الانسان وحروب الغرائز!
محمد الرميحي
يدخل العالم الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين وهو يحمل مفارقة يصعب تفسيرها. فمن جهة، لم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا القدر من العلم والتكنولوجيا. ومن جهة أخرى، لم تتوقف الحروب والصراعات عن حصد الأرواح واستنزاف الموارد. وكأن الإنسان نجح في السيطرة على الطبيعة أكثر مما نجح في السيطرة على نفسه .
في الوقت الذي تتسابق فيه المختبرات لتطوير الذكاء الاصطناعي، وتنجح الشركات في إرسال المركبات إلى الفضاء، وتقترب العلوم من اكتشافات عظمى ، لا تزال مساحات واسعة من العالم تعيش تحت وقع المدافع والصواريخ. وهذا التناقض يدفع إلى التساؤل: هل تطور عقل الإنسان أسرع من تطور وعيه السياسي والأخلاقي؟
يكفي النظر إلى حرب أوكرانيا. فالحرب التي كان البعض يتوقع أن تنتهي خلال أسابيع تحولت إلى واحدة من أطول وأعنف حروب الاستنزاف في العصر الحديث. فبعد أكثر من أربع سنوات من القتال، ما زالت الجبهات مشتعلة، وما زالت الموارد البشرية والاقتصادية تستنزف بصورة غير مسبوقة , ويقدر القتلى من العكسرين من الجانبين ب 1.5 مليون . وتحوّل الصراع إلى مواجهة تتجاوز حدود روسيا وأوكرانيا ، أصبحت الحرب نموذجاً حديثاً لحروب الاستنزاف التي تلتهم الإنسان والاقتصاد معاً.
أما السودان، فيمثل وجهاً آخر للمأساة الإنسانية. فالحرب هناك لا تدمر المباني والجسور فقط، بل تمزق النسيج الاجتماعي وتدفع ملايين البشر إلى النزوح. لقد تحولت مدن كاملة إلى مناطق طاردة للسكان، وتراجعت الخدمات الأساسية إلى مستويات خطيرة، فيما أصبح الحصول على الغذاء والدواء والأمن تحدياً يومياً لملايين المواطنين.
وإذا نظرنا إلى خريطة العالم سنجد أن أوكرانيا والسودان ليستا سوى مثالين على ظاهرة أوسع. فالنزاعات المسلحة تنتشر في أكثر من منطقة، والإنفاق العسكري العالمي يتعاظم عاماً بعد عام. وتشير التقارير الدولية إلى أن الدول تنفق اليوم على التسلح أكثر مما أنفقته منذ عقود طويلة، في وقت تواجه فيه البشرية تحديات مشتركة مثل تغير المناخ والأوبئة والفقر وأزمات الطاقة والغذاء.
بعد الحرب العالمية الثانية ساد اعتقاد واسع بأن العالم تعلم دروس الكارثة الكبرى. فقد دفعت أهوال الحرب الدول إلى إنشاء الأمم المتحدة، وتعزيز القانون الدولي، وبناء مؤسسات تهدف إلى منع تكرار المأساة. كما تجنبت القوى الكبرى، لفترة طويلة، الدخول في مواجهة مباشرة قد تقود إلى دمار شامل.
لكن الزمن كشف أن الذاكرة الإنسانية قصيرة. فالأجيال التي عاشت الحرب العالمية الثانية كانت تعرف معنى الدمار لأنها شاهدته بعينها. أما الأجيال اللاحقة فقد تلقت التجربة عبر الكتب والأفلام والمتاحف. ومع مرور الوقت تراجعت رهبة الحرب، وعادت النزعات القديمة إلى الظهور.
هناك من يرى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى الصراع. كما ذهب توماس هوبز و سيجمون فرويد و ميكافلي. وهناك من يعتقد أن المشكلة تكمن في شهوة السيطرة والرغبة في الهيمنة لدى بعض النخب السياسية والعسكرية، وليس في الطبيعة البشرية ذاتها. وبين الرأيين يبقى الواقع أكثر وضوحاً من النظريات: ولعل من المفارقات اللافتة أن كثيراً من حروب الماضي كانت تدور حول موارد ملموسة ، ومصالح يمكن فهمها، مثل الأرض أو التجارة أو مصادر الطاقة أو السيطرة على الممرات الحيوية. أما جانب من حروب الحاضر فيدور حول أوهام أيديولوجية أو تصورات تاريخية، أو مشاريع توسع لا تضيف إلى حياة البشر أمناً أو رفاهية. وهذا في جوهره تراجع في القيم الإنسانية ، لأن البشرية التي راكمت هذا الكم من المعرفة كان يفترض أن تصبح أكثر قدرة على إدارة خلافاتها بعقلانية، كما أن الحروب الحديثة لا تدمر البشر وحدهم، بل تدمر البيئة التي يعيشون فيها أيضاً. فالأراضي الزراعية تتضرر، ومصادر المياه تتلوث، والغطاء النباتي يتراجع، ومع كل حرب جديدة لا تخسر المجتمعات أبناءها ومواردها فقط، بل تخسر أيضاً جزءاً من بيئتها الطبيعية التي تحتاج سنوات كي تتعافى. وما يزيد القلق أن هذه الصراعات تجري في عصر يشهد سباقاً محموماً نحو امتلاك أسلحة أكثر تطوراً وأشد فتكاً. فالتقدم العلمي الذي كان يفترض أن يوسع فرص الحياة والرفاه ، أصبح في جانب منه سباقاً نحو التدمير. ومع انتشار الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية المتقدمة، تتزايد المخاوف من أن يتحول أي خطأ في الحسابات أو أي قرار متهور إلى كارثة تتجاوز حدود الدول والقارات. لقد استطاع الإنسان أن يفك أسرار الذرة، وأن يرسل مركبات إلى المريخ، وأن يطور أدوات مذهلة للتواصل والمعرفة. لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء ثقافة سياسية عالمية تمنع اللجوء إلى القوة كلما تعقدت الخلافات. وهذه هي المفارقة الكبرى في عصرنا: التقدم العلمي يسير بسرعة مذهلة، بينما يتعثر التقدم الأخلاقي والسياسي.ولا تبدو المشكلة في نقص المعرفة أو ضعف الإمكانات، بل في غياب الحكمة التي تحول المعرفة إلى قوة بناءة. فالعلم يوفر الأدوات، لكنه لا يحدد طريقة استخدامها. وهذه المسؤولية تبقى في نهاية المطاف مسؤولية الإنسان نفسه.
أخر الكلام : لسنا في أزمة معرفة، بل في أزمة قيم .