توقع المتوقع : مقال نشر في الشرق الاوسط 4 ابريل 2026

                                                     القراءة المبكرة هل تحققت ؟


في  28 أكتوبر 2023، وفي الأيام الأولى لحرب غزة،  او ما عرف ب (عملية طوفان الأقصى) كُتب  صاحب المقال تحليلا في هذه الصحيفة، حاول أن يقرأ ما وراء الحدث، لا بوصفه مواجهة محدودة، بل كبداية لمسار مفتوح على احتمالات أوسع. يومها بدت بعض الاستنتاجات حادة، وربما متشائمة، وذهبت في المقال على ان ( اليد الإيرانية ليست بعيدة عن فكرة و تشجيع تلك العملية ،) واشير في المقال على عدد من الشوهد ،   غير أن ما تلا ذلك من تطورات خلال عامين ونيف كشف أن تلك القراءة لم تكن مبالغة، بل توصيفاً مبكراً لمسار أخذ يتكشف تدريجياً ، حتى أصبح واقعاً ماثلاً أمام الجميع.  في هذا الصراع الدائر اليوم ولاكثر من شهر بين ايران و بين اسرائل و الولاايات المتحدة ، كانت قراءة مبكرة ( لانفجار برميل البارود ) وقد ذكر في ذلك المقالات لمحة عن التداعيات المحتملة للعملية على دول الخليج .

الفكرة المركزية في ذلك التحليل كانت أن إيران ليست طرفاً بعيداً، بل هي «الفاعل الخفي الظاهر» في المشهد، عبر شبكة من العلاقات المعقدة مع فاعلين ما دون الدولة ( أي ماليشيات) في أكثر من ساحة. هذا «الجهد النشط»، كما سُمي حينها، لم يكن مجرد دعم سياسي أو إعلامي من ايران ، بل منظومة متكاملة من التسليح والتمويل والتدريب، تمتد من غزة إلى جنوب لبنان، ومن العراق إلى اليمن، مع وجود خلايا متعاطفة في أماكن أخرى. تمهيدا لقيام الدولة ( التي تحكم العالم الإسلامي من طهران)!

ما حدث لاحقاً أكد أن هذا التوصيف في ذالك المقال  كان دقيقاً. فقد تحركت تلك الأذرع بشكل متزامن أو متدرج، بحيث تحولت الحرب من مواجهة في غزة إلى حالة إقليمية مفتوحة. في العراق وسوريا، استُهدفت قواعد ومصالح دولية، وفي جنوب لبنان اندلعت مواجهات ، وفي باب المندب ظهرت تهديدات جديدة لأمن الملاحة ،  لم تكن هذه التحركات عفوية، بل جزءاً من استراتيجية تقوم على توزيع الضغط وتوسيع دائرة التوتر.

التحليل المبكر  ذاك أشار أيضاً إلى أن إيران تسعى إلى فرض نفسها كمرجعية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية، وأنها تريد أن تكون «الفيل الأبيض» في الغرفة، الذي يفرض حضوره حتى وإن لم يكن جالساً على الطاولة بشكل مباشر.، الى درجة ان وزير خارجيتها السابق عبد اللهيان عرض على الطرفين ( حماس و إسرائيل) تبادل الاسرى في طهران !!  هذه الفكرة ، التدخل الإيراني ،تحققت إلى حد بعيد، إذ أصبح من الصعب في راي طهران  الحديث عن أي تهدئة أو ترتيب إقليمي دون المرور عبر طهران، وتلبية مطالبها في  التمدد و الاستحواد او على الأقل أخذ مصالحها ، كما ترراها ، في الاعتبار.


 التحليل  المبكر ، حذر من أن دول الخليج قد تجد نفسها، رغم عدم رغبتها ، في الانخراط في هذا الملف ، وان تصبح جزءاً من مسرح الصراع. وهذا ما حدث فعلاً.، بعد اكثر من سنتين من نشر المقال ، فالهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، سواء المباشرة أو عبر وكلاء، طالت منشآت ومناطق في كل  دولة خليجية، منذ 28 فبراير الماضي  و حتى اليوم ، في محاولة لفرض معادلة جديدة عنوانها أن الاستقرار لن يكون متاحاً في الإقليم ما لم تُراعَ «مصالح» الطرف الإيراني. وهي مصالح توسعية، وخاصة في الخاصرة الخلييجة ،               خلال العامين الماضيين، تكررت هذه الضغوط بأشكال مختلفة، مما جعل البيئة الأمنية في الخليج أكثر هشاشة. ومع كل جولة تصعيد، كانت تتأكد الفكرة الأساسية، أن الصراع لم يعد محصوراً بين إسرائيل و«حماس»، بل أصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع، تستخدم فيه القضية الفلسطينية كغطاء للتشويش على العامة ، لكنها ليست الهدف.                                                                                                                                       

التحليل أشار أيضاً إلى مفهوم «برميل البارود»، وهو توصيف لحالة الشرق الأوسط. ما جرى لاحقاً أثبت أن هذا البرميل لم يكن فقط قابلاً للاشتعال، بل إنه بدأ بالفعل في إطلاق شرارات متتالية، كل واحدة منها تحمل إمكانية الصراع العنيف . ورغم أن الانفجار الشامل لم يحدث الا مؤخرا ، فإن المنطقة كانت تعيش حالة من الاحتراق البطيء.   اليوم، وبعد مرور عامين،  وبعد الانفجار الشامل و ظهور النوايا على السطح ، يمكن القول إن ذلك التحليل المبكر أصاب الحقيقة . فقد تنبأ بطبيعة الدور الإيراني، وبآليات تحركه، وبامتداد الصراع إلى ساحات متعددة، وبإمكانية تأثر الخليج بشكل مباشر. والأهم أنه لفت إلى أن المشكلة ليست في حدث واحد، بل في بنية صراع قابلة للتجدد.  القراءة المبكرة  كانت تحذيراً من  احندة  نابعة من شهوة التوسع ، وما لم تُعالج جذور هذا المسار، فإن المنطقة ستظل تعيش على حافة التوتر، حيث كل هدنة مؤقتة، وكل استقرار هش، في انتظار جولة جديدة من التصعيد. لا احد يعرف مألات الصراع الدموي القائم و لا نتائجه النهاية ، ولكن ما يمكن التأكيد عليه انه دون تغيير  عقيدة النظام الإيراني القائم في تصدير الثورة وبناء الاذرع المناصرة تحت عيقيدة سياسية ( قومية) مسندة على تفسير غيبي ، فان الازمة سوف تطول ,

اخر الكلام : المشكلة ليست في التوقع ، بل في تجاهله .. ما حذر منه وقع !

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.