نعيش في اوطان لا مذاهب
في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها منطقتنا، وبين ضياع اليقين ، واتساع الشقاق الفكري والمذهبي، يبدو من الضروري إعادة فتح ملف العلاقة بين المذهب والدولة الوطنية، بعيدًا عن الانفعال السياسي وضجيج التحريض.
المذاهب الدينية والفكرية ليست سوى اجتهادات بشرية لفهم النص وتفسيره ، وفق ظروف الزمان والمكان، ولهذا تعددت المدارس داخل الدين الواحد بل وفي المذهب الواحد . ففي الإسلام السني أربعة مذاهب معروفة، وعدد اخر غير شائع او اندثر ، وفي التشيع مدارس واجتهادات متعددة، كما عرف التاريخ المسيحي انقسامات واسعة بين الكاثوليك والبروتستانت وفي داخلهم أيضا ، ذلك التعدد لم يكن في جوهره مشكلة، بل كان دليلاً على حيوية العقل الإنساني، وقد أدركت المجتمعات المستقرة أن احترام هذا التنوع , و التعايش معه ضرورة لحماية السلم الأهلي داخل الوطن الواحد ،
المشكلة تبدأ حين يتحول الهوية الدينية او المذهبية الى أداة في الصراع السياسي تحقيق لمشروع قومي توسعي كما يحدث اليوم في عالمنا .
أوروبا دفعت أثمانًا هائلة عندما اختلطت العقيدة بالصراع على السلطة، ودخلت في حروب طائفية طويلة أنهكت الإنسان والدولة معًا. ولم تصل إلى الاستقرار إلا عندما انتصر مفهوم الدولة الوطنية التي تقوم على المواطنة والقانون، لا على احتكار الحقيقة الدينية أو فرض تفسير مذهبي واحد على المجتمع.
الدولة العربية الحديثة، أخذت في معظم دساتيرها وقوانينها بهذا المفهوم، فلم تجعل الانتماء المذهبي أساسًا للمواطنة، بل اعتبرت المواطنين متساوين أمام الدولة. لم يكن ذلك ترفًا فكريًا، بل إدراكًا مبكرًا أن المجتمعات المتنوعة لا يمكن أن تستقر إذا تحولت الطوائف إلى كيانات سياسية متقابلة.
غير أن العقود الأخيرة شهدت توظيفًا حادًا للمذهبية، حتى أصبحت وسيلة للتعبئة السياسية و توسيع النفوذ الإقليمي. هنا اختلط الديني بالسياسي، وتحول بعض أتباع المذاهب من مواطنين داخل الدولة إلى أدوات في مشاريع تتجاوز حدود أوطانهم. والنتيجة كانت زيادة الانقسام الداخلي وإضعاف مفهوم المواطنة الجامعة.
في هذا السياق يبرز فكر المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين باعتباره من أكثر الأصوات وعيًا بخطورة هذا المسار. و لكنه ليس الوحيد ، فهناك من رجال الدين الشيعة مثل الشيخ حسن فضل الله و احمد الوائلي واخرين كثر . وقد كانت لي مع الشيخ شمس الدين حوارات غنية، و في وصايته المعروفة كان واضحًا في تأكيده أن الدولة الوطنية هي الإطار الطبيعي لاستقرار الناس، وأن المذهب لا يجوز أن يتحول إلى ولاء سياسي عابر للحدود. كان يرى أن الاجتهاد الفقهي ، لا يخرج المواطن عن الوطن ، فالخير هو المصلحة المشتركة الثابتة بين المواطنين.
شمس الدين دعا مبكرًا إلى اندماج الشيعة العرب الكامل في أوطانهم، ورفض أي وصاية سياسية تمارس باسم المذهب. وكان يدرك أن الجماعات التي تربط قرارها السياسي بالخارج تضع نفسها ومجتمعاتها في دائرة الشك والصدام. لذلك شدد على أن حماية التنوع لا تكون بتسييسه، بل بإبقائه في إطاره الطبيعي كاختلاف فكري وثقافي داخل وطن واحد.التجارب الحديثة أكدت هذه الحقيقة بوضوح. فكلما تعاظمت الولاءات العابرة للدولة، ضعفت الدولة نفسها. ، تصبح المؤسسات أكثر هشاشة، ويتراجع الشعور بالمواطنة، وتتحول المجتمعات إلى ساحات مفتوحة للتجاذب الخارجي. والشواهد في المنطقة أكثر من أن تحصى.الدولة لا تصبح فاشلة بسبب الاقتصاد وحده، بل عندما يفقد المواطن ثقته بأن الوطن هو المظلة الجامعة للجميع. وعندما يرتفع الولاء الطائفي أو الحزبي العابر للاوطان فوق الولاء الوطني يبدأ التآكل البطيء لفكرة الدولة، مهما امتلكت من شعارات أو أدوات قوة.لقد انتهت تجارب البشر إلى درس واضح: لا استقرار من دون دولة وطنية عادلة، تحترم التعدد لكنها لا تسمح بتحويل التعددية إلى مشروع سياسي يتجاوز حدود الوطن. فالمذاهب اجتهادات بشرية ، أما الوطن فهو الحقيقة التي لا يمكن العيش من دونها.