اخطر ما يصيب القضية : النهار الدولي 19 مايو 2026

                أخطر ما يصيب القضايا العادلة أن تتحول إلى سجون سياسية مغلقة

في التاريخ الإنساني قضايا عادلة كثيرة خسرت جزءا من عدالتها بسبب سوء الإدارة السياسية، والقضية الفلسطينية واحدة من أكثر الأمثلة قسوة في العصر الحديث. فالمأساة الفلسطينية لم يصنعها الاحتلال وحده، رغم مسؤوليته الأساسية والمباشرة , و الكبرى على هذه الاساة ، بل ساهمت فيها أيضا حسابات خاطئة، وشعارات مرتفعة الصوت قليلة الحكمة، وقيادات اعتادت البقاء في مواقعها أكثر مما اعتادت مراجعة نفسها او عرض اعمالها للمسائلة .

لا مناص من القول إن الفكر والسلوك الصهيوني، الذي اعتمد العلمية والاستفادة من الفرص وأخطاء الآخرين، إضافة إلى المساندة الغربية التي انتقلت من لندن إلى باريس ثم إلى واشنطن، كان له حجر الزاوية في تثبيت المشروع الإسرائيلي الى درجة ان احد المؤخيين الجدد في اسرائيل قال:  ( لو لا بريطانيا لما نشات إسرائيل ولولا أمريكا لما استمرت  ) . إلا أن رد الفعل العربي والفلسطيني في مراحل كثيرة لم يكن ذا بعد علمي وعملي بقدر ما غلبت عليه العاطفة والانفعال السياسي. بل وفي بعضه بعض الخرافات ،  تلك العاطفة لم تستطع قراءة المتغيرات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولا فهم التحولات العميقة في النظام الدولي، ولا حتى استيعاب أثر الانقسامات العربية وتناقض المشاريع السياسية في المنطقة.

على مدى عقود طويلة عاش الفلسطينيون وسط الألم والحروب والتهجير والوعود المؤجلة. ومع كل جولة صراع كان المواطن العادي يدفع الثمن الأكبر، بينما بقيت البنية السياسية الفلسطينية عاجزة عن إنتاج مراجعة حقيقية تعترف بالأخطاء أو تعيد التفكير في المسار كله. في السياسة، الاعتراف بالفشل جزء من النضج، أما تحويل الخطأ إلى عقيدة ثابتة فهو بداية التآكل الطويل.

كانت هناك محطات اقترب فيها الفلسطينيون من انتزاع مكاسب سياسية مرحلية ، لكن تلك اللحظات ضاعت تحت ضغط الشعارات أو رهانات غير واقعية ومزايدات . بعد حرب أكتوبر 1973 حدث تحول مهم في التفكير الدولي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. أدركت القوى الكبرى أن استمرار النزاع يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، وبدأت تظهر أفكار أكثر واقعية للوصول إلى تسويات تدريجية. في تلك اللحظة كان يمكن البناء على المناخ الدولي الجديد، خاصة مع التحرك المصري نحو استعادة الأرض عبر السياسة بعد الحرب، الا ان الاعتقاد ما هو قائم قد يكون دائم لم يكن حصيفا ، فبعد فترة صرف العالم نظره عن الشرق الأوسط ليهتم بقضيا اكثر الحاحا له .

ثم جاءت لقاءات ومؤتمرات، من بينها مؤتمر «مينا هاوس» في القاهرة أواخر السبعينات، كمحاولة لفتح مسار تفاوضي للقضية الفلسطينية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع. إلا أن جزءا من الخطاب السياسي العربي والفلسطيني رأى في أي نقاش سياسي تنازلا كاملا، بينما كانت إسرائيل تتحرك ببراغماتية أعلى، تستفيد من الوقت، وتستثمر في الوقائع على الأرض، وتفهم موازين القوى الدولية بصورة أدق.ومع الزمن تحولت التنظيمات الفلسطينية إلى كيانات مغلقة لكل منها مصالحها وحساباتها الخاصة. غابت المراجعة، وتراجعت فكرة المسؤولية السياسية، وبقيت القيادات نفسها رغم تغير الظروف وتبدل الوقائع. الأخطر أن بعض هذه التنظيمات بات يتعامل مع النقد باعتباره خيانة، لا ضرورة وطنية. المرحلة الحالية ربما تكون الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر، بل بسبب طبيعة الأوهام السياسية التي يجري تسويقها. جزء من الرأي العام الفلسطيني، ومعه قطاع من الرأي العام العربي، يعيش على رهان أن إيران سوف تنهض بالقضية الفلسطينية أو تدافع عنها بصورة حاسمة. هذه القراءة أقرب إلى التفكير الغيبي منها إلى التحليل السياسي الواقعي.الشواهد العملية تقول إن إيران تستخدم القضية الفلسطينية بوصفها أداة للتجنيد السياسي والتوسع الإقليمي أكثر من كونها قضية تحرر إنساني. فطهران، منذ عقود، تستثمر في شعار فلسطين لبناء النفوذ، وتوسيع الأذرع، وكسب الشرعية في الشارع العربي، لكنها لم تقدم مشروعا واقعيا قابلا للحياة للفلسطينيين أنفسهم. بل إن تجارب المنطقة أظهرت أن أولويات الدولة الإيرانية تبقى مرتبطة بحساباتها القومية والأمنية قبل أي اعتبار آخر.السياسة الحديثة لا تبنى على الأمنيات ولا على الشعارات العقائدية. العالم يتحرك وفق المصالح والقدرة على بناء التحالفات والمؤسسات والاقتصاد والاستقرار. أما تحويل القضية الفلسطينية إلى منصة للمزايدات الإقليمية، فقد أضر بالقضية أكثر مما خدمها، وترك الفلسطيني العادي بين احتلال قاس، وقيادات عاجزة، ومشاريع إقليمية تبحث عن النفوذ.لا توجد قضية عادلة محصنة ضد سوء الإدارة. فالحق يحتاج أيضا إلى عقل بارد، وإلى قراءة دقيقة للواقع، وإلى شجاعة في مراجعة الأخطاء قبل أن تتحول المأساة إلى حالة دائمة. والأوطان لا تنقذها الأوهام… بل الحقائق. مهما كان الراي في ما بعد 7 أكتوبر 2023 الا ان المتغير الأهم ان العديد من الشعوب العالمية أصبحت اكثر تفهما للقضية و اكثر وعيا للمظلومية التي وقعت وتقع على الفلسطنيين ، المؤسف ان التحالفات الخطأ كما هي العادة و السير وراء الشعارات و تجاوز المراجعة و المحاسبة ، من جديد تخسر القضية الفلسطنية الزخم الدولي الذي تكون بعد احدث أكتوبر 2023 وأيضا من جديد إدارة القضية تخل في مازق بسبب سوء الإدارة السياسية و الفرقة القاتلة حتى اصبح وجود (الفصيل) اهم من انقاذ الناس .

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.