الموضوع الرئيسي الذي أريد أن أتحدث فيه هو( أمن الخليج في عالم متغير)
وربما هو موضوع الساعة
إلا أن الدخول إلى هذا الموضوع يحتاج إلى مقدمة أو فرشة عامة لفاهم المتغيرات الإقليمية أو الدولية حولنا
لذلك سأتحدث عن تلك المتغيرات في البداية، ثم بعد ذلك سوف أتحدث عن أين يقع أمن الخليج في هذا الخضم الكبير من المتغيرات الإقليمية والدولية المتضاربة و المتناقضة .
نحن في حقيقة الأمر في دول الخليج العربي وربما في المشرق العربي بشكل عام نقع بين سرديتين ، هاتين السرديتين لها صفات مشتركة عامة ، الأولى أن هذه هاتين السرديتين معتمدتين على الميثولوجيا، ، أي على الأساطير و التخيلات ،والثانية على شهوة التوسع في النفوذ السياسي في الجوار
الأولى هي الميثولوجيا الإسرائيلية، وهي تحدي علمي وحضاري وعسكري، وانساني
والثانية هي الميثولوجيا الفارسية أو الإيرانية، معتمدة أيضا على الأساطير وعلى تاريخ سابق وفي نفس الوقت على طموحات سياسية وتوسعية في الوقت الحاضر
سوف نأخذ كل واحدة منها على حدة من أجل محاولة تفكيكها ثم إعادة بنائها .
. الاولي تبدا بقصة إبراهيم وزجته سارة ، التي تأخرت في الانجاب فقررت ان تزوجه خادمتها ( يقال عبدتها) هاجر ، فولدت إسماعيل ، بعد ان تقدمت سارة في العمر ، رزقت بإسحاق ، الأول (إسماعيل) اب العرب من جارية، و الثاني ( إسحاق) أبو اليهود من حرة ، و ظهرت خرافة ( الشعب المختار) و الذي له مطلق الحرية في قتل احفاد ابن الجارية ، و التمثيل بهم باسم التفوق العرقي و الخرافي معا .
على الصعيد الاخر الميثولوجيا الفارسية ، لم تقبل ان يكون ( الاعراب في مفهومهم ) هم من يقدموا لهم الدين الحنيف ، لذلك فان اسمه في ادعاءاتهم ( الاستعمار العربي ) او للتخفيف ، الغزو العربي !
التشيع عربي و لكن هناك فرق بين التشيع العربي و التشيع الصفوي ، و قد فسر لنا على شريعتي ( الذي توفي شابا) في كتابه المعروف التشيع العلوي و التشيع الصفوي ، وقد قدم لنا نقدا تاريخي ظاهرة الانقسام داخل المجتمع الشيعية يرى أن التشيع الأصيل يمثلون الإمام علي بن أبي طالب وأهل البيت ويدعو إلى العدالة ومناهضة الظلم والزهد أما التشيع الصفوي الذي يسميه الكاتب مزور هو التشيع الظاهر وتبلور في ظل الدولة الصفوية في القرن السادس عشر الميلادي وهذا التشيع أساس هو لخدمة السلطة وركز على الطقوس والشكليات بدلا من بدلا من الجوهر وروج أيضا لخطاب الكراهية والتفرقة واستغل المذهب لصناعة هوية قومية فارسية.
بمرور الزمن اتخذت تلك الميثولوجيا اشكال من التطور ، فمنظر الأطفال الفلسطينيين في غزة وهم يتكالبوا ، كما يراهم العالم ، على قطعة خبز ، و ارشفة مرق ، تطبخ في اواني ضخمة لتلقى قطراتها في حلوقهم ، وهو يحملون طناجرهم في ايدهم ، الصورة التي يقشعر لها البدن ، هو امر طبيعي لدى أبناء السيدة ، فليسوا هم الا أبناء الجارية يحق قتلهم جوعا !!. ان لم يتحقق قتلهم بالقنابل الحارقة .
على مقلب اخر يرى المرحوم عبد اللهيان وزير خارجية ايران السابق ، في كتابه صبح الشام ، ان تدخل ايران في سوريا، هو من اجل الحفاظ على ( مرقد السيدة زينب) و بعد 7 أكتوبر في احداث غزة عرض نفس المرحوم على العالم اقتراحا بتبادل الاسرى بين إسرائيل و بين حماس في طهران نعم في طهران لا غير !! تكسبا سياسيا لا غير ! و استعادا للصفقة .!
في لبنان ينتظر كثير من المواطنين تغريدات افيخاي ادرعي ، حول أي المساكن سوف تقصف ، بعد دقائق ، و بمجرد التنويه عن الأماكن، ترصد الطائرات المسيرة زرافات من البشر تسعى سريعا خارجة من تلك المباني باقل ما يستطيعون حمله من حاجاتهم الضرورية تائهين ، في منظر كئيب لمن يشاهد ذلك الخروج المحزن ، لم يحدث في الحروب، مثل هذه الصور و القاتمة .
انه الدم العربي المسكوب في كل من غزة و الضاحية، و في أماكن أخرى ، وهو دم ( ابناء الجارية) من جهة و ( دم الاعراب) من جهة أخرى ، وهو رخيص رخص التراب عن الطرفين .
هؤلاء ، الذين يعتقدوا انهم يحاربوا الشر او شريحة منهم ، هم في الحقيقة ضحية ميثولوجيا ، قد اخذو الى ذلك الطريق من خلال التضليل ، اما بسبب ضيق قاتل و انسداد افق، كما في غزة ، او تلويح بميثولوجيا جديدة تعلى الكثير من الأفكار الوهمية ، و معها الكثير من التمويل ، كما افراد حزب الله ، ان اذهبوا فقاتلوا نحن هنا مستعدون لأجراء الصفقات ، كم من اهل الجنوب اللبناني يقتلوا ليس مهما ، المهم ان يتغنى الرؤساء بالانتصار ، وكم من البنانين يضيق عيشهم ، ليس مهما أيضا كم من البشر ينامون في شبه خيم على الطرقات في عاصمة النور العربية السابقة بيروت !
لا احد يلام غيرنا ، فقد تعودنا الدخول في صراعات لم نستعد لها ، و تبعنا أفكارا هي في الغالب أوهام كانت تسمى ( النصر الإلهي) و خربت الأوطان بأيدي أبنائها ، شارك فيها من حمل السلاح ومن حمل الأفكار و خزمة من السياسيين النفعيين ، و التي كانت جوبهم اهم من اوطانهم .
المأساة التي نواجه ان لا احد باستطاعة التكهن بنتائجه الا انها كارثة سوف تحولها الميثولوجيا الى انتصارات ، وعظم الله اجركم في الأوطان و البشر .
المخرج العقلاني هو عودة الوعي، و الخروج الجمعي من الخرافة القاتلة .
المسألة اليهودي التي يشار إليها أيضًا باسم المشكلة اليهودية عبارة عن نقاش واسع النطاق في المجتمع الأوروبي في القرنين التاسع عشروالعشرين يتعلق بالوضع والمعالجة المناسبين لليهود في المجتمع. كان النقاش مماثلة لما يسمى «مسائل وطنية» وتناولت وضع اليهود المدني والقانوني والوطني والسياسي كأقلية في المجتمع، لا سيما في أوروبا في في القرون 18و19و20 .
وقد استخدم التعبير من قبل الحركات المعادية للسامية من ثمانينيات القرن التاسع عشر فصاعداً، وبلغت ذروتها في عبارة النازية
«الحل النهائي للمسألة اليهودية». وبالمثل، استخدم التعبير من قبل أنصار ومعارضي إقامة وطن يهودي مستقل أو دولة يهودية ذات سيادة.
الحاجة لدراسة المسألة اليهودية
كثيرون يقفوا حائرين ، كيف تتم هذه المجازر في غزة ، والرأي العام جزئيا يندد بها، ومع ذلك لا تستجيب إسرائيل لأي من الضغوط الشعبية في مدن العالم؟
الجواب لأن إسرائيل واثقة بأن العواصم العالمية الرسمية المؤثرة تقف معها، بصرف النطر عما تقوم به في غزة أو في الضفة الغربية.
حاجتنا إلى فهم (المسألة اليهودية ) فهما علميا ،و ليس فهما عاطفيا أو خرافيا ، تتأكد أكثر بعد كل هذه المسيرة ،التي أصبحت تقارب الثمانون عاما ،ولها ما قبلها، وبالتأكيد لها ما بعدها.
الدراسات المعمقة المطلوبة هي محاولة الإجابة على سؤال كيف تحول الوضع العام في أوروبا (أوروبا الأكبر، بما فيها روسيا والولايات المتحدة، ) كيف تحول هذا العالم، من كره ونفور شديد لليهود ،وإنكارا لمواطنتهم، ومن ثم عزلهم، و وضع كل الشرور الاجتماعية على أكتافهم ، تحول هذا الوضع الذي ساد في قرون طويلة، قبل القرن التاسع عشر، إلى احتضان كامل لما يقوم به اليهودي في إسرائيل اليوم?
أهمية دراسة( المسألة اليهودية ) من أجل ايقاظ فهم علمي موضوعي، وليس تبريري ،لما يقوم به الجيش الإسرائيلي في كلا المنطقتين، غزة أولا، والضفة الغربية ثانيا.
وجد اليهود في أوروبا طريقهم الى التمكن ، من خلال ما عرف بمرحلة التنوير ، قرب وبعد الثورة الفرنسية، أواخر القرن الثامن عشر ، قاد مرحلة التنوير الأوربي مجموعة من المثقفين الغربيين ، ثم شارك فيها بشكل واسع مجموعة أخرى من اليهود ، أو اليهود الذين أصبحوا مسيحيين، ففي أواخر القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر ، أتيحت الفرصة أمام القوى المضطهدة المختلفة في المجتمعات الى الانعتاق ، كان ذلك من خلال أفكار التنوير (فولتير ومونتسكيو وروسو )و انتشرت أفكار المساواة بين المواطنين، وما ان انتصف القرن التاسع عشر، حتى وجد اليهود الأوروبيين نفسهم يخوضون معارك التنوير في أوروبا مع اقرانهم (الثوريين)
لعب اليهود دورا مهما في التنوير، أو ما يعرف بالتنوير اليهودي، الذي استمر خلال القرن التاسع عشر، وكان هدفه دمج اليهود في المجتمعات الأوروبية الحديثة ،عبر التعليم ،والإصلاح الديني، ونشر قيم العقلانية والحرية من أبرز مفكري التنوير اليهود موسى مندلسون ، الذي يعرف بأنه فيلسوف التنوير اليهودي، دعا إلى التوفيق بين الفكرة اليهودية والتنوير الأوروبي، وكتب مؤلفات كثيرة، اكد فيها ان الإيمان يجب أن يكون حرا وليس مفروضا من الدولة، وشجع اليهود على تعلم اللغات الأوروبية ،والخروج من الغيتو الفكري، الذي انحصروا فيه لقرون.
في بروسيا قاد فكرة التنوير إسحاق أبرافانيل، وهو من تلاميذ مندلسون، وأسس مجلة كانت منبرا لنشر الفكر التنويري بين اليهود، ودعا إلى التعليم الحديث، أما نافتالي هرس ويسلي ، فكتب رسالة مشهورة دعى فيها الى تعليم أبناء اليهود العلوم والفلسفة الحديثة ، جنبا إلى جنب مع الدراسات الدينية ،واعتبر أن التقدم الاجتماعي لن يتحقق دون تبني قيم التنوير ،كما دعا إلى دراسة اليهودية بالمنهج العلمي التاريخي، سعيا لجعل اليهودية دينا عصريا ومتوافقا مع الدولة القومية، وهكذا ساهم مفكرون وكتاب يهود من أصل ألماني أو فرنسي أو إنجليزي في هذا التيار الواسع من عملية التنوير، الذين الذي دام عقود ، فكانوا ليس فقط مستفيدين من أفكار التنوير ، بل أيضا فاعلين رئيسيين في صياغة، ونشر أفكار التنوير، خصوصا عبر حركة الهسكلاه ، هذه الحركة دفعت أوروبا إلى النظر لليهود، ليس فقط كأقلية دينية ،بل كجزء من مشروع المجتمع المدني الحديث في الدولة الوطنية، و حركة الهسكلاه ، ظهرت في أوروبا خلال أواخر القرن الثامن عشر ، بداية القرن التاسع عشر واستمرت حتى القرن العشرين ،بدأت في ألمانيا أولا ثم امتدت إلى بولندا وروسيا وليتوانيا وشرق أوروبا ،وأخذت على عاتقها تحديث المجتمعات اليهودية التقليدية، التي كانت معزولة في مناطق الإشكناز و الغيتوات، وأدخلت الصحافة العبرية الحديثة، وأصدرت المجلات أيضا باللغة العبرية من أجل هذا الهدف.
شارك اليهود في كل الانتفاضات التي تمت ضد الحكم القيصري ، تحت شعار التحديث ، تقدر المصادر ان اليهود في قيادة الثورة البلشفية بلغ 20% بينما نسبتهم في السكان لا اكثر من 5% !!
بعد الهولوكوست في ألمانيا ، تبين للقادة اليهود ان طلب الاندماج غير مرحب به في المجتمعات الغربية ، فتوجه كثير من القادة الفكريين اليهود الذين انخرطوا في عملية التنوير، إلى فكرة أن الإنقاذ النهائي لليهود أو حل المسألة اليهودية ، هو من خلال تبني الأفكار الصهيونية ، أي إيجاد دولة خاصة بهم ، فاندمجت أعداد كبيرة في الحركة الصهيونية، ليس من اليهود فقط، ولكن أيضا من الآخرين من المسيحيين المتشددين، بأن الحل النهائي للمسألة اليهودية، ليس فقط في عملية التنوير والمصالحة الاجتماعية و الاندماج ، ولكن أيضا إيجاد دولة لهم تخصهم وحدهم! و استطاعوا من خلال قدرتهم العلمية المكتسبة ،ان يؤثروا في الأوساط الأوروبية ومن ثم الامريكية .
وهكذا بدأت الدولة الإسرائيلية، بمجموعة من الأفكار الاشتراكية، والأفكار الإصلاحية الغربية، والاعتماد على العلم والبحث العلمي، مع مكون ديني يشد أزر فكرة الوطن اليهودي، من اشهر المنظرين ليو بنسكر الطبيب الذي هجر فكرة الاندماج ، وكتب كتاب التحرر الذاتي auto-emancipation
ذلك ملخص شديد للمسألة اليهودية وتطوراتها ، ولا أطالب الدول العربية بإنشاء مركز أو تمويل مراكز للدراسة المسألة اليهودية، إنما اتمنى أن يقوم أصحاب رأس المال العرب، بتبني هذه الفكرة ، وهي إنشاء مركز دراسي أو أكثر من مركز ، لدراسة المسألة اليهودية بطريقة علمية وعقلانية ،،بعيدا عن العواطف وبعيدا أيضا عن الأساطير، للإجابة عن سؤال مركزي ( كيف تحول المدافعون عن حقوق الانسان و الحريات الى الإدمان على العنف ؟ )
من هذه المعرفة يمكن الحصول على أدوات يمكن بها مقارعة فكرة الدولة الاستيطانية، و اقناع حكومات الغرب ، أما الركون إلى العواطف أو الأساطير، فإن ذلك لن يقدم لنا شيئا.
، وان نظرنا إلى المعالجات الحالية، الإعلامية و السياسية و حتى الفكرية ، سوف نجد أنها ضحلة ، لا تفسر هذا الواقع الذي نعيش فيه من قتل جماعي، واستهتار بالإنسانية من جهة، و دعم رسمي من حكومات ديمقراطية و من وجود رأي عام شاجب، ولكن في نفس الوقت تجاهل إسرائيلي تام !!
المسئلة الإيرانية
إيران محاولة للفهم!
الساحة النقاشية العربية والعالمية مليئة بوجهات النظر المختلفة، وربما المتعارضة في الموضوع الذي شغل العالم ولا زال وهو الاشتباك الإسرائيلي الإيراني المسلح .
الكثير من العواطف والمشاعر ركبت تلك التحليلات، لذلك فإن المتوفر منها والمقنع للعقل قليل، فقد تخندق الجميع كل في سرديته.
هنا محاولة الابتعاد عن المشاعر والعواطف، والمواقف المسبقة، من أجل تقديم صورة قد تكون ما امكن أقرب إلى الواقع، رغم أن هذا الواقع ما نعرف عنه قليل وما نجهله لا ليس بالقليل.
أريد أن أقدم هذه الأفكار في مجموعة من نقاط عشر مترابطة هي الاتي :
أولا: القيادات في إيران ليست على رأي واحد في الاقتراب في ملفات بناء الدولة الحديثة ، هي تعيش في نفس الفضاء الجغرافي، ولكن في أزمنة مختلفة ، بعضها في الزمن الحديث، وبعضها في الزمن التاريخي القديم ، لذلك نجد أن مرحلة محمد خاتمي مثلا تختلف عن مرحلة أحمد نجاد، فتمر إيران بتموجات على الأقل في القضايا الدولية ، من مكان إلى آخر ، حرب إسرائيل على إيران مؤخرا جعلت من الطيف السياسي الإيراني يتجمع في الغالب في الزمن التاريخي القديم، والحديث عن الانتصارات الكبرى التي حققتها الإمبراطورية الفارسية ، فنحن أيضا أمام موضوع تاريخي سياسي ليس من السهل تفكيك مفاصله أو وضع أمام أشعة كاشفة، لان الازمات الكبرى تعيد الشعوب الى الماضي .
ثانيا: هناك خلط ربما تلقائي او متعمد بين المذهب الشيعي الاثني عشري، وبين السياسة الإيرانية ،لذلك لدى البعض ان انتقاد التوجه السياسي الإيراني ،يعتبره هذا البعض انتقاد للمذهب الشيعي ، و للعقلاء الاثنان مختلفان تماما ، وإن تساندهما بسبب سياسي في هذه المرحلة التاريخية .
ثالثا : صرفت إيران حسب مصادر متقاطعة وربما مؤكدة بين 2011 و2023 ما يقارب من 30 بليون دولار من أجل مساندة ما عرف بشكل واسع (الأذرع الإيرانية) أو بالمعنى الاستراتيجي الخنادق الأمامية، تحت شعار أننا نحارب خارج أرضنا حتى لا نحارب في أرضنا . اشتباك ال12 يوما فضح فساد هذا التوجه على أرض الواقع من جانبين، الجانب الأول أن الاشتباك أصبح على الأرض الإيرانية ، والجانب الثاني أن تلك الأذرع أو الخنادق الأمامية ، لم تستطع أن تساعد إيران في معركتها مع إسرائيل.
رابعا : الخنادق الأمامية أو الأذرعة الإيرانية في عدد من البلدان العربية كان شعارها الذي يسوق للجمهور أنها من أجل تحرير فلسطين، سواء كانت في غزة أو في لبنان أو في سوريا سابقا أو في العراق أو في اليمن ومرت الصراعات المتعددة ، دون أن تحرر ولو كيلومتر واحد من فلسطين التاريخية ، معنى ذلك للعقلاء أيضا أن تلك الخنادق الأمامية ومن صنعها يعرف أنها لا تستطيع أن تفعل ذلك ، ولكن فعلها سلبي في نسيجها الاجتماعي وفي دولها كان ضارا للغاية ، فقد قسمت المجتمع، وأسقطت الدولة ، وأفقرت الناس وزرعت الشكوك بين المكونات المختلفة في تلك الدول، عدا الأرواح التي زحلقت ومعظمها من العرب.
خامسا : هنا نصل إلى بيت القصيد أو مركز الثقل ، اي ما يمكن أن يعرف بالوصاية التي تفرضها القوة الثورية الإيرانية على الآخرين، هذه الوصاية مستمدة من أفكار لم تعد قادرة على فهم الواقع أو مواجهة المشكلات الحالية ، وما دامت تلك الوصاية موجودة في أذهان القيادة السياسية الإيرانية ، فإن الارتياب فيها سوف يبقى قائما من جوارها، لأن عددا كبيرا من الدول العربية والمجتمعات العربية لا تقبل تلك الوصاية مع اعترافها بحرية الإيرانيين باتخاذ ما يروه من أنظمة سياسية في بلادهم .
سادسا : امتلاك القدرة العسكرية النووية ، وهنا تتعمق المشكلة ، فهناك دول مثل باكستان والهند وكوريا الشمالية امتلكت القدرة النووية العسكرية ، لماذا إذن تمنع إيران من ذلك؟ المؤكد أن تلك الدول ليس لها مشروع وصاية على ما حولها، لذلك فإن امتلاكها لتلك القوة قد يكون محتملا من المجتمع الدولي أو من جوارها، أما إيران التي تقول بالوصاية على الآخرين، وتثبت ذلك في دستورها، فإن هذه الوصاية هي التي تقلق المجتمع المحيط بإيران ، والمجتمع الدولي، لهذا السبب هناك مقاومة ظاهرة أو باطنة بأن تمتلك إيران سلاحا نوويا عسكريا.
سابعا :على المستوى الدولي، هناك تأييد ولو مبطن من روسيا الاتحادية لدفع إيران للمواجهة من خلال التهديد بالنووي، أومن توسيع الوصاية ، سبب روسيا الاتحادية للدفع بذلك أنها تريد توريط الولايات المتحدة في مستنقع حرب إقليمية ، كما هي متورطة في حرب إقليمية أخرى في أوكرانيا ، وبالتالي تنشغل الولايات المتحدة عن الملفات الأخرى في أوروبا، لذلك كان من الحصافة أن لا تتورط الولايات المتحدة بشكل مباشر وطويل في الحرب بين إسرائيل وبين إيران، وهذا ما حدث .
ثامنا : فكرة الوصاية بتفرعاتها المختلفة تحتاج من الدولة الإيرانية الى إعادة النظر وبجدية كاملة في نتائجها لأنها تكلف إيران تكاليف باهظة ، ومردودها تقريبا صفريا ، كما حدث في سوريا أو في بعض المناطق التي لإيران أيادي تمويلية أو تدريبية، لقد ثبت أن تلك القوى غير قادرة على المساعدة وأيضا غير قادرة على تحقيق ما تعلنه من تحرير فلسطين.
تاسعا: تحدث كثيرون عن قوة الموساد في الداخل الإيراني، وقليل لمح إلى أن ذلك ليس في المطلق كما يبدو، ربما للموساد بعض الأيادي في الداخل الإيراني ، ولكن المعلومات الكثيفة التي سربت إلى أعداء إيران هي في بعضها من قوى إيرانية داخلية، ضاقت ذرعا بتجربة أكثر من 40 عاما للنظام الإيراني الحالي، وعلينا أن لا نتجاوز هذه النقطة ، والحديث فقط عن الموساد الخارجي، هناك تيار داخلي لا يراد أن يعترف به ولكن هو موجود، وهو الذي سرب كثيرا من المعلومات إلى الآخرين، خاصة إذا ذكرنا أن هناك كتابات وتصريحات من رجال في النظام أيضا، أن ما يصرف على الأذرع الإيرانية هو هباء ، والأفضل أن تصرف هذه الأموال الطائلة على التنمية في إيران، وهذا رأي موجود ، ويكتب أيضا في الصحف الإيرانية.
عاشرا : هناك فشل واضح في إدارة الاقتصاد والدولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هناك بطالة مرتفعة وفقر متزايد ، وتراجع في سعر العملة عدا عدم رضى واسع لدى طوائف مختلفة من الشعوب الإيرانية وخاصة الشباب ، التي ترى في تبني إيران الخط الاستراتيجي والعقيدة السياسية المعتمدة لم توصلها لما توقعت أن تصل إليه.
باختصار اذا لم تتغير العقيدة الإيرانية من ( الوصاية) الى التعاون كدولة ، فأننا سبقي في الازمة ، وان تغير شكلها .
امن الخليج في زمن مضطرب
بدعوة مشتركة من مركز الخليج للأبحاث في الرياض ، و مركز دراسات الخليج في جامعة الكويت التأمت ندوة علمية الخميس الماضي ،ضمت متخصصين رسميين واكاديميين ، من اجل دراسة ومناقشة ورقة اعتمدها مجلس التعاون بعنوان (رؤية مجلس التعاون لدول الخليج العربية للأمن الإقليمي) ، و التي صدرت بعد مشاورات العام المنصرم 2024 .
الورقة منشورة على موقع مجلس التعاون الرسمي، للمهتمين للاطلاع عليها ، ما سوف يأتي هو انطباع كاتب هذه السطور عن مجمل ملاحظات المشاركين .
في النقاش تبين ان اية ورقة تكتب في وقت ما ، تتسارع الاحداث حول موضوعها في عصرنا تسارعا غير مسبوق ، كما قال هارولد ولسون رئيس وزراء بريطانيا العمالي في وسط السبعينات من القرن الماضي ( أسبوع في السياسة فترة طويلة)!
لقد تسارعت الأحداث في السنوات القليلة الماضية، فقلبت الكثير من المفاهيم الدولية حول الامن الوطني و الإقليمي ، وخاصة في الشهور الاثناء عشر الماضية ،لقد تحطمت ربما دون أي احتمال للإنقاذ قواعد دولية شبه صارمة، توافقت عليها الأمم بعد الحرب العالمية الثانية ، و حتى الان لا يبدو ان هناك قواعد جديدة ، العالم في مرحلة (الايقين) القانوني و السياسي ، و قد تبدلت قوة القانون بقانون القوة .
على الساحة العالمية يبدو ان هناك صفقة في الأفق، بين الولايات المتحدة و بين روسيا في السماح للأخيرة، بشروط مخففة، ان تقضم جزء من أراضي أوكرانيا ، و الحجج جاهزة ، وهناك خلاف بين الحلفاء الغربيين، وصل الى التنازع اللفظي في المؤتمرات الدولية ، وهناك تسامح دولي لإسرائيل للتمدد ما بعد حدود جنوب لبنان، و ما بعد حدود الجولان السوري ، في منطقة هلامية لم تستقر بعد.
و في الشرق الأوسط حروب امتدت طويلا، و تغيير في الأنظمة، و صراع شبه ظاهر وشبه خفي بين المشروع السياسي الإيراني، و بين طلب الاستقرار و التنمية في المشروع الاخر ،وفي عهد الصفقات الكبرى ، لا بد من التحوط الواعي لما يمكن ان يحدث في صفقات أخرى ، حيث بدت العلاقات الدولية و كأنها سوق عقار لا اكثر ، المساوة و المصلحة، هي التي تسود في نهاية الامر .
ومع التدمير الذي حصل في غزة و في سوريا و في لبنان و في اليمن و في أماكن أخرى من الشرق الأوسط، فان العبئ المالي سوف يًحمل في الغالب، من اجل الاعمار، على دول الخليج، و بهذا تفقد جزئيا قدرتها على التنمية الداخلية .
من هنا فان بناء منظومة ردع خليجية جادة لاتقاء الأسوأ، جراء تلك التحولات العاصفة في الساحة الدولية ، هي عين الصواب ، ولقد خطت دول الخليج ، كما بينت الوثيقة خطوات إيجابية ،وان هناك جهد حقيقي لتحديد المهددات العسكرية، بريه وبحرية ، و المهددات شبه العسكرية ، والمهددات السياسية التي تحيط بدول الخليج، و عوامل تسارعها و طريقة ردعها على قاعدة استراتيجية ( عدم الصدام ،ولكن بناء الردع)
المناقشات في الندوة المغلقة كانت عميقة و مسؤولة، بينت مدى إحساس الجميع بأهمية التعاون الخليجي الوثيق في ظروف متغيرة بشدة، والركون الى القوة الذاتية ، بدلا من الاصغاء الى وعود سواء إقليمية او دولية ، قد تتغير في اية لحظة .
ربما ما شعر به المجتمعون كان قد شعر به المسؤولون، و سمع لديهم ، فقد لعبت المملكة العربية السعودية ، تعبرا عن وعي بالمخاطر ، لعبت دورا إيجابيا في جمع المتناقضين، الولايات المتحدة و روسيا الاتحادية، دون اهمال للجانب الاوكراني ، فأشاد الثلاثة علنا بذلك الموقف ، كما دعت لقمة مصغرة الجمعة الماضي للنظر في التحولات الإقليمية ، و هو نشاط تقوم به دول المجلس دعما للاستقرار، و بعدا عن المناكفة، في مرحلة التحولات الكبرى .
لماذا ايران بحاجة الى قيادة جديدة ّ!
تغير قيادات الدول بشكلين في الغالب، اما من خلال صناديق انتخابا في انتخابات عامة شفافة يقبل بها جميع الفرقاء السياسيين ، او بانقلاب من الداخل ، في بعض الأوقات معان بالخارج بسبب ( عمى سياسي) تمارسه عن حماقة النخبة الحاكمة لوقت طويل .
عدم استيعاب القيادات للتاريخ يجعلها تكرر أخطاء من سبقها . المتخصص في الشأن الإيراني الكاتب امير طاهر منذ أسابيع نشر مقالا في الشروق الأوسط قال فيه ( ان ايران تحتاج الى جورباتشوف) ، ربما الاكثر ايران تحتاج الى قائد مثل كونراد اديناور الألماني ، بعد الحرب العظمى الثانية .
من المؤكد ان الاعتماد على الاكراه هو احد اهم اعراض عدم كفاءة القيادة، و السبب الثاني في عدم الكفاءة ، الشهوة في التوسع خارج الحدود . لم يكن اكثر اعتمادا على الاكراه في التاريخ الحديث للشرق الأوسط اكثر من محمد رضا بهلوي شاه ايران السابق ، لقد كانت اذرع جهازه السري، منظمة المخابرات و الامن ، مختصرها ( السافاك) تطال أي معارض في داخل ايران و في خارجها ، حتى وصل الى تهديد بعض أعضاء البرلمان البريطاني ، كانت قوة قاهرة وفاجرة ، قتلت عشرات الالف و اخفت مثلهم من الإيرانيين ، ومن غيرهم ، ومع ذلك في نهاية المطاف سقط حكم الشاه .
صدام حسين اعتمد على الجهاز السري ، فطارد المعارضة في عواصم العالم ، بل اغتال معارضيه في الكويت ،كما فعل مع حردان التكريتي ،وارسل سيارات دبلوماسية لتهريب الجناة !
كفاءة الإدارة السياسية هي القدرة على اقناع المواطنين ان يسروا الى جانب مشروعهم دون اكراه ، وبالتالي يتوجب ان يكون مشروع مدني تنموي ، بعيدا عن الصراعات ، حتى الان عشرات الالف من المواطنين الإيرانيين فقدوا حياتهم او تشتتوا في الاصقاع بسبب سياسية الاكراه ، و هي سياسة افظع من سياسية الاكراه الدنيوي ، هي اكراه يدعى انه رباني !!
المانيا دخلت في حربين ، العالمية الأولى و الثانية ، من اجل ( توسيع ممتلكاتها) وفي نهاية الامر فقد ملايين من شعبها و أيضا شعوب أخرى ، و اول عمل عمله كونراد أديناور باني المانيا الحديثة ان قطع نهائيا مع فكرة التوسع .
تجمع ايران اليوم بين الاكراه في الداخل ، والتوسع في الخارج ،وهي سياسة مكتوب عليها الفشل ، و تحاول بعض القوى الإيرانية ان تخرج من هذا المأزق ، بدليل ان الناس اختارت اقل الشرين في الانتخابات العامة الأخيرة ، بين المتشددين و ( الإصلاحيين) على ميوعة المصطلح الأخير ,
الاتحاد السوفيتي لسبعون عاما اختار أيضا سياسية الاكراه في الداخل و سياسية التوسع في الخارج ، حتى اصبح الموطن في تلك البلاد ليس له رأي في ما يدور حوله ، ودخل في مغامرات عسكرية دفع فيها الكثير من موارده و طاقاته ، وقد فشل بامتياز ، من أوروبا الشرقية و حتى عدن جنوبا و كوبا غربا !
في كل الأحيان سياسية الاكراه تأخذ المجتمع شيئا فشيا الى انحراف المؤسسات، و نمو معارضة دخل مؤسسات الدولة .
مقتل إسماعيل هنية و كذلك مقتل عددا من الخبراء الإيرانيين في المتخصصون في الصناعات الحديثة ، و تهريب كم من وثائق برنامج التخصيب النووي ، لم يكن بالمستطاع تنفيذها ،مهما كانت قوى الاجهزة المنفذة، لولا تعاون ما من الداخل الإيراني ، وربما من الملتصقين ( ظاهريا) بالنظام .
تراجع ايران او حتى (تمهلها) في الرد على مقتل هنية ، رغم الحديث الصاخب عن الرد ( المدوي) دليل اخر على ان النظام يشعر بنقاط ضعفه ، فان تم الاشتباك المباشر و الطويل مع إسرائيل يعني في بعض ما يعنيه الاشتباك مع الولايات المتحدة ،و ذلك يعني تعرض بقاء النظام للخطر .
الطموح المفرط و الغطرسة تستدعي دائما العيش على حافة المخاطر ، و أي انزلاق من تلك الحافة يعني السقوط في الهاوية ,
لا يرى كثيرون ان النظام الإيراني القائم قد استوعب دورس التاريخ ، بعض القيادات الوسطى و ربما قليل من العليا تعرف ذلك ، اما صلب النظام فهو مأخوذ بمقولات ( ما روائية) ليس لها رؤية سياسية حديثة ، هي مزيج من أفكار غير قبالة للتطبيق في العصر الذي نعيش وتصال بالموتى في انتظار عوتهم للحياة !! .
لو اتجهت ايران الى نظام قائم على المساواة و التطبيق العلمي لقواعد القانون الدولي ، لنجت و نجى الإقليم من كل هذه الازمات المحيطة به ، ودمجت الوسائل مع الغايات، للصول الى الخير العام المشترك .
قد تمثل المجموعة الإصلاحية التي تشكلت بعد انتخابات الراسية الأخيرة ، قوة لضبط النهور و منع الانزلاق للتشدد ،حيث بدات مظاهر تكوين فريق يحيط بالقيادة يخفف من معضلات قرارات المتشددين,
الا ان المعركة لم تحسم و لن تحسم قريبا ,
الحقيقة المعروفة حتى الان ان طهران لن تدخل في صراع مباشر و طويل مع إسرائيلـ لانها تعرف ان ثمن ذلك في نهاية الامر انتهاء النظام كما عرف في نصف القرن الماضي ، فموارد ايران لا تتحمل ذاك الصراع ، كما ان اذرعتها لن تقوى على الصمود ، فحماس تفقد السيطرة على غزة، وتنمو معارضة شبه نشيطة في لبنان ، و قد تتفرغ إسرائيل للحزب لقصقصه اطرافه الحادة !
الا ان سقوط ( الوهم الكبير ) يحتاج الى وقت ،وقد يحتاج أيضا الى عددا من الصدمات ، لننتظر و نراقب !!