الإمبراطوريات لا تعود .. اوهامها تصنع المازق !
ليس من السهل فهم الأزمة المستحكمة في النظام الإيراني و الحروب الشرسة الدائرة في الشرق الأوسط ، دون العودة إلى الجذور العميقة للعلاقة المركبة بين الدين والسياسة في إيران، وهي علاقة لم تكن طارئة، بل ممتدة منذ قرون، تأخذ أشكالاً مختلفة ، لكنها تحتفظ بجوهر واحد، صراع مستمر على السلطة ، بين الشرعية الدينية ومقتضيات الدولة الحديثة المسايرة للقوانين الدولية . .
في مطلع القرن العشرين، ومع ضعف الدولة القاجارية، ظهرت محاولة مبكرة للخروج من هذا المأزق عبر ما عُرف بثورة المشروطية، التي سعت إلى إقامة نظام هجين ، يجمع بين المؤسسات الحديثة والمرجعية الدينية. شارك رجال الدين في تلك التجربة بشاط واضح ، لكنهم لم يستطيعوا حسم موقعهم داخلها، هل هم شركاء في السلطة ، أم أوصياء عليها؟ هذه الثنائية غير المحسومة ، أدت إلى صراع داخلي ، و من ثم إضعاف التجربة، فانهارت سريعاً، تاركة فراغاً ملأه رجل عسكري ، هو رضا شاه، الذي قرر أن يحسم المسألة بالقوة، ففرض نموذجاً تحديثياً قسرياً، مستلهماً صعود النماذج السلطوية في أوروبا آنذاك، عازما على تطبيقها ..
لكن هذا التحديث الفوقي لم يكن مستقراً، من خلال مؤسسات ، كما حدث في تركيا ، إذ ظل منفصلاً عن البنية الاجتماعية والثقافية، وقائما على سلطة رجل واحد. ومع الحرب العالمية الثانية تدخلت القوى الكبرى، البريطانية والروسية، وأزاحت رضا شاه، ذو الميول الفاشية ، لتعيد تشكيل السلطة عبر ابنه محمد رضا بهلوي. هنا عادت المسألة القديمة الى السطح ، كيف يمكن التوفيق بين دولة حديثة ، وشبكة دينية متجذرة في المجتمع؟
في تجربة محمد مصدق عام 1953 ، برزت محاولة مختلفة، تقوم على الاستقلال الوطني عبر تأميم النفط غير أن هذه التجربة لم تسقط فقط بفعل التدخل الخارجي ومحاولة تقليص النفوذ الأجنبي ، كما تروى في السردية الشائعة، بل لعبت فيها أيضاً قوى داخلية، دوراً حاسماً ، من بينها بعض رجال الدين ، على راسهم رجل الدين أبو القاسم كاشاني ، خاصة حين شعروا بأنهم مستبعدون من معادلة الحكم. و قد رفض مصدق وصايتهم ، وهكذا، عاد الشاه، من منفاه في روما ، هذه المرة أكثر اقتناعاً بأن التحديث لا يحتمل الشراكة. .
في سبعينات القرن الماضي، ومع الطفرة النفطية، اندفع الشاه نحو مشروع تحديثي واسع، رافقه تضخم في السلطة ، وتهميش ممنهج للمؤسسة الدينية. غير أن هذه المؤسسة لم تكن قد اختفت، بل كانت تتوسع في الظل، مستفيدة من شبكاتها الاجتماعية والتاريخية ، التي تعود إلى الحقبة الصفوية. وعندما انفجرت الثورة عام 1979، لم تكن مجرد انتفاضة شعبية، بل لحظة انتقال تاريخي ، نقلت رجال الدين من هامش الدولة إلى مركزها.
غير أن التجربة الجديدة، التي تجسدت في ولاية الفقيه، لم تكن عودة إلى الماضي بقدر ما كانت تركيبة معقدة عازمة على عدم تكرار الأخطاء السابقة ، مزجت بين الشرعية الدينية، والأجهزة الأمنية، والاقتصاد السياسي. هذا النظام نجح في تثبيت نفسه داخلياً عبر آليات الضبط والسيطرة، ولكنه واجه معظلة أخرى كيف يبرر وجوده في المنطقة ؟ كان الجواب في التمدد الخارجي. بقية صناعة شبيه له ، فبدا في خلق مليشات نشطة او نائمة في الجوار العرابي تابعة له ومحققة لاهدافه . فكما فعلت إمبراطوريات سابقة، سعت إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي، مستفيدة من فراغات السلطة في العالم العربي، خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد عبّر بعض مسؤوليها صراحة عن هذا النفوذ، باعتباره امتداداً طبيعياً لدورها. ومن يقرأ الأدبيات الرسمية، مثل كتابات بعض مسؤوليها، يدرك أن هذا التمدد لم يكن تكتيكاً مرحلياً، بل جزءاً من رؤية أوسع تستعيد فكرة “المجال الحيوي” بصيغة إيديولوجية. لكن التاريخ يعلّمنا أن التمدد غالباً ما يكون نقطة ضعف الإمبراطوريات لا قوتها. فاليابان، في النصف الأول من القرن العشرين، بلغت ذروة قوتها حين توسعت، لكنها دفعت ثمناً باهظاً عندما اصطدمت بالنظام الدولي. وكذلك الاتحاد السوفيتي، الذي انهار جزئياً تحت عبء التمدد. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن المشروع التوسعي قد تجاوز قدرة الدولة على الاحتمال، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية ،وقدرة الجوار على التحمل .والحرب الجارية اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي لحظة اختبار عميقة للفكرة التي حكمت النظام منذ تأسيسه:، وهي الجمع بين العقيدة والسلطة، وبين الداخل والخارج في مشروع واحد. ويبدو أن هذه الحرب تدفع، بشكل أو بآخر، نحو إعادة تعريف موقع إيران في العالم، من مشروع إمبراطوري متخيل إلى دولة وطنية بحدود واضحة ومصالح محددة.السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام سيتغير، بل كيف سيتكيف مع هذا التحول. فالتاريخ الإيراني مليء بالتحولات، لكنه أيضاً مليء بمحاولات التوفيق بين ما لا يمكن التوفيق بينه. واليوم يقف النظام أمام لحظة مشابهة، إما أن يعيد تعريف نفسه ضمن منطق الدولة الحديثة، أو يستمر في ملاحقة حلم إمبراطوري لم يعد له مكان في عالم تتغير قواعده الحاكمة بسرعة. الكلام : تاريخ العالم المعاصر لا يحتمل الامبراطوريات ,