هزيمة في الواقع نصر في الرواية : النهار الدولي 9 يونيو 2026

                                                   هزيمة في الواقع ونصر في الرواية !

في التاريخ السياسي للمنطقة العربية كثير من الجرائم التي لم يكن هدفها قتل شخص بعينه بقدر ما كان هدفها قتل الحقيقة نفسها. فالأنظمة المغلقة والتنظيمات السرية، تدرك أن السيطرة على الرواية لا تقل أهمية عن السيطرة على السلاح. وإذا كان السلاح يقتل الجسد، فإن الرواية المزيفة تقتل الوعي، وتربك العدالة وتدفع المجتمعات إلى الغوص في لجة الفوضى .

اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري فبراير عام 2005 كان واحداً من تلك الأحداث الفاصلة التي تجاوز أثرها حدود لبنان. فبعد ساعات قليلة من الانفجار الذي هز بيروت لفت أنظار العالم، ظهور شاب فلسطيني اسمه  أحمد توفيق أبو عدس في تسجيل مصور يتبنى العملية باسم جهة متطرفة. يومها بدا الأمر وكأن القضية حسمت بسرعة لافتة.،  غير أن الأسئلة بدأت تتكاثر بدلاً من أن تتراجع، وأصبح التسجيل نفسه جزءاً من القضية لا تفسيراً لها. ابو عدس عاطل عن العمل ، اصبح يرتاد زاوية في مسجد ،وهناك اخذ (محمد) يتردد عليه حتى اصبحا أصدقاء ، في نهاية 2004 حضر محمد الى منزل ابوعدس ، ليصحبه الى عمل وجده له ، كان في انتظار الاثنان مجموعة من الرجال، وكامير تسجيل، و اخر يحمل رشاشا حربيا ، فاعطي أبو عدس ورقة فيها اعتراف بان تنظيمه هو من قتل الحريري ، وبعدها يطلق سراحه ، فامتثل ، الا انها كانت نهايته بعد التسجيل! بقية القصة معروفة.

المهم هنا ليس فقط ما جرى لذلك الشاب، أو كيف انتهت قصته الماساوية ، بل ما تكشفه الواقعة من منهج في العمل السياسي السري الذي ديدنه ( القتل ثم القتل) . ثم محاولة السيطرة على الرواية ،فالتنظيمات المغلقة عبر التاريخ اعتادت صناعة روايات بديلة، واستخدام أشخاص عاديين أو مهمشين لإخفاء الفاعل الحقيقي،. وفي مثل هذه الحالات يتحول الإنسان إلى مجرد أداة يمكن استخدامها ثم التخلص منها عندما تنتهي مهمتها، وهكذا تم اغتيال كوكبة من الاحرار اللبنانيين . نفس الفاعل و نفس الادعاء ثم تضليل الجمهور  .

هي مشكلة أخلاقية وسياسية وفكرية. فعندما تصبح الغاية السياسية أعلى من قيمة الإنسان، ويصبح الكذب اهم من الحقيقة ، يصبح كل شيء مباحاً. الكذب يصبح وسيلة مشروعة، والخداع ضرورة تنظيمية، والتضليل جزءاً من المعركة، وقتل المختلفين مشروعا وطنيا . وفي هذه البيئة لا يعود السؤال عن الحقيقة مهماً بقدر أهمية خدمة المشروع الذي يدعي أصحابه امتلاك الحقيقة المطلقة، ومع مرور السنوات اصبح التظيم ضد اهله  ويبدأ باكل نفسه ، ليس بمعنى تشريدهم فقط ، بل ان من لا يمتثل كي يصبح ( شهيدا) يصفي ، او من يرقع صوته محتجا يلقى نفس المصير، وتصبح الهزيمة نصرا  ,

فأخطر ما في التنظيمات العقائدية المسلحة أنها لا تكتفي بمواجهة خصومها، بل تفرض على أتباعها أيضاً منظومة صارمة من الطاعة والانضباط. الفرد داخل هذه المنظومة لا يطلب منه التفكير بقدر ما يطلب منه التنفيذ. ومع مرور الوقت يصبح الولاء بديلاً عن العقل، والشعار بديلاً عن النقاش، والانتماء بديلاً عن المسؤولية الفردية ، و السيطرة على الرواية اهم من الحقيقة ، ولو سار  التنظيم ضد بيئته .

 من يتأمل تجارب المنطقة خلال العقود الماضية يلاحظ أن عدداً من التنظيمات التي رفعت شعارات كبرى عن التحرير أو المقاومة أو العدالة انتهت عملياً إلى إنتاج بيئات مغلقة،  لا تسمح بالنقد أو المراجعة. وعندما تغيب المراجعة يغيب التصحيح، و تتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى كوارث سياسية واجتماعية. في هذا السياق يكتسب انتشار بعض المقاطع والشهادات المنسوبة إلى أفراد من داخل تلك التنظيمات أهمية خاصة. فبغض النظر عن دقة كل رواية على حدة، فإن الصورة العامة التي تتشكل هي صورة تنظيم يطالب أفراده بالطاعة الكاملة، بينما لا يمنحهم الحق نفسه في المعرفة أو المشاركة في القرار. وهنا تتحول العلاقة بين التنظيم وأعضائه من علاقة اقتناع إلى علاقة تذمر . هذه التنظيمات كثيراً ما تتحدث باسم الكرامة الإنسانية والدفاع عن المظلومين، لكنها  تدمر الكرامة الإنسانية و  تنتهك أبسط حقوق الإنسان، وعلى رأسها حقه في الاختيار او الاحتجاج،  او حتى التساول . ولذلك فإن المشكلة في لبنان ليست في السلاح وحده، بل في العقلية التي تدير السلاح،  وتعتبر الإنسان وسيلة قابلة للاستهلاك. لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة تغليب الولاءات والتنظيمات على الدولة ومؤسساتها. والتجربة اللبنانية تقدم درساً واضحاً مفاده أن الدولة لا يمكن أن تتعايش طويلاً مع مراكز قوة تعمل خارج منطقها وقوانينها. فحين تتعدد مراجع القرار تضيع المسؤولية، وحين تضيع المسؤولية تصبح الحقيقة أول الضحايا. والأمم لا تبنى بالشعارات الغاضبة ولا بالروايات الأسطورية الكاذبة  . الأمم تبنى بالمؤسسات المستقلة والقضاء العادل وحرية البحث عن الحقيقة. أما المجتمعات التي تسمح بتحويل الإنسان إلى أداة، والحقيقة إلى مادة دعائية، فإنها تفتح الباب أمام دورة لا تنتهي من الشك والخوف والانقسام. يسمى حزب الله تشريد الملايين و بالتالي تسهيل  احتلال الأرض، انه انتصارا ، ولا زال يحاول السيطرة على الرواية ، رغم كل ما نراه تحت الشمس من تخريب . جوهر الحضارة الحديثة ليس امتلاك القوة، بل إخضاع القوة للمساءلة.،وليس السيطرة على الرواية ، بل مواجهة الحقيقة ،  وكل مشروع سياسي أو عقائدي يعجز عن قبول المساءلة ويذهب الى تزييف الواقع ، محكوم عليه في النهاية بأن يتحول إلى عبء على المجتمع الذي يدعي الدفاع عنه. وتصيح محموعاته عصابات مسلحة ليس  اكثر .



.

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.