مم

مصر الولاادة

مصر الولادة – نشر في النهار الدولي 13 يناير 2026


                                                       مصر الولادة

ثلاثية السفير المرحوم   محمد توفيق وهي بعنوان ( الملك و الكتابة) لا تكتفي بتسجيل الوقائع أو تأريخ الأحداث، بل تحاول تفكيك بنية الصراع ذاته ، فيتحول الحبر عند محمد توفيق من أداة مهنية إلى فعل مقاومة. ويكشف لنا احداث لو وعاها الجيل الجديد، لعرف قيمة الكلمة ، ونضال النخبة المصرية على مدى اكثر من قرن  ليس ضد السلطة ، بل ضد أفكار متحجرة أيضا  ، النهضة العربية تدين الى تلك الكوكبة المصرية في صحافة مصر  بقيادة التنوير . الذي انتقل الى رحمه الله عام 20023

يسرد توفيق تاريخ الصحافة المصرية منذ ما قبل  مطلع القرن العشرين حتى نهايته، حيث بدأت الصحافة  في التشكل   حتى  اشتد عودها ، ليؤكد أن الصراع على حرية التعبير، سبق الصراع الحزبي والتنظيمي، ومطالب التحرر  كانت بذرتها قديمة . في تلك المرحلة، لم يكن الصحفيون وحدهم في المواجهة، بل شارك بعض شيوخ الأزهر  رجال الدين المسيحي في هذا الاشتباك المبكر مع السلطة الخديوية. بل وحتى اهل الفن ، يورد الكاتب وقائع محددة عن شيوخ وقسسة ،  استخدموا المنابر والصحف والعرائض المكتوبة للاعتراض على سياسات الخديوي على تعدد أسمائهم ، خاصة في ما يتعلق بالظلم الإداري والتدخل في شؤون الوقف والتعليم وقمع الحريات. وقد دفع بعض هؤلاء ثمن مواقفهم بعزلهم من مناصبهم أو نقلهم قسرًا، في رسالة واضحة مفادها أن الكلمة، حتى لو خرجت من عباءة المؤسسة الدينية، تظل مصدر قلق للسلطة. منيرة المهدية اشهر مغنية مطلع القرن الماضي ، توسطت لاحد المناضلين للخروج من السجن ، اشترط الضابط البريطاني ان تتزوجه (لصرفه عن السياسة)  ،وتم الزواج بالفعل …

مجلة السفور التي صدرت في أوائل القرن ينقل عنها توفيق قولها ( الحجاب ليس على المرأة المصرية ، بل الحجاب على المجتمع ) و قد ان أوان نزع حجاب المجتمع ، ذلك قبل الحرب الأولى !!

في هذه المرحلة الطويلة  من الزمن ، كانت الصحافة المصرية تعيش حالة مدّ وجزر دائم. تُغلق الصحف بقرارات إدارية، وتُصادر الأعداد، ويُستدعى الصحفيون للتحقيق، لكن اللافت – كما يلاحظ محمد توفيق – أن الصحف كانت تعود للصدور بأسماء جديدة، وبالروح ذاتها.

ومع ثورة يوليو 1952، تدخل العلاقة بين الصحافة والسلطة مرحلة مختلفة جذريًا. في البداية، نشأ تحالف واضح بين الطرفين. رأى كثير من الصحفيين في الثورة خلاصًا من فساد النظام الملكي ومن هيمنة الاحتلال، فدافعوا عنها بحماس، واعتبروا أنفسهم جزءًا من مشروع التغيير. لكن هذا «الحب» لم يدم طويلًا. سرعان ما بدأت السلطة الجديدة تنظر إلى الصحافة بوصفها عدوا  لا شريكًا نقديًا، وبدأت ملامح الصدام تظهر، وتبين لا ان الحرية النسبية قبل الحكم الوطني، افضل نسبيا مما حدث بعد الحكم الوطني ، كان السجن لمن يكتب المقال، فاصبح السجن لمن يقول نكته !! مثال محمود السعدني بعد تولي السادات الحكم ، قل لأصحابه في خلوة ( ذهب الذي يموتنا في الخوف ، فجاء من يموتنا من الضحك) فذهب الى السجن !!!

يوثق محمد توفيق نماذج عديدة لصحفيين دافعوا عن فكرة التغيير، لكنهم طالبوا في الوقت ذاته بحدود واضحة للسلطة، وبالانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسات والقانون. هؤلاء، كما يشرح الكاتب، لم يكونوا أعداء للنظام، بل إصلاحيين من داخله، ومع ذلك دفعوا ثمنًا باهظًا. بعضهم سُجن، وبعضهم أُبعد عن مواقع التأثير، وبعضهم مُنع من الكتابة . ويشير توفيق إلى ما يسميه( ثمن الحرية ) في إشارة رمزية إلى أولئك الذين طالبوا بتصحيح المسار لا بهدمه، فكان جزاؤهم الإقصاء او السجن ،او وضائف إدارية،

في العقود اللاحقة، ومع ما بدا أنه انفتاح نسبي وعودة للصحافة الحزبية والخاصة، يوضح محمد توفيق أن الصراع لم ينتهِ، بل تغيّر شكله. لم تعد السلطة بحاجة إلى مصادرة الصحف بالجملة، بل أصبحت أكثر براعة في إدارة النقد واحتوائه. تُفتح هوامش للتعبير، لكنها هوامش مرسومة بدقة. من يتجاوزها يُحاصر اقتصاديًا، أو يُشوَّه أخلاقيًا، أو يُغرق في قضايا قانونية طويلة تستنزف طاقته وموارده.

ما يميز ثلاثية «الملك والكتابة» أن محمد توفيق لا يقع في فخ التقديس الرومانسي للصحافة. فهو يعترف بأن بعض الصحفيين انخرطوا طوعًا في خدمة السلطة خوفا او تزلفا ، وأن آخرين استخدموا أقلامهم لتحقيق مصالح شخصية أو للابتزاز السياسي. لكنه في المقابل ينحاز بوضوح إلى أولئك الذين رأوا في الكلمة التزامًا أخلاقيًا تجاه المجتمع، ودفعوا ثمن ذلك من حريتهم وأعمارهم..

في خاتمة مشروعه، يؤكد محمد توفيق أن الصراع بين السلطة والكلمة صراع بنيوي لا ينتهي. فكل سلطة تميل بطبيعتها إلى احتكار الرواية، وكل صحافة حقيقية تسعى إلى كسر هذا الاحتكار. وبين الميلين تولد المعركة الدائمة: حبّ حين تحتاج السلطة إلى الكلمة لتبرير نفسها، وحرب حين تخشاها، وحبر يبقى أثره حتى بعد أن يجف.

بهذا المعنى، فإن ثلاثية  «الملك والكتابة: حبّ وحرب وحِبر» ليس مجرد ثلاث كتب عن تاريخ الصحافة في مصر، بل قراءة عميقة في معنى الحرية ومسؤولية المثقف. وكفاح عدد من الصحفيين المصرين للسير في الحداثة و تقدم المجتمع الى الأفضل  ، و القارئ ربما يعجب ان روح الاستقلال و حرية الصحافة ، و أهمية القانون واكبت الدعوات الصحفية المصرية لأكثر من قرن ، إنها تذكير بأن روح المقاومة في إبداء الرأي لم تكن استثناءً في التاريخ المصري، بل كانت – ولا تزال – أحد ملامحه الثابتة، وأن الحِبر، مهما بدا هشًا، يظل أحد أخطر أدوات التغيير في مواجهة السلطة، فلكلمة  تترك اثرا اكثر مما يترك السيف .

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.