امن الخليج في زمن التحولات الكبرى : موقع عروبة 22

                           أمن الخليج في زمن التحولات الكبرى : من التنسيق إلى ضرورة الاتحاد

لم يكن هاجس الأمن في دول مجلس التعاون الخليجي وليد اللحظة، بل هو قلق ممتد منذ لحظة الخروج من عباءة الحماية الخارجية إلى فضاء الدولة المستقلة. منذ سبعينات القرن الماضي، كان السؤال المركزي الذي يشغل صناع القرار وأهل الفكر في الدول الخليجية ، كيف يمكن حماية هذه الدول المسالمة من تقلبات إقليم مضطرب، تتنازع فيه الأيديولوجيات ، قبل المصالح، وتتصادم فيه الطموحات قبل الحدود؟

في تلك المرحلة المبكرة، جرت محاولة أولى للتفكير الجماعي في الأمن الإقليمي من دخله ، حين انعقد اجتماع في مسقط بداية عام 1975 ضم دول الخليج، إضافة إلى إيران الشاه والعراق البعثي. كان الهدف واضحًا ان الهدف بناء تصور مشترك لحماية المنطقة. غير أن تلك المحاولة انهارت سريعًا، ليس بسبب نقص الرؤية، بل بسبب صراع عميق بين طهران وبغداد، وان خلافهما لا يمكن ان يحتوى ، كانا يخوضان صراعا لم يكن عقلانيًا بقدر ما كان محمّلًا بتاريخ من التوجس من جهة والأوهام الإمبراطورية من جهة أخرى .

لم تمض سنوات حتى انفجر ذلك التوتر في حرب ضروس بين العراق وإيران في الثمانينات القرن الماضي ، حرب استمرت زمنًا طويلًا واستنزفت موارد هائلة، ودفعت المنطقة بأسرها إلى حافة الخطر. في تلك اللحظة، أدركت دول الخليج أن أمنها لا يمكن أن يُترك رهينة لتوازنات الآخرين، وأن عليها أن تبني إطارها الخاص. فجاء مجلس التعاون الخليجي عام 1981  كصيغة واقعية تقوم على التشابه الجغرافي والاجتماعي، وعلى إدراك أن المصير مشترك بين هذه الدول .

حقق المجلس في بداياته قدرًا من التنسيق، وأوجد مظلة سياسية وأمنية خففت من وطأة التحديات. غير أن مرور الزمن، وتراجع الإحساس بالخطر المباشر، أديا إلى نوع من التراخي، وظهرت تباينات داخلية أبطأت من مسيرة التكامل. نشأ اعتقاد ضمني بأن التهديدات الكبرى قد تراجعت، رغم أن جذورها لم تختفِ، بل كانت تعيد تشكيل نفسها بهدوء.

ثم جاء ما سمي بـ”الربيع العربي”، الذي قرأته إيران باعتباره فرصة لتمديد نفوذها،  و( امتداد لثورة الخميني) ومحاولة لإعادة إنتاج نموذجها خارج حدودها. لكن دول الخليج، بفضل تماسكها الاقتصادي وتوازن سياساتها، استطاعت تجاوز تلك المرحلة بأقل الخسائر، وهو ما أعاد التأكيد على أن الاستقرار ليس صدفة، بل نتيجة إدارة واعية.

اليوم، ومع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يتكشف بوضوح أن الخلل في منظومة الأمن الإقليمي لا يزال قائمًا. بل إن دول الخليج أصبحت، بدرجات متفاوتة، عرضة لتداعيات مباشرة، سواء عبر الاستهداف العسكري أو عبر التهديدات غير المتكافئة. لم يعد الخطر نظريًا، بل بات ملموسًا، يطرق الأبواب دون استئذان.وخسرت دول الخليج بشرا وحجرا الشيء الكثير ،وبلغت الفاتورة حتى الان ، كما تقدر المصادر بين 60 الى 80 بليون دولار ، مباشرة او بشكل غير مباشر ، كما تعرض انها لتهديد وجودي .

في هذا السياق، يصبح التفكير في أمن جماعي أكثر صلابة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية. الفكرة التي تطرح نفسها اليوم هي الانتقال من صيغة التنسيق إلى صيغة التكامل، عبر تصور ما يمكن تسميته بـ”ناتو خليجي” واضح المعالم. ليس بالضرورة نسخة مكررة من التجربة الغربية، بل نموذج يتناسب مع خصوصية المنطقة، يقوم على توحيد العقيدة العسكرية، وتكامل القدرات الدفاعية، وبناء منظومة ردع مشتركة ووحدة اقتصادية .

إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل الأمن العسكري عن الأمن الاقتصادي. فالاتحاد الاقتصادي ليس مجرد مشروع رفاهي، بل هو أحد أعمدة الاستقرار. كلما زاد الترابط الاقتصادي بين دول الخليج، زادت قدرتها على امتصاص الصدمات، وتقليل قابلية الاختراق. الأمني، في معناه الحديث، هو شبكة متداخلة من المصالح، وليس فقط منظومة سلاح.

العالم من حولنا يتغير بسرعة. القواعد التي أرستها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تتآكل، والقانون الدولي يتعرض لاختبارات قاسية، بل إن بعضه يُخترق علنًا دون رادع. في مثل هذا المناخ، لا يكفي أن تلتزم الدول بالقواعد، بل يجب أن تمتلك القدرة على حماية نفسها حين تُنتهك تلك القواعد.

إن المخاطر التي تحيط بالمنطقة اليوم ليست صغيرة، بل مركبة ومتداخلة، تبدأ من التهديدات العسكرية ولا تنتهي عند الحرب السيبرانية والاقتصادية. والبقاء في موقع الانتظار، أو التعويل على توازنات خارجية، لم يعد خيارًا آمنًا. التاريخ القريب يقول بوضوح إن الفراغ في هذه المنطقة لا يبقى فارغًا، بل تملؤه قوى أخرى وفق مصالحها.

لا احد يعرف على وجه اليقين ما سوف تسفر عنه الحرب القائمة ، وقد تكون انا ببقاء النظام الإيراني بعد جرحه دون هزيمة ، فبصبح خطرا على الامن ، ان تتفتت ايران الى قوى متصارعة و بالتالي تسبب اخلالا بالامن ، و السناريةهات حتى الان غير واضحة و لا يمكن التكهن بها .

الخطوات  التي تفرض نفسها أن دول الخليج أمام لحظة مفصلي،  إما أن ترتقي بفكرة مجلس التعاون إلى مستوى اتحاد فعلي في الأمن والاقتصاد والسياسة ،  وتبدا الدارسات و المشاورات بذلك الاتجاه ، اخذا بما يفرضه  الةاقع و تحسبا  للمستقبل ، أو أن تبقى في منطقة رمادية تزداد فيها المخاطر مع مرور الوقت. الاتحاد ليس شعارًا، بل شرط بقاء، والفرقة ليست اختلافًا في الرأي فقط، بل مدخل إلى الهشاشة.

في عالمٍ لم يعد يحمي فيه القانون الضعفاء، يصبح التماسك الخليجي شرط بقاء… لا ترف سياسة.

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.