حين يفشل العرب في ادارة خلافاتهم – النهار الدولي

                                              حين يفشل العرب في إدرة  خلافاتهم

ليس أخطر على أي إقليم من خلافاته البينية ، إلا سوء فهم تلك الخلافات. فالاختلافات ليست دائمًا هي المشكلة، بل الكيفية التي تُقرأ بها، وتُدار، وتُستثمر. وفي الحالة العربية، يتكرر المشهد ذاته منذ عقود،  خلافات تُفهم بوصفها صراعات وجود، بينما هي في حقيقتها خلافات مصالح أو رؤى قابلة للإدارة.

العالم من حولنا لا يخلو من التباينات. أوروبا، التي تُقدَّم نموذجًا للتكامل، تعيش داخلها اختلافات حادة في الاقتصاد والسياسة والهجرة، ومع ذلك لم تتحول تلك الخلافات إلى قطيعة شاملة. السبب ليس غياب الخلاف، بل وجود عقل سياسي يدرك حدوده، ويمنع انزلاقه إلى صدام شامل. أما في العالم العربي، فكثيرًا ما تتحول المسائل القابلة للحل إلى أزمات مفتوحة، بسبب سوء التقدير أو تضخيم الذات.

ولقد تفجر ذلك مؤخرا في اللغط الحادث إعلاميا بعد العدوان الإيراني على دول الخليج ، فقد اختلفت النخب العربية الى حد الخصومة ،ودخل في النقاش من يعرف و من لا يعرف ،  فتسممُ العلاقات العربية – العربية في وقت حرج .

جزء من المشكلة يعود إلى قراءة النوايا بدل قراءة الوقائع. حين يُفترض في الطرف الآخر سوء القصد دائمًا، يصبح أي خلاف دليلًا على مؤامرة، لا مجرد اختلاف في التقدير. وهنا تُغلق أبواب الحوار قبل أن تُفتح، ويصبح التصعيد خيارًا أسهل من التفاهم. هذه الذهنية لا تنتج سياسة، بل ردود فعل متتالية.

كما أن الإرث التاريخي يلعب دورًا معقدًا. فبعض الخلافات الحالية تُحمَّل أكثر مما تحتمل، لأنها تُقرأ عبر ذاكرة مثقلة بالخلافات  و الشعارات القديمة. بدل أن يكون التاريخ مصدر فهم، يتحول إلى عبء يُعيد إنتاج التوتر. وهكذا يصبح الماضي حاكمًا على الحاضر، بدل أن يكون مجرد خلفية له.

وفي لحظات الأزمات الكبرى،  كما نمر بها اليوم تظهر كلفة هذا الفشل بوضوح. حين تتعرض المنطقة لضغوط خارجية، يُفترض أن تتقارب مواقف دولها، أو على الأقل أن تُدار خلافاتها بحد أدنى من التنسيق. لكن ما يحدث غالبًا هو العكس، تتعمق الفجوات، وتتحول الخلافات الثانوية إلى عناوين رئيسية، بينما التحدي الحقيقي يبقى بلا معالجة جماعية.

ليس المقصود هنا الدعوة إلى تطابق كامل في المواقف، فهذا أمر غير واقعي، بل الإشارة إلى ضرورة التمييز بين الخلاف الذي يمكن إدارته، والخلاف الذي يهدد الاستقرار. و  ويثير الفرقة ، هذا التمييز هو جوهر السياسة الرشيدة، وبدونه يصبح كل اختلاف مشروع أزمة.

كما أن الإعلام يلعب دورًا لا يقل أهمية. حين يتحول إلى منصة لتكريس الانقسام، بدل أن يكون أداة للفهم، فإنه يعمّق الهوة بين الأطراف. اللغة المتشنجة  من الهواة ، والمزايدة ، لا تُنتج حلولًا، بل تزيد من صعوبة الوصول إليها. وفي زمن السرعة، تنتشر هذه اللغة المتشنجة ..ويتحول راي شخص على انه راي دولة .

هناك أيضًا عامل يتعلق ببنية القرار. في كثير من الأحيان، تُدار الخلافات بردود فعل آنية، لا برؤية استراتيجية طويلة المدى. وهذا يجعل أي خلاف عرضة للتصعيد، لأن غياب التخطيط يفتح المجال للارتجال، والارتجال في السياسة مكلف.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من إشارات إيجابية. في بعض اللحظات، تظهر مبادرات تهدئة، أو محاولات لإعادة ضبط العلاقات. هذه اللحظات تؤكد أن الإمكانية قائمة، وأن المشكلة ليست في استحالة التفاهم، بل في غياب الإرادة المستنينرة.. .

في النهاية، المنطقة لا تفتقر إلى التحديات، لكنها كثيرًا ما تضيف إليها تحديات من صنعها. وهذا ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا، هل المشكلة في الاختلاف ، أم في طريقة فهمه؟وإذا أردنا أن نكون أكثر صراحة، فإن جزءًا من الخلل يكمن في غياب المؤسسات القادرة على امتصاص الصدمات. حين تكون المؤسسات ضعيفة، يصبح الاختلاف بين الدول أو داخلها أكثر قابلية للانفجار، لأن القنوات الطبيعية لمعالجته غير فعالة. المؤسسات هنا ليست ترفًا، بل صمام أمان سياسي. كما أن الاقتصاد، وهو عنصر حاسم في الاستقرار، كثيرًا ما يُستبعد من تحليل الخلافات العربية، رغم أنه في كثير من الأحيان يكون في قلبها. التنافس على الموارد، أو اختلاف نماذج التنمية، يمكن أن يولد توترات صامتة تتحول لاحقًا إلى خلافات معلنة. تجاهل هذا البعد يجعل التحليل ناقصًا، والحلول سطحية. ولا يمكن إغفال دور النخب. فحين تنشغل النخب بتكريس الاستقطاب، بدل أن تلعب دور الوسيط العاقل، فإنها تساهم في تعقيد المشهد. النخبة الحقيقية ليست التي ترفع الصوت، بل التي تخفض منسوب التوتر، وتبحث عن مساحات مشتركة.من هنا، فإن إعادة تعريف الخلاف تصبح ضرورة، لا خيارًا. الخلاف ليس عيبًا، بل هو جزء من طبيعة السياسة، لكن العيب هو تحويله إلى معركة دائمة. وإذا لم يتم هذا التحول في الوعي، فإن المنطقة ستظل تدور في الحلقة ذاتها، حيث تتكرر الأزمات بأشكال مختلفة، لكن بجوهر واحد. الطريق ليس سهلاً، لكنه واضح:، عقلانية في القراءة، وهدوء في الإدارة، واستعداد دائم للتراجع حين تقتضي المصلحة. هذه ليست شعارات، بل قواعد أثبتت التجربة العالمية أنها أساس الاستقرار.وما لم يُدركه بعض  العرب أن الخلاف يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن التعامل معه، اما اذا ركبته العاطفة و التحيز سيظل مصدر ضعف يستنزف الطاقات ويبدد الفرص.

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.