الناصرية في الخليج العربي

نشر هذا المقال في مجلة الثقافة العربية التي كانت تصدر في طرابلس \ ليبيا في عدد رقم 12 و الصادر في اكتوبر 1974 ، وقد اختفت المجلة منذ زمن وبقيت بعض اعدادها في مكتبات قليلة ،و قد حصلت من جديد على النص للمقالة في مكتبة جامعة يوتا في الولايات المتحدة ) و من هنا جاء النشر من جديد على موقعي بنفس العنوان و بنفس الاسلوب الذي كتب وقتها ،وعلى القارئ ان يتذكر ان هذا النص كتب عام( 1974 )
مقدمة :

أنه من الحقائق المعروفة ان الناصرية قد أثرت في سير العمل السياسي في الوطن العربي بشكل عام، والخليج لم يخرج عن هذه القاعدة. رغم ان جمال عبد الناصر شخصيا لم يقم بزيارة أي جزء من أجزاء الخليج- عدا مروره الخاطف بالبحرين في طريقه الى باندونج 1955 ومن بعد ذلك بعام في زيارته الشهيرة الى الظهران القاعدة الأمريكية في شرق الجزيرة- إلا ان جمال عبد الناصر والناصرية كان لهم أثر بالغ في تطور الأحداث السياسية في الخليج. فقد تشكلت الناصرية في الخليج في العقدين الخامس والسادس من هذا القرن ( العشرين) أساسا لمنطلقات وطنية تبلورت في مجريين أساسيين.

عن طريق ردود فعل عفوية لدى الجماهير، تتصدى لها قيادات محلية مؤمنة او مدعية بالناصرية تنظمها وتبلور مطالبها الوطنية بشكل مفصل وعلى المستوى المحلى.
عن طريق قيام تنظيمات مؤطره، ترفع شعار عبد الناصر، وتعمل على تنظيم وتوسيع قاعدة العمل السياسي، مستفيدة مما تحققه الناصرية على المستوى العالمي من إنجازات.
ومن الأمانة القول أن كلا الشكلين السياسيين السابقين لم يكن ليوجدا بين جماهير الخليج لولا وجود تطلعات وطنية بين تلك الجماهير تنبذ استمرار التبعية الى الأجنبي، وتتطلع الى مجال سياسي واجتماعي أرحب مما هي فيه إلا أن القول يبقى صحيحا كذلك، ما نوه به أحد القادة الوطنيين من الساسة الحاليين في الكويت حيث قال” لقد نشأنا ناصريين”
وللإجابة على هذا السؤال لماذا وجد هذا الزخم الناصري في العقدين الخامس والسادس في الخليج؟ يجب النظر الى ما بشرت به الناصرية من أهداف، والنظر كذلك إلى واقع الخليج السياسي. فقد جاءت الناصرية لتبشر بالوحدة العربية، وطرد الاستعمار وبناء قوة عربية تقف أمام التحديات التي يجابه بها الوطن العربي، ورفض الأنظمة العشائرية.
ومن واقع التجزئة القومية التي تعيشها جماهير الخليج في جزيئات من الأرض، ومن وجود الاستعمار، ومن ظرف موضوعي اخر هو وقوع الخليج نفسه على أقصى الطرف الشرقي للوطن العربي مواجه بقوميات أخرى جعل من التصاقه بالأهداف القومية ممارسة يومية أكثر من شعارات.
والناصرية في العقد الخامس:
في بداية الخمسينات، عندما قامت ثورة يوليو في مصر كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الخليج في طفولته.
ولم يكن بالمقابل حتى ذلك الوقت قد بدئ في تثمير مردود النفط لصالح مجتمعات الخليج، بل إذا استثنينا البحرين- التي كان دخلها من النفط قد بدأ في أواسط الثلاثينات – فأن الكويت وقطر لم يكن لتجاوز بدء حصولهما على عائدات البترول الا سنوات قلائل. لذلك لم يكن هناك اية بنية تحتية قد بدأت بالظهور.
فالطرق الحديثة والمدارس والمستشفيات، كلها كانت في بداياتها. الا أن الثروة الهائلة المتوقعة في الخليج لم تكن لتخفى على السلطات البريطانية، التي كانت تسيطر سيطرة مطلقة على مقدرات دويلات الخليج النفطية.
فقد كانت الشركات البريطانية ضالعة في امتصاص عائدات النفط، كما هي ضالعة في الحصول على حصة الأسد من مشروعات التطوير البادئة في الخليج. وذلك عن طريق التسلط السياسي والمستشارين البريطانيين الذين الحقوا بالإدارات الحكومية في الامارات الخليجية .
واستمر مثلا عمل السير شارلز بلجريف – مستشار حكومة البحرين، نيفا وثلاثين عاما، وكان اثناءها المهيمن على معظم إدارات الحكومة، ومن أهمها الإدارة المالية والشرطة فلا غرو والأمر كذلك ان تذهب جل المشاريع الكبرى الى شركات بريطانية. (1)
وكذلك الحالة في الكويت فعن طريق المستشارين البريطانيين تم التوصل في بداية الخمسينات الى اغرب اتفاق للإنشاءات الحكومية حيث لزمت المشاريع الكبرى لشركات بريطانية وليس عن طريق مناقصات انما على أساس الربح المضاف الى التكلفة. وهذا الصرف الاعتباطي أدى الى ان الإدارة الحكومية أوقفت بعد وقت قصير مشاريع كثيرة حينما شعرت ان التكاليف في هذه المشروعات بدأت تفوق الحد الى درجة تقود الى افلاس الخزينة، وهكذا في قطر هيمن المستشار الإنجليزي على مالية الامارة. ولقد اودعت الامارات بناء على نصائح مستشاريها أيضا ثلث دخلها من البترول في مصاريف بريطانية.
لقد كانت السلطة البريطانية في الخليج تخطط ليس لهدف دفع ثمن بخس للنفط فقط، وانما كذلك عن طريق احتكار عائداته، في حين ان شعب الخليج كان يتطلع الى استعادة مقدراته.
لذلك فالتناقض بين التطوير الذي كانت تهدف اليه مجتمعات الخليج، وبين السيطرة التي كانت تسعى اليها السلطة البريطانية هذا التناقض فجرته الدعوة الناصرية للتحرير والتخلص من السيطرة الأجنبية.
لقد كانت جماهير الخليج تتابع باهتمام خطوات الثورة الناصرية ومشاريعها الأولى، خاصة دعوة الجلاء البريطاني عن أرض مصر. فقد خبرت جماهير الخليج الاحتلال والتسلط البريطانيين مدة طويلة من الزمن. فقد تدخلت بريطانيا بشكل أو بأخر منذ ان عقدت الاتفاقية العامة مع امراء الخليج سنة 1820، بأمور الخليج الداخلية، وسيطرت على علاقاته الخارجية فمن التفتيش على السفن الخليجية في البحر- مصدر الرزق الأول- الى التدخل في الشؤون الداخلية عن طريق عزل وتنصيب الحكام. (2)

لذلك كان احتمال جلاء الانجليز عن مصر بشرى لجلائهم عن الخليج مما يتيح للقوى الوطنية ان تحقق أهدافا سياسية واجتماعية أفضل.
ولم تكن الإدارة البريطانية بالمقابل تجهل ان اسكات صوت القاهرة، هو الطريق السليم لإسكات جماهير الخليج، والتحكم في خيراته، لذلك فقد بدأت الدعاية البريطانية ترى في كل تحرك جماهيري خليجي مؤامرة ناصرية. (3)
الا انه من الطبيعي أن جماهير الخليج لم تكن لترضى بعد عناء، بالتسامح وغض النظر عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتردية.
فبعد الحرب العالمية الثانية، وأثر تفجر النفط في الكويت وقطر – بعد أن سبقتهما البحرين- برز مجتمع متطلع لتحقيق أهداف وطنية محددة. فالمشاركة في السلطة وقد كانت هاجسا قويا أدت الى قلاقل سياسية في التركيبة السياسية الفوقية التقليدية- وكانت سنة 1938 علامة بارزة على ذلك الطريق، فقد قامت مطالبات متعددة بتمثيل شعبي في البحرين والكويت ودبي، الا انها ضربت بحدة بعد حين من قبل السلطة البريطانية متعاونة مع الاجنحة الأكثر محافظة في الأنظمة التقليدية.
الا أن الهاجس لم تنقطع جذوره. فبجانب الفئة التجارية التي توسعت بين الحربين في أمارات الخليج التجارية (الكويت، البحرين، دبى) نمت كذلك فئة متوسطة أخرى من أصحاب المحلات التجارية الصغيرة، وموظفي الإدارة التي اخذت تتوسع، وتغذى كل ذلك من نتاج التعليم المنظم الذى بدأ مبكرا في الخليج (1920 في البحرين- 1936 الكويت) كذلك فأن فئة عمالية حديثة برزت مع بداية البحث واكتشاف النفط، كانت هذه الفئة العمالية تختلف عن العمال في صناعات الخليج التقليدية(الغوص او بناء السفن) اذا احست بأهمية بيعها لقوة عملها لقاء أجر محدد ومعروف.
هذه التركيبات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة ساعدت في الإسراع ببروز حركة سياسية شبه منظمة في مناطق معينة من الخليج، وعفوية في مناطق أخرى، خلال العقدين الخامس والسادس من هذا القرن ( العشرين) .
الا ان كل هذه الحركات السياسية كانت ترتبط عقائديا بالناصرية سواء مباشرة او غير مباشرة، حيث كانت الناصرية بحد ذاتها تطلعات الشعب العربي من محيطه الى خليجه.
وبدأت هذه القوى السياسية تأخذ شكل التصادم مع السلطات المحلية التقليدية او البريطانية. فبدأت في البحرين بأضراب عمالي شامل في ديسمبر سنة 1954 استمر بعده الوضع يتطور حتى شكلت هيئة سياسية في شكل تجمع وطني سمى ” بالهيئة التنفيذية العليا” وما لبثت ان غيرت اسمها الى” هيئة الاتحاد الوطني”. لقد اخذت الهيئة على عاتقها المطالبة بمطالب وطنية ما لبث الانجليز ان ترجموا هذه المطالب الى انها بادرة ناصرية لخلق المتاعب لهم في الخليج فبدأ التخطيط لضرب هذه الهيئة وجميع عناصرها الوطنية.
لقد كانت هيئة الاتحاد الوطني تطالب بمطالب وطنية داخلية، منها تشكيل مجلس تشريعي ونقابات للعمال واصلاحات في الإدارة الحكومية، وحرية للصحافة…….الخ
الا انها كانت في نفس الوقت على اتصال بالنظام الناصري. فقد قام بزيارة البحرين المرحوم فؤاد جلال- الذي كان معاونا لعبد الناصر في النصف الأول من العقد الخامس ونظمت له الهيئة لقاءات جماهيرية في النوادي الثقافية كما قام المرحوم عبد الرحمن الباكر سكرتير هيئة الاتحاد الوطني بزيارة القاهرة في سنة 1955 بعد تسفيره، وكان قد سافر من البحرين لمدة وجيزة على شرط ان لا يذهب الى القاهرة. وهناك -كما قال للكاتب- قابل عبد الناصر، الا ان الأخير وقد كان يعرف إمكانيات جماهير البحرين مقابل الإمكانيات العسكرية البريطانية في الخليج نصح بالتعقل-وقال بالحرف الواحد” اعتقد انه لا يمكن ان تفعلوا الكثير هناك”.
ورغم أن الهيئة التنفيذية العليا كانت رسميا تصر على أنه ليس لها اتصال بالنظام الناصري، جاءت الضربة التي قضت عليها، عندما لم تستطع ان تقف مكتوفة الأيدي إزاء رغبة الجماهير في البحرين بالتعبير عن سخطهم اثر الاعتداء الثلاثي على مصر في نوفمبر سنة 1956 فقد دعت الهيئة-عندما وجدت غضبة الجماهير لا تقاوم -الى اضراب شامل شل نشاط الجزيرة، وكان هو الأساس الذى استندت عليه السلطة البريطانية لضرب الحركة والقبض على عناصرها ونفيهم او سجنهم. (4)
وفى الكويت حيث مرت في العشر سنوات التي تلت الحرب الثانية، بحزر تارة وبمد سياسي تارة أخرى، وحيث بدأ الانفاق الحكومي بشكل متعاظم واعتباطي، سيطرة فئة قليلة من المستفيدين على الوكالات الأجنبية، وبدأ كأن المال العام مباح لمن يستطيع الوصول اليه وهم قلة بينما يحرم منه الأكثرية. كما نمت قوى عاملة سواء في إدارات الحكومة او شركات النفط مما أبرز أهمية العمل السياسي، لتحقيق المطالب الوطنية.
وبدأ هذا العمل عن طريق الطلاب الكويتيين في بيروت حيث بدأت حركة القوميين العرب في دهاليز الجامعة الأمريكية تستقطبهم، وبعد ذلك عن طريق الطلاب في القاهرة حيث كان التفاعل مباشرة مع إنجازات الناصرية، وبالذات الخارجية منها التي تسعى لهدف عربي (جلاء الانجليز، كسر احتكار السلاح- الانفتاح على أوروبا الشرقية والاعتراف بالصين) هذه الخبرات نقلت الى الكويت مع تبنى حركة القوميين العرب للأفكار الناصرية، والتي كانت في ذلك الوقت تعبر عن طموحات فئة كبيرة من الشعب الكويتي، أما كبار التجار فكان يهمهم كسر الطوق التجاري البريطاني الا ان ذلك لا يمكن ان يتأتى الا عن طريق كسر الطوق السياسي. فاهتمت هذه الفئة بشباب حركة القوميين العرب في الكويت، وشاركت معها في نضال وطني عربي الاتجاه.
كما ان متوسطي وصغار التجار وموظفي الإدارة الحكومية كانت لهم مصالح مباشرة، سياسية واقتصادية في التخلص من النفوذ البريطاني التجاري، والاستشاري. كما ان الشريحة المتقدمة في النظام الكويتي كانت تتعاطف مع أماني هذه الفئات للوصول الى بناء دولة حديثة.
قادة حركة القوميين العرب المتعاطفة مع الناصرية، والجماهير التي شدت بقوة الى ما حققته الناصرية من إنجازات سياسية، كل ذلك كان عونا للحركة في الغوص الجماهيري. كما ان وجود مصالح حقيقية لكثير من فئات الشعب في التطوير الداخلي، وغياب حركات سياسية منافسة جعل من الساحة الكويتية مجالا رحبا لبذور الناصرية، فسيطرت لمدة طويلة على العمل السياسي، مع اتجاه قومي واسع ومحلى ضيق.
وما ان وقع الاعتداء الثلاثي حتى كان بمثابة الزناد الذى اطلق الرصاص، فطافت في شوارع الكويت المظاهرات والتجمعات الشعبية واصبح واضحا ان الحركة الوطنية تقف مواجه الشريحة الأكثر محافظة في النظام.
وفى قطر كذلك تبعت عفويا النداء الناصري، فقامت إضرابات عمالية في ام سعيد(مركز التصدير للنفط القطري)، وفجرت أنابيب البترول ابان وبعد الاعتداء الثلاثي على مصر. الا ان تلك الحركة ما لبثت ان ضربت بقسوة من قوات الشرطة ذات العناصر الأجنبية.
كما قام النظام الناصري في أواسط العقد الخامس بمناصرة تحرك الامام السياسي في عمان الداخل وفتح لإمامة عمان مكتب في القاهرة، زودت عن طريقه حركة الامام غالب بالدعم السياسي والمالي.
أما خروج الناصرية بنصر سياسي في اعقاب 1956 فقد حفز السلطة البريطانية في الخليج على محاولة التصدي لامتداداتها في المنطقة ، فضربت وبقسوة الحركة الشعبية في البحرين كما اسلفنا في أوائل سنة 1957، وكان للحركة الشعبية في قطر نفس النتيجة، أما في الكويت فقد استمرت حركة القوميين العرب، الموالية للناصرية سنتين أخريين، حيث لم تكن قد شكلت خطورة بعد، وحيث انخرطت في نضالات سياسية منها المشاركة في انتخابات دائرة المعارف والبلدية، وتنظيم مجموعات من المحاضرات الثقافية في نادي الحركة” الثقافي القومي” ومجموعة مقالات في صحيفة الفجر.
الا انه بعد ثورة 1958 في بغداد استطاعت القوى الأكثر محافظة في النظام الكويتي بالتعاون مع السلطة البريطانية- ضرب الحركة الشعبية، واغلاق الصحف والنوادي الأدبية والاجتماعية التي كانت خير تعبير للقوى الوطنية.

الخليج والناصرية في العقد السادس:
جاء العقد السادس ( من القرن العشرين) كي يأتي معه عدة تحولات، سواء في الناصرية كمفهوم سياسي او بعلاقاتها بالخليج فبعد ان كانت اتصالات الناصرية مباشرة ، توجهت الى جنوب الجزيرة في مبادرة تاريخية لتطبيق روح القومية العربية التي نادت بها الناصرية لمدة طويلة بهدف محاربة التخلف العربي في أسوأ بقعة، فدخلت الجيوش العربية اليمن في أوائل ذلك العقد و استفادت القوى الوطنية بشكل إيجابي هناك، فنهضت هذه القوى لمحاربة البريطانيين في عدن، وكون فرع حركة القوميين العرب في جنوب اليمن علاقات وطيدة -وفى بعض الأحيان متعثرة- مع الناصرية، وما لبث ان تفجرت ثورة ظفار في عمان سنة 1965 وكانت في بداية انطلاقها ناصرية.
أما في الخليج فقد استقرت الناصرية في ضمير أكثر فئات الشعب التصاقا بالعمل الوطني، حيث تخلت عنها فئات أخرى، بعد أن حققت في ظل الانفتاح في الكويت (في بداية الستينات) مصالحها التي كانت تسعى اليها. كما أن الطريق العقائدي الذي ِاختارته الناصرية بعد الانفصال ( عن سوريا) وأهمه النص على الاشتراكية العلمية في الميثاق الوطني المصري ، وحربها مع النظام السعودي كل ذلك جعل من الناصرية حركة جماهيرية دون الأطر العليا التي تبعتها في الخمسينات.
فقوميا كانت حركة القوميين العرب قد شهدت انقساما في صفوفها بعد مؤتمرها القومي سنة 1962 فقد خرجت القيادات اليمينية المؤسسة في الحركة وظهر يسار تقدمي يتبنى نضالا قوميا ثوريا اشتراكيا ويلتزم بالبرنامج السياسي لحركة التحرر الوطني العربية المتمثلة في الناصرية ( المجددة) .
وفى الكويت بدأ التحول الى هذا الاتجاه فكرس فرع الحركة في الكويت سمة 1965 كمركز إقليمي في الخليج، وعقد مؤتمر الخليج والجزيرة بعد ذلك بسنة وعشية الإعلان عن محادثات الوحدة الثلاثية سنة 1962 (سورية-ج.م.ع- العراق) سارت مظاهرات في مراكز العمران في الخليج العربي، وسقط الجرحى في دبى من جراء تدخل عناصر أجنبية(إيرانية) في صد تلك المظاهرات ، وكان ذلك امتداد اخر للناصرية.
لم يكن موقف الناصرية من قضايا الخليج موقف المتفرج، فقد شاركت بإيجابية في قضايا حيوية تهم المنطقة، فقد تبينت الخطر الحقيقي للتسلط الغربي وهو الخطر القادم من شرقي الخليج حيث الإمبراطورية الإيرانية تطمع بلعب دور فعال في تشكيل مستقبل المنطقة، فكانت القطيعة المصرية الإيرانية سنة 1962.كما انه بمبادرة ناصرية أخرى تحركت الجامعة العربية لسد المحاولات البريطانية وتحركها المشبوه حول ساحل الخليج الداخلي(دولة الامارات الان) وقامت بعثة من الجامعة لتقديم العون العربي، الا ان المتعاونين مع هذه البعثة ما لبث ان طردوا (5)
وجاءت حرب 1967 ففقد المد القومي الناصري على طول وعرض الأرض المصرية ولم تخرج ساحة الخليج من هذه الموجة، ومن جراء المعاناة ومحاسبة النفس تبنت الفئات المثقفة في الخليج صيغا نظرية أخرى، منتقدة الخطوات الناصرية – التي اعتمدت على أسلوب التجربة والخطأ في تحقيق مسار وطني تقدمي_ ومن جهة أخرى فان كوادر كبيرة في الحركة الوطنية في الخليج قد حققت مصالح ذاتية لها فتخلت عن العمل الوطني بشكل عام. الا ان الملاحظ أنه حتى الخلاف الذي نشب بين الناصرية وحركة القوميين العرب لم تستطع الحركة أن تنزع أطرها من الأيمان بالناصرية، وافلتت كوادر كثيرة من الحركة في الخليج مفضلة الالتزام بالناصرية بشكل عام على ترويج أدبيات الحركة التي تشجبها.
ان وفاة عبد الناصر المفاجئة ‘صدمت الكثيرين في الخليج- كما هو الشأن في الوطن العربي_ ومن المقالات التي نشرت في صحف الخليج رثاء لعبد الناصر، يمكن الاستنتاج ان الناصرية بقيت في ضمير شعب الخليج، وكذلك من خلال القصائد الشعبية التي دبجت بعد وفاته نستكشف الأثر الحقيقي لصدى الاتجاهات الناصرية رغم النكبات.
بعد وفاة عبد الناصر نشطت فئات وطنية في ساحة الخليج لإحياء تنظيمات سياسية كبرى تكون أهدافها مبادئ الناصرية القومية وتسعى لتحقيق لأهداف مرحلية وطنية، هذه التنظيمات السياسية لا شك واجدة في شعب الخليج صدى جيدا. وهذه تظهر في أكثر اشكالها تنظيما في التجمع الوطني في الكويت- التجمع الناصري في البحرين.
الا ان المعضلة الكبرى التي يتوجب النظر اليها من قبل أولئك الناصريين سواء في الخليج أو الوطن العربي المقولة بأن الناصرية مجموعة من الأفكار النظرية والممارسات العملية التي لم تتبلور حتى الأن في خط نظري واحد ومتعارف عليه.
لذلك فأن الممارسات والانتصارات اليومية الناصرية، والتي جندت خلفها الجماهير، بدأت رحلة النهاية بعد حزيران 1967 وانتهت بالفعل بعد وفاة عبد الناصر في سنة 1970 وبعدها بدأت رحلة العودة من الشعارات القومية، وحتى المصالحة مع الأنظمة الأكثر تقليدية ففقدت الجماهير العربية في الخليج الأمال العراض وأصبحت تعيش جزرا فعليا بعد المد القومي في الخمسينات والستينات.
هوامش:
لقد كتب السيد شارلز بلجريف كتابا عن تجربته في البحرين خلال الثلاثين سنة التي قضاها هناك وكان هذا الكتاب ملئ بالمغالطات انظر
Sir Charles Belgrave: Personal Column 1960

تدخلت السلطات البريطانية في عزل الشيخ محمد بن خليفة في البحرين سنة 1869. كذلك في عزل الشيخ عيسى بن على سنة 1923.أعقب ذلك عزل الشيخ صقر بن سلطان حاكم الشارقة سنة 1965 وبعد ذلك بعام تم عزل الشيخ شخبوط بن سلطان في أبو ظبي.
انظر كتاب:
Anthony Nutting, I Saw for myself 1959
لقد حمل هذا الكتاب على البعثات التعليمية المصرية على أنهم مخابرات عبد الناصر في الخليج ودعا الى اخراجهم. ومن المفارقات أن هذا الكاتب عرف في وسائل الأعلام العربية أنه صديق العرب! لأنه استقال من منصبه في حكومة ايدن سنة 1956
لتفاصيل أكثر عن هذه الحوادث انظر مؤلفنا عن البحرين.
طرد الشيخ صقر بن سلطان حاكم الشارقة لأنه تعاون مع البعثة ورفضت امارات الساحل في ذلك الوقت عرضا بمبلغ 5 ملايين جنيه إسترليني قدمها مجلس الجامعة للأنفاق على مشروعات التنمية في المنطقة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.