ازدواجية الوعي العربي… حين يُدان الضحية ويُبرَّأ الفاعل
في خضمّ الحرب المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبرز على السطح خطاب عربي يثير قدراً كبيراً من الحيرة، بل والقلق. خطاب لا يكتفي بتبسيط المشهد، بل يقلبه رأساً على عقب، فيضع موضع الاتهام من يسعى إلى حماية أمنه، ويمنح البراءة لمن مارس، طوال عقود، سياسة التمدد والتدخل خارج حدوده.
السؤال هنا ليس سياسياً فقط، بل هو سؤال في بنية الوعي: هل نحن أمام حالة من الازدواجية في التفكير العربي، أم أن الأمر أعمق من ذلك، ليصل إلى نوع من الانفصال بين الواقع كما هو، والصورة الذهنية التي يراد فرضها عليه؟
من المدهش أن بعض الأصوات، ومنها من يُحسب على النخب، يعيب على دول الخليج تعاونها العسكري مع قوى دولية، وكأن هذه الدول ليست كيانات مستقلة ذات سيادة، وعضواً كاملاً في الأمم المتحدة، ومن حقها، وفق القانون الدولي، أن تعقد ما تشاء من اتفاقيات دفاعية لحماية أمنها الوطني. بل إن هذا الحق ليس ترفاً سياسياً، وإنما ضرورة تمليها طبيعة الإقليم المضطرب، وتوازنات القوة المختلة فيه.
ولو أردنا الخروج من دائرة التنظير إلى الواقع المقارن، لوجدنا أن هذا السلوك ليس استثناءً خليجياً، بل هو القاعدة في النظام الدولي. اليابان، وهي دولة كبرى، ترتبط بمعاهدة أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وتستضيف قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها. كوريا الجنوبية، تحت التهديد المستمر من الشمال، تعتمد على تحالف دفاعي عميق مع واشنطن. دول أوروبا الغربية، من ألمانيا إلى إيطاليا إلى هولندا، جميعها جزء من حلف شمال الأطلسي، وتستضيف قوات أجنبية ضمن ترتيبات دفاع جماعي.
بل إن دولاً صغيرة ومحايدة تقليدياً، مثل سنغافورة، نسجت شبكة علاقات دفاعية متعددة مع قوى كبرى لضمان أمنها في بيئة إقليمية معقدة. وأستراليا، رغم بعدها الجغرافي، دخلت في تحالفات استراتيجية مثل “أوكوس” لتعزيز قدراتها الدفاعية. فهل يُنظر إلى كل هذه الدول على أنها فقدت سيادتها، أم أن الأمر يُفهم في سياقه الطبيعي كجزء من إدارة المصالح الوطنية؟
في المقابل، يغيب أو يُغيَّب عن هذا الخطاب ذاته، سجل طويل من السياسات الإيرانية التي قامت، بشكل واضح ومعلن، على إنشاء “عمق استراتيجي” خارج حدودها. في لبنان، لم يعد “حزب الله” مجرد تنظيم محلي، بل أصبح، باعتراف قادته، جزءاً من منظومة إقليمية تديرها طهران. وفي سوريا، وقبل التحولات الأخيرة، كان الوجود الإيراني العسكري والأمني كثيفاً ومتعدد الأذرع. وفي العراق، تشكّلت منظومة معقدة من القوى السياسية والمسلحة التي تدين بالولاء السياسي والعقائدي لإيران. أما في اليمن، فقد تحولت جماعة الحوثي إلى ذراع إقليمية تستخدم في الضغط والتفاوض وإدارة الصراع.
هذه الوقائع ليست تحليلات نظرية، بل حقائق ميدانية موثقة. ومع ذلك، نادراً ما نجد من يتوقف عندها في الخطاب ذاته الذي يوجّه اللوم إلى دول الخليج. هنا تحديداً تظهر المفارقة: يتم تجاهل الفعل، والتركيز على رد الفعل.
الأخطر من ذلك، هو شيوع منطق مبسّط، بل ومضلل، يقول إن “من ليس مع إيران فهو بالضرورة مع إسرائيل”. هذا النوع من التفكير الثنائي لا يعكس فقط فقراً في التحليل، بل يختزل مصالح الشعوب والدول في معادلة أيديولوجية ضيقة، لا تعترف بتعدد الخيارات ولا بتعقيد الواقع. فهل يصبح الدفاع عن أمن الخليج، في ظل تعرضه لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، موقفاً “مريباً” أو “مشبوهاً” لأنه لا ينسجم مع هذا التصنيف الحاد؟
إن أمن دول الخليج ليس تفصيلاً في معادلة الصراع الإقليمي، بل هو جزء أساسي من استقرار المنطقة ككل. هذه الدول لم تسعَ إلى الحرب، ولم تبنِ مشروعاً توسعياً خارج حدودها، بل على العكس، كانت – في معظم الأحيان – تميل إلى التهدئة وتغليب الحلول السياسية. ومع ذلك، وجدت نفسها، مراراً، هدفاً لصواريخ ومسيرات، بعضها أطلق مباشرة، وبعضها عبر وكلاء.
من هنا، فإن التعاون الدفاعي مع دول أخرى لا ينبغي أن يُفهم بوصفه ارتهاناً، بل كخيار سيادي مشروع، تمارسه كل دول العالم بدرجات مختلفة. بل إن المفارقة أن الدول التي تُنتقد اليوم على هذا التعاون، هي نفسها التي لم تُبدِ عداءً لإيران في مراحل طويلة، بل سعت إلى بناء علاقات متوازنة معها، قبل أن تتعرض لتهديدات مباشرة.
المشكلة، إذن، ليست في الوقائع، بل في طريقة قراءتها. هناك من يصرّ على قراءة المشهد بعين أيديولوجية، لا ترى إلا ما تريد أن تراه، وتتجاهل ما لا يخدم سرديتها. وهذه ليست فقط مشكلة فكرية، بل لها تبعات سياسية خطيرة، لأنها تضعف القدرة على بناء موقف عربي متوازن، قائم على المصالح الحقيقية لا على الشعارات.
إن النقد حق، بل ضرورة، لكن شرطه الأول أن يكون عادلاً، وأن ينطلق من قراءة شاملة للواقع، لا من اجتزاء انتقائي له. أما أن يتحول إلى أداة لتبرير طرف، وإدانة آخر دون معيار واضح، فذلك ما يفقده قيمته، ويحوّله إلى عبء على الوعي العام.
في لحظات الأزمات الكبرى، تتكشف حقيقة المواقف، ليس فقط على مستوى الدول، بل أيضاً على مستوى الأفكار. وما نراه اليوم هو اختبار صعب للوعي العربي: هل يستطيع أن يتحرر من ثنائياته الساذجة، وأن يرى الأمور كما هي، أم يظل أسيراً لخطابات موروثة، تعيد إنتاج الأخطاء نفسها؟