عقد اجتماعي عربي جديد: الدولة والمواطنة والتنمية في عصر التحولات الكبرى
محمد الرميحي
إذا كان القرن العشرون في العالم العربي قد انشغل إلى حد كبير بأسئلة التحرر الوطني وبناء الدولة والاستقلال السياسي، فاصابت حركات التحرر و أخطأت، و نتايجها نحصدها اليوم ، فان ذلك اصبح تاريخا ، اما القرن الحادي والعشرين فيفرض بما نحن فيه حيرة وارتباك ، أسئلة مختلفة وأكثر تعقيدًا ممنا سبق ان طرحته أجيال ما بعد الحب العالمية الثانية . فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة في كل المجالات تقريبا ، والاقتصاد العالمي يعاد تشكيله بشكل واسع ، والذكاء الاصطناعي يدخل جميع مجالات الحياة، والتنافس الدولي أصبح قائمًا على المعرفة والابتكار، أكثر من اعتماده على الموارد التقليدية. ونحن بشكل عام في العالم العربي و الشرق الأوسط نحارب حروب القرن حتى قبل الماضي ، ونقسم اوطننا طائفيا و عرقيا ، و يجري هدم الأوطان التي بنيت في السابق و لم تبلغ الحلم ، وتدور رحى صراعات عسكرية و ايديولوجية ، معظمها ليس له علاقة بالعصر !
وفي خضم هذه التحولات يواجه العالم العربي سؤالًا مصيريًا: هل يستطيع بناء عقد اجتماعي جديد يتجاوز أزمات الماضي، من طائفية وعرقية و مذهبية ومناطقية ، ويؤسس لعلاقة أكثر استقرارًا بين الدولة والمجتمع؟
إن مفهوم العقد الاجتماعي ليس جديدًا. فقد استخدمه فلاسفة السياسة منذ قرون لتفسير العلاقة بين السلطة والمجتمع. إلا أن مضمونه يتغير من عصر إلى آخر ، تبعًا للتحديات التي تواجهها المجتمعات. وعلى الرغم من تبني مجتمعاتنا في الغالب عقدا اجتماعيا سمي ( الدستور) الا انه بقى تقريبا حبرا على ورق في معظم بلدننا ، وتغلبت الموروثات الاجتماعية على مفاهيم المواطنة و المساواة .
وفي الحالة العربية، يبدو أن الحاجة إلى تجديد العقد الاجتماعي من جديد ، أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. الا ان الحديث حوله لا زال خافتا و تحتل اجندة النقاش أمور الحروب و التفوق العرقي المزعوم ، و التعصب الطائفي ، وسرب من الخرافات ، لذلك نحتاج الى صياغة مفاهيم جديدة، و واضعها على اجندة النقاش الجاد ، و أهمها ما يلي:
أولًا: من دولة الحماية إلى دولة التمكين.
في مراحل سابقة كان المواطن ينظر إلى الدولة بوصفها الجهة التي توفر الأمن والخدمات الأساسية. وما زالت هذه الوظائف ضرورية بالطبع، لكنها لم تعد كافية وحدها.
فالدولة الحديثة مطالبة اليوم بتمكين مواطنيها من المنافسة في عالم شديد التعقيد. وهي مطالبة بتوفير تعليم متقدم ونوعي ، وبيئة اقتصادية محفزة، وتنافسية ومؤسسات قادرة على مواكبة التطور التكنولوجي. وقوانين حديثة
ومن هنا فإن نجاح الدولة في المستقبل لن يقاس فقط بقدرتها على الحماية، بل أيضًا بقدرتها على تمكين الإنسان.ثانيًا: المواطنة أساس الشرعية الحديثة
تكشف التجارب الدولية أن المجتمعات الأكثر استقرارًا هي تلك التي يشعر مواطنوها بأنهم شركاء حقيقيون في الوطن، لا مواطنيين بدرجات مختلفة او طبقات اجتماعية ذات امتيازات .
ولا يتحقق هذا الشعور من خلال الخطابات فقط، بل من خلال الممارسة اليومية للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. فالمواطن لا يبقيس قيمة مواطنته بما يقال له ، بل بما يراه من ممارسات في حياته اليومية ، وعندما يقتنع المواطن ان القانون يحميه و ان مستقبلة يعتمد على جهده ، لا على صدفة ميلاده ، تتعز الثقة بالمواطنة.
ثالثًا: تجاوز الانقسامات القديمة
لقد استنزفت الصراعات الهوياتية والطائفية والقبلية جزءًا كبيرًا من طاقات المنطقة العربية خلال العقود الماضية.لا يعني ذلك تجاهل الخصوصيات او الغاء التنوع ، بل وضعهما في اطارهما الطبيعي بوصفها عنصر ثقافية لا أدوات للصراع الاجتماعي ، القرن الجددي يفرض تحديات اكبر من ان تواجهها جماعة بذاتها او طائفة بمفردها او حتى منطقة بمفردها .النجاح يحتاج الى تعبئية مجتمع و إقليم وربما اكثر .
رابعًا: المعرفة بوصفها أساس القوة الجديدة
في الماضي كانت القوة تقاس بعدد السكان أو حجم الأراضي أو الثروات الطبيعية.
أما اليوم فإن الدول الأكثر تأثيرًا هي غالبًا الدول الأكثر قدرة على إنتاج المعرفة. لذلك فان الجامعات و مراكز البحث ، والعقول المفكرة ، و المختبرات أصبحت جزء من منظومة الامن الوطني ، المجتمع الذي يملك المعرفة يصبح اكثر قدرة على حماية استقلاله .
خامسًا: الخليج العربي كنموذج محتمل
تمتلك دول الخليج فرصة تاريخية نادرة. فهي تملك موارد للطاقة ،وبنية تحتية متطورة ، ومستوى تعليم يتقدم تججريجيا ،و الأهم انها محتفظة بنخبها ، وقدرات متزايدة في مجالات التقنية و الاستثمار ، الا ان النجاح الحقيقي هو بناء الانسان القادر على حماية المستقبل بعد مرحلة النفط ،و هذا يقود الى بناء منظومة ( وحدوية) متكاملة لانها الضمانة للاستدامة .
سادسًا: من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل،
من السمات البارزة في كثير من النقاشات العربية انها تنشغل بإدارة الازمات اكثر من انشغالها بصناعة المستقبل ، فالجدل حول الماضي يستهلك الطاقات و يفرق الجماعات ، لا يعني ذلك تجاهل التاريخ ، بل وضعه في حجمه الطبيعي .
فالأمم لا تستطيع تغيير ما حدث بالأمس، لكنها تستطيع أن تقرر ما ستفعله غدًا.
سابعًا: العقد الاجتماعي الجديد ، يمكن تلخيصه في :
دولة قوية بالقانون لا بالأشخاص.، مواطنة متساوية ، تعليم حديث قائم على التفكير و المعرفة ، اقتصاد منتج اعلام مسؤل ، احترام التنوع ، ذلك ليست شعارات بل شروط عملية اثبتت التجارب الدولية نجاحها .
السؤال الحائر امامنا ليس كيف نختلف ، ولكن كيف نتعاون رغم الاختلاف لبناء مستقبل لهذا الإقليم ؟