ما بعد الحرب حين تفرض الجغرافيا حسابها من جديد
لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد مواجهة عسكرية يمكن احتواؤها في إطار ضيق، بل تحولت إلى صراع إقليمي تتجاوز آثاره حدود أطرافه المباشرين. ما شهدته إيران من دمار، وما تعرضت له دول الخليج من استهداف بالصواريخ والمسيرات دون ان تكون طرفا ، يؤكد أن هذه الحرب كسرت قواعد الاشتباك التقليدي، وفرضت واقعاً جديداً لا يمكن قراءته بالأدوات القديمة.
دول الخليج لم تدخل هذه الحرب، ولم تكن طرفاً في قرار اندلاعها، لكنها وجدت نفسها في مرمى النيران. الإيرانية استهداف منشآت حيوية، وإطلاق مقذوفات من أراضٍ عراقية عبر مليشيات مرتبطة بإيران، يكشف أن ساحة الصراع لم تعد محصورة. هذا التطور يفرض إعادة التفكير في مفهوم الجوار المسالم ، فقد اثبت سلوك ايران ان هناك مخطط مرسوم لاستهداف الخليج ، ليس بسبب الا الاستحواذ على الموارد تحت عطاء ايدلوجي .
التفكير في اليوم التالي لدول الخليج ، لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة استراتيجية. فالدرس الأول أن ترتيبات الأمن التي سادت الخليج طوال عقود لم تعد كافية لمواجهة التحديات الجديدة. الاعتماد على التوازنات الدولية والحماية الخارجية لم يمنع انتقال التهديد إلى السلوك العلني وبالسلاح . .
الدرس الثاني أن الأمن لا يُستورد، بل يُبنى من الداخل. وهذا يستدعي إقامة صناعة عسكرية خليجية حديثة ذات طابع دفاعي، تقوم على تجميع القدرات وتقسيم الأدوار، وتحمل جماعي للتكلفة. العمل الفردي لم يعد مجدياً، بينما التعاون الجماعي يخلق قوة نوعية قادرة على الردع . .
الدرس الثالث يتعلق بأمن الممرات البحرية، حيث يمثل مضيق هرمز وباب المندب شرياناً حيوياً للاقتصاد. حماية هذه الممرات تتطلب جهداً دولياً منظماً، من خلال قرارات دولية واضحة تضمن حرية الملاحة ،وتضع أي تهديد لها تحت طائلة القانون الدولي, .
الدرس الرابع يرتبط بالبنية التحتية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع سكة حديد خليجية تربط دول. هذا المشروع يعزز الترابط الاقتصادي ، ويوفر عمقاً لوجستياً يقلل من المخاطر المرتبطة بالممرات ..
الدرس الخامس سياسي، ويتمثل في بناء تحالف للدول الراغبة في الحفاظ على استقرار المنطقة. هذا التحالف يجب أن يقوم على الشرعية الدولية، وأن يهدف إلى خلق توازن يمنع أي طرف من فرض إرادته بالقوة.
الدرس السادس أن هذه الحرب كشفت حجم الاستثمار الإيراني في القدرات الهجومية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التوجه وأهدافه المستقبلية، و الساذج فقط هو الذي يعتقد ان ايران لن تصنع القنبلة الذرية ، كل الشواهد تدل على انها عازمة على ذلك ..
هذه الحرب أعادت تعريف الأمن في الخليج، ولم يعد ممكناً الاعتماد على معادلات الماضي. المطلوب رؤية جماعية واضحة، تستند إلى إدراك عميق بأن الجغرافيا لا ترحم من يتجاهلها، وأن الاستعداد للمستقبل يبدأ من فهم دروس الحاضر. .
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد الجيوسياسي الذي تفرضه هذه الحرب على بنية الإقليم ككل، إذ إن استمرار استهداف البنية التحتية المدنية والعسكرية في دول الخليج، ، يكشف عن خلل عميق في منظومة الردع التقليدية. هذا الخلل لا يتعلق فقط بقدرات الدفاع، بل أيضاً بطريقة قراءة التهديد وتقدير مخاطره. فالدول التي تظن أن المسافة الجغرافية أو الحياد السياسي كافيان لتجنيبها تبعات الصراع، تجد نفسها أمام واقع مختلف، حيث تتداخل خطوط المواجهة وتتسع رقعتها دون إعلان رسمي. ومن هنا، فإن بناء منظومة أمن خليجية حديثة لا يجب أن يقتصر على الجانب العسكري، بل ينبغي أن يشمل أبعاداً اقتصادية وتقنية واستخباراتية، بما يضمن قدرة أعلى على الاستجابة والتكيف. كما أن الاستثمار في العنصر البشري، من خلال التدريب والتأهيل، يمثل ركيزة أساسية لأي مشروع أمني مستدام، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي من دون كفاءة تشغيلية واعية. وفي المقابل، فإن تعزيز التكامل بين دول الخليج في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات يخلق شبكة مصالح مشتركة تجعل من أي استهداف لأحدها استهدافاً للجميع، وهو ما يعزز منطق الردع الجماعي. كذلك، فإن الانفتاح على شراكات دولية متوازنة، تقوم على المصالح المتبادلة يمنح دول الخليج هامشاً أوسع في اتخاذ القرار المستقل ، ويقلل من الاعتماد على طرف واحد في إدارة الأمن. وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مواجهة التهديدات الحالية فقط، بل في القدرة على استشراف التحولات القادمة، وبناء سياسات مرنة تستجيب لها بفعالية، لأن عالم ما بعد هذه الحرب لن يكون أكثر استقراراً، بل أكثر تعقيداً.
إن التجربة التي فرضتها هذه الحرب تفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول مفهوم السيادة في عالم متشابك، حيث لم تعد الحدود السياسية كافية لحماية الداخل من ارتدادات الخارج. وهذا يفرض على صانع القرار الخليجي أن يعيد النظر في أدواته، وأن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المبادرات. كما أن تطوير خطاب سياسي وإعلامي موحد يعكس رؤية مشتركة يعزز من قدرة دول الخليج على التأثير في الرأي العام الدولي، ويمنحها حضوراً أكبر في صياغة مستقبل المنطقة، . وهكذا يصبح المستقبل رهناً بقدرة هذه الدول على تحويل الدروس القاسية إلى سياسات عملية، تعيد التوازن، وتمنع تكرار الأخطاء، وتؤسس لاستقرار أكثر صلابة واستدامة. في المدى المنظور .
اخر الكلام : ما بعد الحرب الجعرافيا لا تجامل أحدا !