قراءة في العقل السياسي الإيراني
محمد الرميحي
من الصعب فهم السلوك السياسي الإيراني في العقود الأخيرة دون العودة إلى لحظة التحول الكبرى عام 1979، حين انهار نظام الشاه، وقام نظام جديد، رفع شعارات دينية ذات صبغة مذهبية ، هذا النظام حمل في داخله مزيجاً معقداً من عناصر غير متجانسة. فمنذ ذلك التاريخ، تشكّل ما يمكن تسميته بـ«العقل السياسي الإيراني» على قاعدة ثلاثية: غيبية دينية، ونزعة قومية تاريخية، ولمسات انتقائية من الحداثة. وتصور ( وصائي ) على الاخرين ! هذا المزيج لم يُنتج انسجاماً، بل خلق توتراً دائماً وصراعا داخليا و مع الجوار ، انعكس في الداخل والخارج. استزف طاقة الشعوب و خرب اوطان .
العنصر الأول، وهو الغيبية، منح النظام شعوراً بالتفوق الأخلاقي والتكليف التاريخي. و ربما الإلهي ، فالدولة لا ترى نفسها مجرد كيان سياسي، بل مشروعاً يتجاوز الجغرافيا، مرتبطاً بفكرة «الرسالة» و«التمكين». وبسط السلطة على عالم يتجاوز الجغترفيا الوطنية ، هذه الرؤية تجعل القرار السياسي أقل خضوعاً للحسابات الواقعية العقلانية ، وأكثر ميلاً للمغامرة، لأن الفعل يُبرر أحياناً باعتباره جزءاً من مسار مقدس ، لا خياراً قابلاً للمراجعة.
أما العنصر القومي، فهو أقدم من الثورة نفسها. إيران، بتاريخها الطويل، لم تتخلَّ عن إحساسها بالمركزية، حتى وهي ترفع شعارات دينية عابرة للحدود. وهنا تناقض اخر ، لذلك نرى هذا التداخل بين خطاب إسلامي ظاهري، وسلوك سياسي يحمل في جوهره نزعة توسع قومي، يتجلى في النظر إلى الجوار باعتباره مجال نفوذ ، يتوجب التمدد فيه . هذا التناقض بين الشعار والممارسة أضعف الثقة مع الجوار ، وخلق حساسيات عميقة بين ايران و محيطها العربي والإقليمي.
ثم يأتي العنصر الثالث، وهو الحداثة الانتقائية. فالنظام تبنى أدوات الدولة الحديثة، مؤسسات، انتخابات شكلية، تعريفها الدقيق هو ( الاختيار لا الانتخاب) ، وتقنيات ، وبرامج عسكرية وصاروخية متطورة. لكنه في الوقت نفسه رفض جوهر الحداثة القائم على التعددية السياسية والمساءلة الاجتماعية والشفافية في اتخاذ القرار ، و اللاتزام يالقانون الدولي . وهنا نشأ خلل بنيوي عميق ، : مما جعلها تعيش صراعاً دائماً بين الشكل والمضمون.
هذه التوليفة الثلاثية لم تنتج استقراراً، بل أدت إلى حالة من التوتر الدائم مع العالم. فالعقل الذي يرى نفسه مكلفاً برسالة ربانية ، ومحصناً بأدوات القوة، يجد صعوبة في الانخراط في حوار متكافئ مع الاخرين ، الحوار يفترض الاعتراف بالآخر، بينما هذا العقل السياسي الإيراني يميل إلى نفي الاخر ، ويفسر الخلاف باعتباره استهدافاً، لا اختلافاً مشروعاً.
هذه الخلطة المعقدة جعلت ايران تتبني خيار إقامة وتدريب و الصرف على اجنحة في دول الجوار ناشطة او نائمة ، تقوم بتنفيذ اجندتها تحت شعارات مختلفة ، كي تبقى هي بعيدة بمشروعا عن الصراع المباشر ، ولكن تلك الاجنحة ادخلتها في صراع مباشر لم تحسب له ولا تعرف كيف تتخلص منه بسبب جمود التفكير السياسي الثلاثي .
النتيجة كانت اتساع دائرة العداء. علاقات متوترة مع الغرب، وخصومات عميقة في الإقليم، وشبكة من الصراعات بالوكالة، استنزفت الموارد، ورفعت كلفة السياسة الخارجية إلى مستويات غير مسبوقة. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا الخيار مجرد سياسة، بل أصبح جزءاً من هوية النظام، يصعب التراجع عنه دون اهتزاز داخل النظام .
انعكست هذه الخيارات . على الحياة العامة و الاقتصاد، في الداخل ، فرغم ما تملكه البلاد من موارد طبيعية وبشرية، دخل في دوامة من العقوبات وسوء الإدارة. العملة الوطنية فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، والتضخم أصبح عبئاً يومياً على المواطن. ومع كل أزمة، كان الخطاب الرسمي يميل إلى تفسير ما يحدث باعتباره مؤامرة خارجية، لا نتيجة خياراته السياسية
توتر المجتمع الإيراني ، فمنذ بداية هذا القرن، شهدت إيران موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية، تعكس فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع. الرد كان في الغالب أمنياً، يعتمد على القبضة الحديدية، ويبرر استخدام القوة . وفي كل انتفاضة، يسقط ضحايا، وتُغلق مساحات التعبير، ويتكرس شعور بأن الدولة لا ترى في مواطنيها شركاء، بل تهديداً محتملاً. ودائما للنظام القائم .
هذا المسار يكشف مفارقة لافتة، نظام نشأ باسم «المستضعفين» انتهى إلى مواجهة قطاعات واسعة من مجتمعه من المستضعفين . ومع كل جولة قمع، تتآكل شرعيته الاجتماعية، . فالاستقرار القائم على القوة وحدها، مهما طال، يبقى هشاً، لأنه لا يعالج الأسباب العميقة للاحتقان.
يمكن القول إن العقل السياسي الإيراني لم ينجح في تحقيق توازن بين مكوناته. ملكية الحقيقة المطلقة دفعته الى التصلب ، والقومية غذّت النزعة التوسعية، والحداثة بقيت سطحية. والنتيجة دولة تعاني اختلالاً داخلياً، وعزلة خارجية، وتوتراً دائماً بين ما تعلنه وما تمارسه. في الأسابيع الماضية تفاقمت ازمة النظام ، فقد وسع صراعه مع الجوار المسالم ، باستهداف دول الخليج ، وبذلك حول الشك في نياته الى يقين ، و أيضا قفل مضيق هرمز ، و الذي يخالف كل القوانين الدولية ، ويثير غضب دول العالم ،وفي الخطوتين ، كما في بناء الاذرع و البرنامج النووي ، يتبين كم من العناصر الثلاثة التي ذكرت قد طوقت النظام حتى الاختناق .