ما بعد التسوية : هل تدخل طهران حضيرة الدولة / الشرق الاوسط 16 يونيو 2026

                    ما بعد التسوية: هل تدخل إيران مرحلة ما بعد الثورة؟

إذا افترضنا أن  الأيام او الأسابيع او حتى الأشهر المقبلة سوف تشهدت اتفاقاً نهائياً بين الولايات المتحدة وإيران، وأن الطرفين توصلا إلى تسوية أنهت عقوداً من التوتر والمواجهة المباشرة وغير المباشرة، فإن السؤال الأهم قد لا يكون ما الذي كسبه كل طرف على طاولة المفاوضات، لان كل طرف سوف يسوق الاتفاق مبدئا ، على انه ( نصر) و ذاك متوقع ، بل الاهم كيف ستنظر إيران إلى نفسها بعد الاتفاق، وما الذي يمكن أن يتغير في سلوكها السياسي داخلياً وإقليمياً.؟ الإجابة على السؤال العريض يهمنا في المنطقة.

على امتداد ما يقارب نصف قرن، قامت السياسة الإيرانية على مزيج من العقيدة والأمن والهوية الثورية. وقد نجحت هذه المنظومة في حشد قطاعات من الداخل الإيراني ضد الاخر ، كما نجحت بدرجات متفاوتة في بناء نفوذ خارج الحدود. غير أن السنوات الأخيرة، وما رافقها من أزمات اقتصادية وضغوط اجتماعية وصدامات عسكرية مباشرة وغير مباشرة، دفعت كثيراً من الإيرانيين إلى إعادة طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة: ماذا جنت إيران من مشروعها الخارجي؟ وما هي الكلفة التي دفعتها الدولة والمجتمع مقابل ذلك؟ كانت الأسئلة تلك في حدود ضيقة ، افضل من عبر عنها علنا محمد جواد ظريف ، و لكن اخرون أيضا ، هذه الأسئلة سوف تطرح بتوسع بعد ان تهدأ المدافع .

من بين الأفكار التي  قد تتعرض للمراجعة بشكل أوسع فكرة أن «إيران تحارب في الخارج حتى لا تحارب في الداخل»! . فقد افترض هذا المنطق أن توسيع النفوذ الإقليمي يشكل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الإيراني. إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الانخراط المستمر في الصراعات الخارجية لا يمنع بالضرورة وصول التوترات إلى الداخل، بل قد يساهم أحياناً في زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية عليه، ومن ثم يشعل حربا على الداخل الإيراني كما شاهد العالم .

لذلك بدأت تظهر داخل  بعض الأوساط الإيرانية، سواء في الداخل، أو بين النخب المقيمة في الخارج والمتعاطفة مع النظام ، كتابات تتحدث عن احتمال انتقال تدريجي من الهوية الثورية إلى هوية أكثر ارتباطاً بالمصلحة الوطنية الإيرانية المباشرة. وليس المقصود هنا التخلي الكامل عن الإرث السياسي للجمهورية الإسلامية، بل إعادة ترتيب الأولويات بحيث تصبح الدولة الإيرانية ومصالح مواطنيها في المقدمة، مما يعني التخلي عن الدعوة ( الأممية) الى التراجع ( للقومية) بل وظهور ( قوميات)!

وفي هذا السياق يبرز ملف ما عرف بـ«الأذرع الإقليمية». فخلال سنوات طويلة اعتُبرت هذه الشبكات جزءاً أساسياً من استراتيجية الردع الإيرانية. لكن التكاليف  العسكرية والمالية والسياسية والأمنية المرتبطة بها أصبحت أكبر  من المردود. كما أن قطاعات متزايدة من الإيرانيين باتت تتساءل عن جدوى استمرار استنزاف الموارد خارج الحدود ، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية خانقة .وقد تكون بعض القوى المرتبطة بالمشروع الإيراني قد قرأت هذا التحول مبكراً. ففي العراق مثلاً ظهرت خلال الأشهر الماضية محاولات متزايدة لبعض القوى المسلحة ، التي كانت تعلن ولائها لإيران،  للاندماج في مؤسسات الدولة والانتقال من منطق التنظيم المسلح إلى منطق العمل السياسي. وإذا افترضنا ان استقرت التسوية بين واشنطن وطهران، فمن المرجح أن يزداد هذا الاتجاه قوة بدلاً من التراجع عنه .

أما في لبنان، فإن السنوات الأخيرة فرضت مراجعات قاسية على الأطراف التابعة لإيران . فالكلفة البشرية والاقتصادية للصراعات المتكررة دفعت كثيرين إلى التساؤل حول الموزنة بين الاستقرار الوطني والسلم الأهلي،  اوالانخراط في مشاريع إقليمية أوسع عرضت الدولة الى الانهيار .، خاصة ان أي تحول في الرؤية الإيرانية  إلى اتباعها ، قد تؤدي الى انعكاسات مباشرة على طبيعة العلاقة في الساحة اللبنانية.و قد خسرت تلك القوى الكثير من القيادات و الموارد و الأهم التعاطف الشعبي.

وفي اليمن أيضاً قد تبرز فرص جديدة لإعطاء الأولوية للتسويات السياسية على حساب المواجهات العسكرية الطويلة التي استنزف اليمن . فالحروب الممتدة تستنزف الجميع، وأي تغير في الحسابات الإقليمية الكبرى ينعكس عادة على الملفات الأكثر ارتباطاً بها.
أما القضية الفلسطينية، فقد تصبح هي الأخرى موضوعاً لنقاش مختلف عليه داخل إيران. فهناك من يرى أن الدعم السياسي للقضية يمكن أن يستمر دون أن يبقى مرتبطاً بالضرورة بأدوات الصراع نفسها التي سادت خلال العقود الماضية. وقد يدفع ذلك إلى إعادة تقييم العلاقة بين الشعارات والنتائج العملية على الأرض. حيث ابيدت تقريبا غزة ، و اصبح المواطن هناك لا يعرف اين سيكون في اليوم التالي ، نتيجة القبضة الحدديدة الإسرائيلية ، وعدم قدرة النظام الإيراني على تحقيق أي جزء مما وعد به ، الى درجة انه اخرج ( القضية)  من ملفات مفاوضاته ! مع تمسك ظاهر بلبنان !

لكن التحول الأهم  و المتوقع قد لا يكون في السياسة الخارجية وحدها، بل في الخطاب السياسي نفسه.  و في الممارسة ، فمنذ عام 1979 احتلت مفردات الثورة ومواجهة «الشيطان الأكبر» موقعاً مركزياً في التعبئة السياسية. وإذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى تسوية مستقرة في الأيام او الأسابيع او الأشهر القادمة ، فإن جزءاً مهماً من هذا البناء الخطابي سيفقد وظيفته التقليدية. عندها سيصبح السؤال: ما هو الأساس الجديد الذي ستبني عليه الدولة شرعيتها السياسية ورؤيتها للمستقبل . التاريخ يشير إلى أن الدول الكبرى لا تغير اتجاهها بين ليلة وضحاها. لكن التاريخ يشير أيضاً إلى أن الأفكار التي تبدو ثابتة، قد تخضع للمراجعة عندما تتغير الظروف المحيطة بها. وإيران ليست استثناءً من هذه القاعدة. قد لا نشهد قطيعة كاملة مع مرحلة الثورة، لكننا قد نشهد بداية انتقال بطيء  ولكن واضح من منطق الثورة الدائمة إلى منطق الدولة الدائمة، ومن أولوية التوسع الخارجي إلى أولوية التنمية الداخلية، ومن البحث عن النفوذ إلى البحث عن الاستقرار.
وعندما تهدأ أصوات المدافع وتخفت ضوضاء الشعارات، قد تكتشف إيران أن المعركة الأكثر أهمية ليست خارج حدودها، بل في قدرتها على بناء عقد جديد بين الدولة والمجتمع يجيب عن أسئلة المستقبل أكثر مما يستحضر معارك الماضي. فيصبح ( الشيطان الأكبر) صديقا ، و يصبح ( الشيطان الأصغر شريكا) ، ومن يعتقد ان هذا السيناريو خيالي ، عليه ان يعيد قراءة تاريخ الصراعات في عصرنا !

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.