الإعلام الخليجي… بين المهنية وفخ الحياد !
المعركة الحديثة تبدأ بالكلمة قبل أن تصل إلى الميدان.، و الكلمة مؤثرة لانها تبقى في ذهن المتلقي ،وقد تغير قناعاته ، وحتى سولكه ، لذلك الشركات و الدول ترصد الميزانيات الضخمة لبند الاعلام على اشكاله المختلفة ، و المعضلة ان البعض اعتقد ان الشكل افضل من المضمون و ان الانتشار يعوض التاثير .
في الحالة العربية ، ومع الفضاء المفتوح و غير المنضبط ، تبقى الكلمة سلاح حاد في خاصرة المجتمعات ولا أحد يستطيع إنكار أن الخليج العربي يعيش منذ ما يقارب نصف قرن تحت ضغط سياسي وإعلامي مستمر نتج عن التحولات التي أعقبت الثورة الإيرانية. فمنذ ذلك التاريخ لم يعد المشروع الإيراني مجرد مشروع داخلي، بل تحول إلى مشروع فكرة و سياسية ،عابر للحدود، يرى في الجوار الخليجي ساحة نفوذ دائمة، مستخدمًا أدوات متعددة؛ بعضها سياسي، وبعضها مذهبي، وبعضها اجتماعي و أخرى إعلامي،و هي الأخطر .
ومع مرور الوقت اتضح أن الصراع ليس عسكريًا فقط، بل هو في جانب كبير منه صراع على الوعي، وعلى تشكيل الإدراك العام، وعلى القدرة في التأثير على الرأي العام العربي، خاصة في المجتمعات المفتوحة إعلاميًا مثل مجتمعات الخليج.
هنا تظهر إشكالية شديدة الحساسية تتعلق بأداء بعض وسائل الإعلام العربية والخليجية بالذات في إدارة هذا النوع من المواجهة المعقدة، خاصة انها الأكثر سيادة في الفضاء الإعلامي اليوم ، يقيني ان مناقشة الموضوع يحمل حساسية للبعض ، الا انه واجب الطرح و المناقشة .
لا شك أن عددًا من المؤسسات الإعلامية يدرك خطورة المرحلة ويحاول التعامل معها بمهنية، إلا أن المشكلة تكمن أحيانًا في غياب التصور الاستراتيجي الواضح للاهداف المراد تحقيقها ، فبعض البرامج الحوارية تدخل المعركة بعاطفة أكثر من دخولها بعلم وخبرة. وتحت شعار “الرأي والرأي الآخر” يتم أحيانًا فتح المنابر أمام شخصيات مرتبطة بالخطاب الرسمي الإيراني، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن الإعلام الإيراني نفسه لا يسمح بأي مساحة حقيقية للرأي المقابل او المختلف حتى في الداخل الإيراني .
المفارقة هنا لافتة؛ فالقنوات الصادرة من طهران لا تستضيف أصواتًا خليجية تقدم روايتها بحرية، ولا تسمح حتى بمقاربات محايدة تمس الثوابت السياسية للنظام كما يراها . هناك انضباط صارم في الرسالة الإعلامية، وإدراك واضح أن الإعلام جزء من الأمن القومي ،و إصرار على ترديد سردية واحدة بنغمات متعددة . أما في بعض إعلامنا العربي فنجد أحيانًا حالة من “الحياد المربك”، أو الرغبة في الظهور بمظهر المهنية المطلقة، حتى لو انتهى الأمر إلى تقديم خطاب مضلل للمشاهد العربي ومضاد لمصالحه .
الأزمة لا تكمن في استضافة رأي مختلف، فالمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى الحوار، ولكن الأزمة في غياب التوازن المعرفي والمهني، وربما فقر في تدريب المقدم للبرنامج ( هو او هي ) او ضعف الاعداد او قصور في الثقافة ، او اختيار المتحدث الخطأ . فكثير من الضيوف الذين يظهرون من طهران يمتلكون تدريبًا عاليًا على تحويل أي نقاش نحو ملفات عاطفية شديدة الحساسية للعربي ، فاول ما يبدا النقاش وتعرض الحقائق ، يحول المناقش من الطرف الإيراني للحديث عن القضية الفلسطينية ، أو ما يسمى “محور المقاومة”، و( مقاومة إسرائيل و الشيطان الأكبر ) وهي ملفات تستثير المشاعر العربية بسرعة. وهنا يقع بعض المشاركين العرب في الفخ؛ إما بسبب ضعف الإعداد، أو قلة المعلومات، أو الانفعال العاطفي، أو حتى الجهل بطبيعة الخطاب السياسي الإيراني وأساليبه. النتيجة أن المشاهد العربي لا يخرج بفهم أعمق، بل بحالة تشويش ذهني، تختلط فيها الحقائق بالشعارات، ويضيع فيها الفرق بين دعم قضية عادلة، وبين توظيفها لخدمة مشروع سياسي توسعي. لم يقدم اليها الا الدمع و الدماء . المعركة الإعلامية الحديثة لا تُدار بالصوت المرتفع، بل ببناء الوعي النقدي القائم على دقة المعلومات . وهذا يتطلب إعادة نظر حقيقية في مفهوم البرامج الحوارية السياسية في المنطقة. فالإعلام ليس ساحة استعراض، وليس منافسة على عدد المشاهدين ابل أداة لتكوين الإدراك العام وحماية المجتمع من التضليل.ومن الضروري أيضًا الاستثمار في إعداد كوادر إعلامية تمتلك موهبة مصقولة بالمعرفة السياسية والتاريخية العميقة، لا مجرد مهارات تقديم. لفضي ، فالمقدم او المقدمة ، الذي يدير حوارًا سياسيًا حساسًا يجب أن يكون قادرًا على كشف التلاعب بالمصطلحات، والتمييز بين الوقائع والدعاية، ومنع الضيف من جر النقاش إلى مسارات عاطفية مقصودة، بل الطلب منه اضهار البينة الموضوعية ، والكلام الناعم لا يعني قوة الحجة بل طريق للتضليل. .كذلك فإن الجامعات ومراكز الدراسات مطالبة بالمشاركة في هذه المعركة عن طريق تدريب كتائب إعلامية واعية . فالإعلام وحده لا يكفي إذا لم يسنده إنتاج فكري وتحليل علمي رصين يشرح للناس طبيعة التحديات القائمة، بعيدًا عن التهويل او التهوين ، أو الخطاب الشعبوي.لقد تغير العالم. وأصبحت الصورة، والكلمة، والمعلومة ، أدوات تأثير لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات المسيّرة. بل ربما تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، لأنها تستهدف العقول قبل الحدود.المشكلة ليست في وجود خطاب معادٍ، فهذا أمر طبيعي في السياسة، بل في غياب الحصانة الفكرية القادرة على كشفه ومواجهته بعقل بارد وثقة و معلومات قائمة على معرفة.في زمن الفوضى الإعلامية، أخطر الهزائم تلك التي تدخل عناصرها العقول بهدوء.