كارثة التعليم العربي – ضد المنطق

                             حين يُصادَر العقل: من تعليمٍ مُعلّب إلى وعيٍ مُغيَّب

                                                      محمد الرميحي

ليس الضجيج الذي يملأ الفضاء العربي اليوم حول تشتت الرأي العام  حول احداث احرب الأربعين يوما   ظاهرة طارئة، اختلفت الرؤي و تشتت النخب ، هو عرضٌ لمرضٍ أعمق. نرى من يبرر اعتداء إيران على دول الخليج، ونرى في المقابل من يختزل المشهد كله في وجود إسرائيل، وكأن الصراع لا يُقرأ إلا من زاوية واحدة. بين هذين الموقفين تضيع القدرة على التمييز، ويختلط السياسي بالعاطفي، هذا العجز عن الفصل بين الملفات ليس صدفة، بل نتيجة تراكم طويل في بنية التفكير، يمكن تتبعه إلى واحدة من أهم المؤسسات التي تشكل الوعي: التعليم العربي .

في هذا السياق، يسعفنا كتاب محمد توفيق المعنون  ( ضد المنطق: قصة التعليم المصري من محمد علي إلى إمبراطور الفيزيا)  هذا الكتاب الاستقصائي  يسهل فهم جذور الخلل. الكتاب لا يتحدث عن مصر وحدها، بل عن نموذج امتد أثره إلى معظم العالم العربي، حيث استلهمت دول عديدة بنية تعليمها من التجربة المصرية، في مراحل التأسيس. يروي المؤلف كيف تحول التعليم، عبر عقود، من مشروع لبناء العقل،  إلى نظام لتكديس المعلومات، ومن فضاء للنقد إلى آلية للامتثال.

يرى الكاتب ثلاثية سامة صحبت التعليم و يقدمها بالوثائق ،و هذه الثلاثية هي الدروس الخصوصية التي انتشرت بكثافة مع السنين ، و الكتب الخارجية ذات الملخاصات التي أصبحت صناعة هائلة ،و أخير ما سماه  (شقق مفوشة للغش) و يشرح تطور الغش في الامتحانات حتى يروي عن طه حسين انه كتب : لقد اكبرنا الامتحانات اكثر مما يبغي ، وجعلناها غاية ، فلها اثار سيئة تصل الى الاخلاق .. اظهرها الغش …

المشكلة، كما يصفها توفيق، ليست في المناهج وحدها، بل في الفلسفة التي تحكمها. حين يصبح الهدف من التعليم هو اجتياز الامتحان، لا فهم الحياة ، فإننا ننتج أجيالًا تحفظ ولا تفكر، تكرر ولا تحلل. ومع الزمن، نشأ نظام موازٍ للتعليم الرسمي يعتمد على : الدروس الخصوصية، الملخصات، ثم «البرشمة» باعتبارها تتويجًا لهذا المسار. لم يعد الطالب مطالبًا بأن يفهم، بل أن يصل إلى الإجابة بأقصر طريق، حتى لو كان ذلك على حساب النزاهة العقلية. الوصف الذي يقدمه توفيق مذهل و تتبع تلك الظاواهر الثلاث على مر قرن من الزمان يجعل الصورة أوضح .

هذه البيئة التعليمية لا تنتج فقط خريجين ضعفاء، بل تصوغ نمطًا من التفكير، يستمر مع الإنسان طوال حياته. تعود على تلقي «الإجابة النموذجية»  وملخص الملخصات ، لا يحتمل تعدد الآراء. ومن اعتاد على أن الحقيقة موجودة في ملخص جاهز، لن يبذل جهدًا في البحث والتحليل. وهنا يصبح الانتقال من قاعة الدراسة إلى ممارسة السياسة انتقالًا سلسًا: نفس العقل الذي كان يبحث عن «سؤال متوقع» هو الذي يبحث اليوم عن «سردية جاهزة» يعتنقها دون تمحيص.

حين ننظر إلى الجدل العربي الدائر حول حرب الأربعين يوما ، نفهم كيف يعمل هذا النمط من التفكير . هناك من يرى العالم في ثنائية مبسطة: مع أو ضد، صديق أو عدو.  لا مكان لااولويات ولا مساحة  لخفايا الأهداف ،هذه الذهنية ليست سياسية فقط، بل تعليمية في جذورها. هي نتاج عقل تدرب على الاختيار بين «صح» و«خطأ» في ورقة امتحان، لا على التعامل مع طيف واسع من الاحتمالات. الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التفكير يفتح الباب أمام التضليل . حين يغيب النقد، يصبح الجمهور أكثر قابلية لتصديق أي رواية، مهما كانت خارجة عن المعقول . رأينا في السنوات الماضية كيف انتشرت سرديات لا تستند إلى دليل، وكيف وجدَت من يروج لها ويؤمن بها في وسائل التواصل الاجتماعي. في كل مرة، يكون القاسم المشترك هو غياب القدرة على السؤال و المراجعة : من قال؟ ولماذا؟ وما الدليل؟ والأخير هو الأهم . لا يعني ذلك أن التعليم وحده مسؤول عن كل شيء، فهناك عوامل إعلامية وسياسية وثقافية. لكن التعليم يبقى القاعدة التي تُبنى عليها بقية العناصر. إذا كانت هذه القاعدة هشة، فإن كل ما يُبنى فوقها سيكون قابلا للسقوط . ومن هنا، فإن إصلاح الوعي لا يمكن أن يتم عبر حملات إعلامية عابرة، بل عبر إعادة النظر في الطريقة التي نُعلّم بها أبناءنا. إعادة الاعتبار للعقل تبدأ من إعادة تعريف النجاح في التعليم. ليس النجاح هو الحصول على أعلى الدرجات، بل القدرة على التفكير المستقل و التساؤل الخلاق . وليس التفوق هو حفظ أكبر قدر من المعلومات، بل فهمها ونقدها. هذا التحول يحتاج إلى رؤية ، وإلى إرادة سياسية وثقافية، لكنه الطريق الوحيد للخروج من دائرة التبسيط المخل وإنقاذ الجمهور من التهلكة . ما نراه اليوم من تشتت في الرأي العام ليس سوى مرآة لعقود من التعليم المُعلّب. وإذا أردنا رأيًا عامًا مستنيرا ، وقدرةً على التمييز،  فلا بد أن نبدأ من هناك، من المدرسة والجامعة، حيث يتشكل العقل قبل أن يدخل معترك السياسة. لقد اختار توفيق عنوانه ( ضد المنطق) حتى يقول لنا بالشواهد معضمنا يسير  ضد المنطق !!                                                                                                                                                                    .

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.