ازمة مضيق هرمز مقال نشر في النهار الدولي 31 مارس 2026

                          مدافع نافارون… ومضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح

في رواية «مدافع نافارون»  وهي رواية متخليه من خلال احداث الحرب العالمية الثانية ،والتي تحولت الى فلم مشوق ، عبارة عن مدفيع ضخمين على خليج  ضيق ،( متخيل في الجزر اليونانية)  حوصرت فيه كتيبة للحلفاء ،ولم يكن بالامكان انقاذهم الا بتدمير تلك المدافع المحصنة ، والا تعرضوا للفناء ، و تعرص الرواية  (الفلم) قصة ذلك التدمير الشجاعة،  و المشاهد يحبس أنفاسه .لم يكن التفوق الألماني قائماً على كثرة الجنود أو اتساع الانتشار، بل على فكرة أبسط وأكثر حد،  وضع سلاح حاسم في موقع حاكم. مدفعان فقط، لكنهما في المكان الصحيح، استطاعا أن يشلا حركة أسطول كامل، ويمنعا عملية إنقاذ واسعة. تلك الفكرة المتخيلة أدبيًا تحولت مع الزمن إلى أحد أهم مفاهيم التفكير العسكري الحديث: ليست القوة في حجمها، بل في موضعها.

اليوم، لا تبدو هذه الفكرة بعيدة عن الواقع، بل تكاد تتجسد حرفيًا في مضيق هرمز. ذلك الممر الضيق الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقول بحرًا في العالم، ونصف تقريبا المخصبات الزراعية ،  أصبح أقرب إلى «نافارون» حقيقية، لا مدافع فيها بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة من الأدوات ،  صواريخ ساحلية، زوارق سريعة، ألغام بحرية، وطائرات مسيّرة. أدوات قد تبدو متفرقة، لكنها حين توضع في هذا الموقع الجغرافي بالذات، تتحول إلى قوة تعطيل هائلة.

إيران، التي تدرك محدودية قدرتها على خوض مواجهة تقليدية مفتوحة مع قوى كبرى، طورت عبر السنوات ما يمكن تسميته «استراتيجية نافارون»، تعظيم الأثر بأدوات محدودة عبر السيطرة على نقطة اختناق لشريان عالمي . هي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعليًا بشكل دائم، يكفي أن تخلق تهديدًا جديًا بإغلاقه، أو أن تنفذ ضربات متقطعة تربك حركة الملاحة، ليتحول الخوف ذاته إلى أداة ردع.

لكن، كما في الرواية، فإن كل نقطة قوة مركّزة تحمل في داخلها نقطة ضعف مركّزة. مدافع نافارون كانت قادرة على السيطرة على البحر، لكنها كانت ثابتة، معروفة الموقع، وقابلة للتدمير عبر عملية نوعية دقيقة. وهذا ما يفتح السؤال الأهم: كيف يمكن فك «حصار نافارون» في نسخته المعاصرة، أي مضيق هرمز؟

الجواب لا يكمن في المواجهة الشاملة، بل في تفكيك عناصر القوة نفسها.

أولاً، تحييد القدرة على الإغلاق، وليس السيطرة على الجغرافيا. فالمضيق، بطبيعته، لا يمكن «احتلاله» بالكامل، لكن يمكن تقليل فاعلية أدوات التعطيل عبر عمليات استباقية تستهدف منصات الصواريخ، ومخازن الألغام، وقواعد الزوارق السريعة. أي ضرب «الأدوات» بدل الاشتباك مع «المجال». وهذا ما يحدث .

ثانيًا، كسر الاحتكار الجغرافي. جزء من قوة هرمز أنه ممر شبه إلزامي، لكن الاستثمار في بدائل—مثل خطوط الأنابيب النفطية  البرية عبر السعودية والإمارات إلى بحر العرب— او سكة حديد حديثة ، يقلل من مركزية المضيق، ويحوّل التهديد من «خنق كامل» إلى «إزعاج جزئي» يمكن التعايش معه، و حرمان ايران من فوائده على المدى الطويل . في عالم الطاقة، وسلسلة الامدادات، التنويع في وسائل النقل ، ليس اقتصادًا فقط، بل أمن استراتيجي طويل المدى .ثالثًا، بناء مظلة حماية دائمة للملاحة. ليس عبر ردود فعل مؤقتة، بل من خلال وجود بحري مستمر، وتقنيات متقدمة لكشف الألغام و تدمير الطائرات المسيّرة، وتنسيق إقليمي و دولي فعال يجعل أي محاولة إغلاق مكلفة سياسيًا قبل أن تكون عسكريًا. هنا يتحول المضيق من «نقطة ضعف» إلى «نقطة مراقبة مكثفة».    .  رابعًا، وهو الأهم، نقل المعركة من الجغرافيا إلى السياسة. فاستراتيجية «نافارون» تقوم على استثمار التوتر، وكلما زادت عزلة النظام الذي يستخدمها الرافضين للاغلاق ، زادت رغبته في توظيفها. تقليل الدوافع السياسية للتصعيد—عبر توازنات ردع واضحة، ورسائل حازمة، وقنوات مفتوحة—يقلل من احتمالية تحويل التهديد إلى فعل دائم .  في النهاية، لا تختلف نافارون المتخيلة كثيرًا عن هرمز الواقعي، إلا في الوسائل. الفكرة واحدة: نقطة ضيقة يمكن أن تتحكم في فضاء واسع. لكن الدرس الأهم الذي تقدمه القصة، ويتكرر في الواقع، هو أن السيطرة المطلقة وهم. كل «مدفع» يمكن الوصول إليه، وتفجيره ، وكل «مضيق» يمكن الالتفاف عليه، وكل ردع متمركز يحمل في داخله حدود صلاحيته.        الدرس الاوضح :  ان من يراهن على الجغرافيا وحدها قد يربح الوقت ، و لكنه يخسر المعركة !                                                                                                                                                                      

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.