التعايش أم التنافر؟
محمد الرميحي
إيران والجوار العربي بين عبء التاريخ وإكراهات الجغرافيا
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، والعلاقة بين إيران وجوارها العربي في حالة من المد والجزر، والجزر اكثر من المد ، تختلط فيها السياسة بالعقيدة، والجغرافيا بالتاريخ، والمصالح بالمخاوف. وخلال أكثر قليلا من أربعة عقود لم تستطع المنطقة الوصول إلى معادلة مستقرة للعلاقة بين الطرفين. فكلما ظهرت بوادر تهدئة، عادت ملفات النفوذ والصراعات الإقليمية لتعيد التوتر إلى الواجهة. لذلك يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل تتجه إيران نحو التعايش مع جوارها العربي، أم أن منطق التنافر أصبح جزءًا من بنية التفكير السياسي في المنطقة؟ وخاصة بعد حربين بين الاولايات المحتدة و إسرائيل و بين ايران !
الحقيقة أن المشكلة أعمق من خلاف سياسي عابر. إنها أزمة ثقة تاريخية تغذيها الجغرافيا والموروث السياسي والتنافس على النفوذ. فإيران دولة كبيرة ذات تاريخ إمبراطوري طويل، والعالم العربي يعيش إلى جوارها في مساحة جغرافية شديدة الحساسية، تتوسط أهم منابع و ممرات الطاقة والتجارة العالمية. ومنذ قرون، ظل الخليج العربي منطقة تماس بين الثقافتين العربية والفارسية، تتداخل فيها المصالح كما تتداخل الهواجس.
ترى الكثير من الدارسات ان التنافر له علاقة باحداث الماضي ، فهناك راي تحدثت عنه الباحثة الامريكية ، من بين دراسات أخرى ،وهي جوليا بلاند ، في كتابها (صورة العرب في الادب الفارسي الحديث) ، صدر بالعربي ومتاح على النت، حيث ترى الكاتبة ، ان جزء غير يسير من الادب الفارسي الحديث قدم العرب بصورة سلبية ، خاصة مع صعود الشعور القومي الفارسي، و السبب ان ذلك الشعور يرى ان العرب بفرضهم الدين الإسلامي قد اطاحوا بالامبراطورية الفارسة ، الا ان التناقض الحاد في المفاهيم استمر بعد الثورة الخمينية ، فهي اعتمدت على الإسلام ،وهو عربي ، و خاصمت العرب ، في شكل من اشكال الشبفونية ، فالغة العربية هي لغة الصلاة و لغة القراءن الذي يتلى في حوزات ايران المحتلفة ؟؟ ربط الدخول العربي الى فارس بالانحطاط الذي التاريخي للمجد الفارسي القديم و هيمنة الثقافة العربة ، هي تشويه للهوية الفارسية في نظر النظام الإيراني ، ربط ذلك بالقضية الفلسطنية ليكتمل تعقيد المشهد ، تشير الكاتبة الى تناقض مهم وهي محقة ، فايران الحديثة إسلامية ثقافيا و دينيا ، ولكنها قومية فارسية سياسيا ، خلق ذلك التوتر ازدواجية .
قبل الثورة الإيرانية، كانت طهران في عهد الشاه ترى نفسها شرطي الخليج وحليف الغرب الرئيسي في المنطقة. وكان المشروع الإيراني آنذاك قوميًا ذا طابع فارسي واضح، يعتمد على القوة العسكرية والعلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة. لكن سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية لم ينهِ فكرة الدور الإقليمي، بل أعاد إنتاجها بصيغة مختلفة. انتقل المشروع من قومية فارسية تقليدية إلى مشروع ديني ـ سياسي يرفع شعار الثورة والعدالة ومواجهة الغرب، لكنه في العمق بقي يبحث عن النفوذ والتأثير.
هنا بدأت الإشكالية الكبرى. فالكثير من العرب اعتقدوا في البداية أن الثورة الإيرانية ستكون ثورة تحررية عادية مثل كثير من ثورات العالم الثالث، إلا أن خطاب “تصدير الثورة” أثار قلقًا مبكرًا في دول الخليج والدول العربية عمومًا. خاصة عندما سطر في قلب الدستور الإيراني ، لأن معنى تصدير الثورة لم يكن مجرد التعاطف الفكري، بل محاولة خلق امتدادات سياسية وتنظيمية تتجاوز حدود الدولة الوطنية،و اسغلت القضية الفسطينية لتمير تلك الفكرة، و النكأ ان بعض العرب قد قبلوها .
ومنذ تلك اللحظة دخل العامل المذهبي إلى قلب الصراع السياسي في المنطقة . وهي واحدة من أخطر التحولات التي عرفتها المنطقة الحديثة. فبدل أن يبقى الاختلاف المذهبي جزءًا طبيعيًا من التنوع الإسلامي التاريخي، وشكل من اشكال الاجتهاد الفقهي ، أصبح أداة للتعبئة السياسية والتنافس الإقليمي. وهكذا تحولت بعض المجتمعات العربية إلى ساحات استقطاب حاد دفعت ثمنه الشعوب من استقرارها الداخليو نموها الاقتصادي .
لكن قراءة المشهد بموضوعية تقتضي القول إن إيران ليست وحدها المسؤولة عن تعقيد العلاقة. فالعالم العربي نفسه دخل العقود الأخيرة وهو يعاني أزمات بنيوية عميقة، من ضعف الدولة الوطنية إلى الانقسامات الداخلية والاختلالات الاقتصادية وتراجع التنمية السياسية. هذه الفراغات فتحت المجال واسعًا أمام التدخلات الخارجية، سواء كانت إيرانية أو غير إيرانية.
مع ذلك، يبقى واضحًا أن السياسة الإيرانية ساهمت بدرجة كبيرة في تكريس الشك العربي. ففي لبنان ظهر النفوذ الإيراني عبر حزب الله، وفي العراق بعد 2003 تمدد التأثير الإيراني بصورة غير مسبوقة، على شكل مجموعات ولائية مسلحة ، ثم جاء الانخراط العسكري في سوريا لفترة ليست قصيرة ، حتى خربت الدولة السورية ، و من ثم الدعم الواضح للحوثيين في اليمن، كل ذلك عزز القناعة لدى كثير من العرب بأن إيران لا تتعامل مع المنطقة باعتبارها فضاءً للتعاون، بل باعتبارها مجال نفوذ مفتوحًا وساحة صراع يتوجب توسيعها فكونت مجموعات تابعة لها في عدد من دول الخليج ~، بل دربت بعضهم على السلاح للانقلاب على اوطانهم.
المشكلة هنا أن بناء النفوذ عبر الجماعات المسلحة قد يحقق تأثيرًا مرحليًا، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا. بل إن التجربة أثبتت أن الدول التي تضعف فيها الدولة الوطنية تتحول سريعًا إلى ساحات صراع وفوضى وانهيار اقتصادي واجتماعي. وهذا ما حدث في أكثر من دولة عربية خلال العقدين الماضيين.
وفي المقابل، أخطأت بعض النخب العربية حين اختزلت إيران كلها في صورة واحدة جامدة. فالواقع الإيراني الداخلي أكثر تعقيدًا بكثير. داخل إيران مجتمع متنوع، وطبقة متعلمة واسعة، وأجيال شابة تبحث عن حياة طبيعية وفرص اقتصادية وعلاقات منفتحة مع العالم. كما توجد داخل النظام نفسه تيارات متعددة تختلف في رؤيتها للعلاقة مع الغرب والجوار العربي، الا ان ما يرعها هو القمع الشامل باسم الرب ، بأكثر قسوة مما كان يفعل الشاه ! .
العقبة الكبرى في إيران تكمن في التوتر المستمر بين مفهوم “الدولة” ومفهوم “الثورة”. فالدولة بطبيعتها تبحث عن الاستقرار والمصالح والتوازنات الواقعية، بينما تميل الثورة إلى الخطاب العقائدي والتعبئة المستمرة. ومنذ عام 1979 لم تستطع إيران حسم هذا التناقض بشكل نهائي بين الدولة و الثورة ، ولذلك ظلت تتحرك أحيانًا بعقل الدولة، وأحيانًا أخرى بعقل الثورة.
هذا التناقض يفسر كثيرًا من السلوك الإيراني في المنطقة. فمن جهة، تدرك طهران أهمية الاستقرار الاقتصادي والانفتاح التجاري والعلاقات الطبيعية مع الخليج، ومن جهة أخرى تستمر بعض دوائرها في تبني خطاب الصراع الدائم وبناء الأذرع الإقليمية. والنتيجة أن إيران كثيرًا ما تبدو وكأنها ترسل رسائل متناقضة في الوقت نفسه.
الجغرافيا بدورها تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل التفكير الإيراني. فإيران تطل على الخليج العربي، وتسيطر جغرافيًا على جزء بالغ الحساسية من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا الموقع منحها شعورًا دائمًا بالأهمية الاستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه خلق لديها هاجسًا أمنيًا مستمرًا، خاصة مع وجود القوى الدولية الكبرى في المنطقة.
لكن تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط سياسي يحمل مخاطر هائلة. لأن العالم المعاصر لم يعد يقبل بسهولة فكرة التحكم بالممرات الدولية أو تهديد الاقتصاد العالمي. وقد أثبتت التجارب أن أي توتر في الخليج ينعكس فورًا على الطاقة والأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، ما يجعل استقرار المنطقة قضية دولية لا إقليمية فقط.
ومن هنا نفهم لماذا تبقى دول الخليج العربية عنصرًا محوريًا في التوازن الدولي. فهذه الدول لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت مراكز مالية واستثمارية وتقنية مؤثرة. كما أنها نجحت خلال العقود الأخيرة في بناء نماذج تنموية حديثة بهرت الإقليم و، ركزت على الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والانفتاح العالمي.
هذا التحول الخليجي خلق معادلة جديدة في المنطقة. فبينما استهلكت دول عديدة مواردها حتى الاحفورية في الصراعات الأيديولوجية والعسكرية كما قعلت على سبيل المثال ليبيا و العراق ، اتجه الخليج نحو التنمية وبناء الإنسان. لذلك فإن المقارنة بين التجربتين الخليجية والإيرانية تطرح سؤالًا مهمًا: أيهما أكثر قدرة على صناعة النفوذ الحقيقي، القوة العسكرية أم النجاح التنموي؟
التاريخ الحديث يميل إلى الإجابة بوضوح. فالقوة الصلبة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تبني نموذجًا جاذبًا. أما التنمية والاستقرار والانفتاح فتخلق تأثيرًا أعمق وأكثر استدامة. وربما لهذا السبب بدأت بعض الأصوات داخل إيران نفسها تتساءل عن كلفة الصراعات الخارجية على الاقتصاد الإيراني ومستقبل المجتمع، واهم هذه الأصوات ما سطره وزير الخارجية الإيراني الأسبق جواد ظريف في كتابة ( صمود الدبلوماسية) حيث نصح أبناء جلدته ان ينظروا الى ( التنمية الهائلة)في الجور ، مستخدما مفردة ( هائلة)! .
لقد دفعت إيران أثمانًا كبيرة خلال العقود الماضية. العقوبات الاقتصادية، والعزلة النسبية، واستنزاف الموارد في صراعات إقليمية، كلها عوامل أثرت في الداخل الإيراني. كما أن الجيل الإيراني الجديد يبدو أقل اقتناعًا بالشعارات الثورية التقليدية، وأكثر اهتمامًا بالحريات وفرص العمل ومستوى المعيشة بدليل مجموعة الانتفاضات الشعبية المتكررة في السنوات الأخيرة ، و قدم فيها تضحيات هائلة .
وفي المقابل، فإن العالم العربي أيضًا بحاجة إلى مراجعة نظرته لإيران بعيدًا عن الانفعال والمبالغات. فإيران ليست قوة مطلقة كما يصورها البعض، وليست أيضًا دولة يمكن تجاهلها. إنها دولة كبيرة ومؤثرة، والتعامل معها يحتاج إلى توازن بين الحزم والانفتاح، وبين حماية الأمن الوطني وترك أبواب الحوار مفتوحة.
التجربة الأوروبية تقدم درسًا مهمًا هنا. فالقارة الأوروبية عاشت قرونًا طويلة من الحروب المدمرة، لكنها في النهاية أدركت أن المصالح المشتركة أهم من الصراعات التاريخية. أما الشرق الأوسط فما زال أسير الذاكرة المثقلة بالتاريخ والأيديولوجيات المتصارعة والانفعالات السياسية.
ولعل أخطر ما يواجه المنطقة اليوم هو استمرار التفكير بعقلية الهيمنة والإقصاء. فبعض القوى ما زالت تعتقد أن بإمكانها فرض نفوذها بالقوة أو بناء ولاءات تتجاوز الدولة الوطنية. بينما أثبتت التجربة أن المجتمعات الحديثة تبحث عن الاستقرار والتنمية والدولة القادرة، لا عن الحروب المفتوحة والشعارات العقائدية.
كما أن التحولات الدولية الكبرى تفرض واقعًا جديدًا. الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها العالمية، والصين تركز على الاقتصاد والطاقة، وروسيا تبحث عن نفوذ سياسي واستراتيجي، بينما يتغير شكل النظام الدولي كله. وفي خضم هذه التحولات، لا يبدو من الحكمة أن تبقى المنطقة غارقة في صراعات استنزافية طويلة.
لهذا فإن الخيار العقلاني أمام الجميع هو الانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة الاختلاف. فالتعايش لا يعني الاتفاق الكامل، بل احترام المصالح المتبادلة وعدم تحويل الخلافات إلى حروب دائمة. كما أن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالصواريخ والجيوش، بل أيضًا بالتنمية والاقتصاد والتعليم وبناء الثقة بين الأطراف .
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه المنطقة هو الاعتقاد أن الاستقرار يمكن أن يولد من الفوضى. فالفوضى لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسامات والتدخلات الخارجية والانهيارات الاقتصادية. أما الاستقرار الحقيقي فيبدأ من الاعتراف المتبادل بسيادة الدول وحق الشعوب في الأمن والتنمية.وفي النهاية، تبدو إيران اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنتقل تدريجيًا من عقل الثورة إلى عقل الدولة، ومن منطق التوسع إلى منطق الشراكة الإقليمية، وإما أن تبقى أسيرة صراعات تستنزفها وتستنزف المنطقة معها. وفي المقابل، يحتاج العالم العربي أيضًا إلى بناء رؤية موحدة أكثر عقلانية وثقة بالنفس في التعامل مع الجوار الإيراني.الجغرافيا حكمت على العرب والإيرانيين بالتجاور، لكن السياسة وحدها هي التي تقرر إن كان هذا الجوار سيتحول إلى تعاون واستقرار، أم إلى تنافس وصدام دائم. وفي عالم يموج بالأزمات والتحولات الكبرى، يبدو أن التعايش لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية للجميع.