محركاته بطموحاتها التوسعية . ومن يتابع مسار الأحداث يدرك أن دول الخليج حاولت، على مدى سنوات، تجنب الانزلاق إلى المواجهة،  وسعت إلى بناء توازنات تقلل من احتمالات الانفجار.، وعندما انفجر الصراع ، كانت هي هدف التصويب الاكثر كثافة ! في خطة مبيته مسابقا.

 الصواريخ والمسيرات التي  قدمت من ايران واستهدفت منشآت ومدناً خليجية جاءت لتؤكد أن الواقع لا يُقرأ بالشعارات. لقد اتجه الجزء الأكبر من هذه الهجمات نحو دول لم تعلن حرباً، ولم تشارك في عمليات عسكرية، بل سعت إلى حماية استقرارها الداخلي. تجاهل هذه الحقيقة من اؤليك المحللين ، أو القفز عليها بتفسيرات مؤدلجة،   هو نوع من الوعي الكاذب .

الأخطر من ذلك أن بعض الخطاب عاد ليحيي روايات قديمة، مثل الزعم بدعم خليجي لصدام حسين في حربه مع إيران، وهي روايات تفتقر إلى التوثيق ، وقد صرح نزار الخزرجي ( رئيس الأركان العراقي ان مساهمة الخليج كانت في حدها الادني !  ) هذا النوع من الاستدعاء الانتقائي لا يهدف إلى الفهم، بل إلى التضليل ، حتى لو كان على حساب الحقيقة. ومحاولة وضع دول الخليج (التي هي من المفروض اوطانهم) في موضع المتهم لا الضحية.

هنا يتجلى ما يمكن تسميته “ في العنوان المُحبطون) . فهو ليس قراءة نية خاطئة ، بقدر ما  هو ادلجة فجة ، او استرضاء لاخرين او تشفيا ، لكنه في المحصلة يؤدي وظيفة مخربة ، هي إضعاف الجبهة الداخلية، وتشويش الوعي العام،  ليفقد الجمهور قدرته على التمييز بين  الحق و الباطل ، وهو ما يرمي اليه أصحاب تلك الأفكار ، اكان وعيا منهم ام غباءا مطلق .

إن المسؤولية الفكرية اليوم تقتضي من الكاتب او صاحب الراي ، أن يقترب من الواقع  ويتبين الخطر على وطنه  وجتمعه ، لا أن يهرب منه، وأن يزن كلماته بميزان الحقيقة لا بميزان طلب الشهرة . فالوطن لا يُحمى بالشعارات،  ولا يذاد عنه بالتشهير ، بل بوعيٍ صادقٍ يرى التحديات كما هي، ويواجهها بعقلٍ باردٍ وإرادةٍ مسؤولة.

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.