هل اصبح النفوذ الايراني عبئ على ايران : الشرق الاوسط – 13 يونيو 2026

                                         هل أصبح النفوذ الإيراني عبئًا عليها ؟  

                                                     محمد الرميحي

     كيف يمكن ان نفهم التطويل و التاخير  والتعديل  على الوثيقة التي يقال انه قد تم انجاز الكثير منها و المسماه ( ورقة التفاهم الإيرانية – الامريكية ) ؟ فكثيرًا ما ينظر إلى المفاوضات السياسية باعتبارها عملية تبادل مطالب وتنازلات بين طرفين متقابلين. إلا أن التجارب التاريخية تكشف أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فغالبًا ما تتحول طاولة المفاوضات إلى ساحة تتداخل فيها مصالح أطراف أخرى، وتصبح القضايا المطروحة أكبر مما سببه النزاع المباشر، الذي أدى إلى الجلوس حول الطاولة. وفي اللحظة الراهنة يمكن ملاحظة أربع قضايا مترابطة  تؤثر  في بعضها،  لمحاولة الوصول الى تلك الورقة ، اشتراط أحد الأطراف (ايران)  على الطرف الآخر التأثير في دولة أو جهة ثالثة، وحدود قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على إسرائيل، وأثر عامل الزمن على المفاوض الإيراني في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة، وأخيرًا موقع الأذرع الإقليمية الإيرانية في لبنان والعراق واليمن ضمن الحسابات الأمريكية.

القصية الأولى : التاريخ السياسي يقدم أمثلة عديدة على أن الدول لا تفاوض فقط حول خلافاتها المباشرة، بل حول نفوذها أيضًا. ففي عدد من الاتفاقات الدولية لم يكن المطلوب من الدولة الجالسة على الطاولة تغيير سلوكها فحسب، بل استخدام نفوذها لتغيير سلوك حلفائها، أو الأطراف المرتبطة بها. والسبب ان ، القوة في السياسة لا تقاس فقط بما تملكه الدولة من إمكانات عسكرية ، بل أيضًا بقدرتها على التأثير في الآخرين.

من هنا يصبح مفهوم النفوذ جزءًا أساسيًا من أي مفاوضات كبرى. فإذا كانت دولة ما تدعي امتلاك نفوذ على جماعات أو دول أخرى، فإن الطرف المقابل سوف يسعى إلى اختبار هذا النفوذ وتحويله إلى التزامات عملية. أما إذا تبين أن النفوذ أقل مما يُعلن، فإن قيمة الورقة التفاوضية نفسها تتراجع..

في هذا السياق يبرز السؤال المتكرر حول قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على إسرائيل. والإجابة ليست بنعم مطلقة،  أو لا مطلقة. فالولايات المتحدة هي القوة الدولية الأكثر تأثيرًا في إسرائيل  . وقد أثبت التاريخ، منذ أزمة السويس عام 1956 إلى محطات أخرى لاحقة، أن واشنطن قادرة على ممارسة ضغوط مؤثرة عندما تعتبر أن مصالحها الاستراتيجية تتطلب ذلك..

لكن النفوذ ليس مرادفًا للسيطرة الكاملة. فإسرائيل تمتلك مؤسساتها واعتباراتها الأمنية والسياسية الداخلية، وقد قاومت اسرائيل  في مراحل مختلفة ضغوطًا أمريكية أو سعت إلى تعديلها؟  لذلك هل واشنطن قادرة على التاثير الكامل ؟ سوال معلق يحتمل الإجابة بنعم او لا !

 وهنا نصل إلى القضية الثانية : الزمن. فالمفاوضات ليست مجرد تبادل أوراق، بل هي أيضًا سباق بين أطراف تحاول كل منها إقناع الأخرى بأن الوقت يعمل لصالحها. ومنذ سنوات تراهن إيران على أن الصبر الاستراتيجي يمكن أن يحسن شروطها التفاوضية. فهي تؤجل الحسم أحيانًا، وترفع سقف المطالب أحيانًا أخرى،  وتستخدم اذرعتها في الإقليم ، على أمل أن تتغير الظروف الإقليمية أو الدولية.

غير أن هذا الرهان ( ثالثا)   يواجه اليوم تحديات متزايدة. فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران لا تبدو مريحة. والاحتجاجات المتكررة خلال السنوات الأخيرة كشفت أن الضغوط الداخلية لم تعد حدثًا عابرًا يمكن تجاهله. كما أن الأوضاع الاقتصادية تفرض أعباءً متزايدة على المواطن الإيراني، وهو ما يجعل عامل الزمن لإيران أكثر حساسية مما كان عليه في مراحل سابقة.

أما القضية الرابعة، وهي الأكثر ارتباطًا بالمفاوضات الراهنة، فيتمثل في نظرة الولايات المتحدة إلى النفوذ الإيراني في لبنان والعراق واليمن. فواشنطن لا تبدو معنية فقط بالملف النووي او مضيق هرمز ، أو بالعلاقة الثنائية مع طهران، بل تنظر إلى مجمل النفوذ الإيراني في الإقليم باعتباره جزءًا من أي تسوية مستقبلية. ومن هذا المنطلق يظهر الاعتقاد الأمريكي بأن على إيران أن تستخدم نفوذها لخفض التوتر واحتواء حلفائها وشركائها الإقليميين إذا كانت تريد الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية من التفاوض.

وتنبع هذه الرؤية من قناعة أمريكية مفادها أن النفوذ الذي تم بناؤه خلال عقود يجب أن يقابله قدر من المسؤولية السياسية. فإذا كانت طهران تؤكد أنها لاعب رئيسي في الإقليم، فإن واشنطن تسأل بصورة مباشرة أو غير مباشرة: هل تستطيع ترجمة هذا النفوذ إلى استقرار؟ أم أن النفوذ يقتصر على توسيع مساحة المشاغبة دون تحمل تبعاتها؟

في المقابل:  تنظر إيران إلى هذه الشبكة الإقليمية باعتبارها أحد أهم عناصر قوتها التفاوضية. فالتخلي عنها أو تقليص دورها لا يُنظر إليه في طهران باعتباره خطوة فنية أو تفصيلية، بل باعتباره مسألة تمس مكانة الدولة الإقليمية وموقعها الاستراتيجي. ومن هنا تنشأ المعضلة الحقيقية: ما تعتبره واشنطن جزءًا من الحل، قد تعتبره طهران جزءًا من قوتها.

عند الربط بين هذه القضايا الأربع تتضح صورة أكثر شمولًا. فالمفاوضات الحالية لا تدور فقط حول أجهزة الطرد المركزي أو العقوبات الاقتصادية، بل حول النفوذ والقدرة على التأثير والإرادة السياسية وعامل الزمن. والسؤال الذي يواجه جميع الأطراف ليس من يملك أوراقًا أكثر، بل من يستطيع تحويل أوراقه إلى مكاسب مستدامة قبل أن تتحول تلك الأوراق نفسها إلى عب !

آخر الكلام: قد يأتي يوم تكتشف فيه الدول أن أصعب ما في بناء النفوذ ليس توسيعه، بل تحمل كلفته.

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.