يبدّل اليسار معطفه: من شعار الخلاص إلى يقين الهلاك
ليس التحول من اليسار إلى التشدد الديني حادثة فردية معزولة، ولا هو نكتة فكرية عابرة تصلح للسخرية، بل ظاهرة سياسية ـ نفسية تكررت في أكثر من سياق عربي، وبصور مختلفة، لكنها تشترك في جذر واحد، هشاشة القناعة وهشاشة المعرفة ، حين تُبنى على الشعار لا على الفهم، وعلى الموقف لا على المعرفة.
قصة السيدة ثريا منقوش، اليسارية اليمنية التي احتُفي بكتابها «التوحيد يماني» في سبعينات القرن الماضي، ثم ظهرت بعد سنوات بلباس أبيض وعمامة وتعلن بثقة أنها «نبيّة»، ليست مجرد واقعة طريفة في تاريخ المثقفين العرب. هي تعبير فاضح عن عقل لم ينتقل من فكرة إلى نقيضها، بل قفز من يقين زائف إلى يقين أكثر زيفًا، ومن خطاب شمولي إلى آخر، دون أن يمر بلحظة مراجعة حقيقية.
ذلك حدث مع جمهور كبير من شيعة العراق و أيضا شيعة لبنان ، عندما اتتقل كثير منهم من الاطروحات اليسارية الى الكهنوتية ، جماعات تحبث عن الخلاص في المكان الخطأ
ما يجمع بين اليسار العقائدي والتشدد الديني ليس المحتوى، بل البنية الذهنية. كلاهما يقدّم تفسيرًا شاملًا للعالم، إجابة جاهزة عن الخير والشر، وعن الماضي والمستقبل، ويعفي الفرد من عبء الشك، ومن مسؤولية السؤال الصحيح في كيفية حل معضلات المجتمع و السياسة في عالمه. في الحالتين، الفكرة لا تُناقش بل تُعتنق، وتُرفع إلى مرتبة الحقيقة المطلقة التي لا تحتاج إلى برهان، ومن يخرج عنها اما ( خائن وعميل) او (مرتد) كلا الحالين هو تهميش و تضييق على الراي الاخر .
حين قالت ثريا جملتها الشهيرة: عندما قيل لها الن النبي قال انه اخر الانبياؤء قالت «النبي قال آخر الأنبياء ولم يقل آخر النبيات»، لم تكن تمارس تأويلاً دينيًا بقدر ما كانت تمارس منطق الأدلجة ذاته الذي سكنها وهي يسارية. اللعب على اللغة، اقتطاع النص، بناء استنتاج صادم، ثم إعلان امتلاك الحقيقة. هذا ليس عقلًا دينيًا ولا عقلًا
يساريًا، بل عقل مؤدلج يبحث دائمًا عن منصة يقف فوقها لا عن أرض يقف عليها، من هنا في ترايخنا الحديث
فشل الحكم الايدلوجي ( اليساري و الكهنوتي) الذي تبني تهميش اهم ادواة الحكم ، المراجعة و المسائلة .
المثال العراقي أكثر قسوة وأكثر دلالة. حزب البعث العراقي كان حزبًا علمانيًا، بل معاديًا للدين السياسي، يعتمد الدولة المركزية والجيش والنظام الصارم. لكن مجرد سقوط النظام وتسريح الجيش، أي إزالة الإطار السلطوي الذي كان يمسك هذه الكتلة البشرية، حوّل آلاف الضباط والمنتسبين إلى وقود لتنظيمات متطرفة، في مقدمتها «داعش». كيف ينتقل العسكري العلماني إلى أقصى درجات التشدد الديني؟ السؤال ليس في الدين، بل في الفراغ.
العقل الذي لم يُدرَّب على النقد، ولم يتعلم الشك، ولم يُربَّ على التمييز بين الدولة والفكرة، يبحث عند الانهيار عن بديل شمولي جديد. وحين تسقط الدولة، لا يبقى سوى الهويات الصلبة: الطائفة، العقيدة، النص المقدس.
فيتحول الشعار القومي إلى راية دينية، ويتحوّل الانضباط العسكري إلى طاعة عمياء، ويتحوّل العنف “الشرعي” للدولة إلى عنف “مقدس” باسم الله. المشكلة ليست في الظروف وحدها، رغم قسوتها، ولا في الدين ذاته، ولا في اليسار كفكر نقدي. المشكلة في عقل لم يؤسس قناعاته على ثوابت معرفية، بل على شعارات فوقية تُلقَّن ولا تُفهم. هذا العقل لا يغيّر موقعه لأنه تطور، بل لأنه يبحث دائمًا عن يقين جاهز يريحه من عناء التفكياليسار العربي،
في كثير من تجاربه، لم يكن يسارًا نقديًا بقدر ما كان أيديولوجيا مغلقة. وحين انهارت سرديت الكبرى مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكك نماذج “الخلاص”، لم يملك أدوات المراجعة، فانتقل بعضه إلى النقيض، لا بوصفه اليسار كفكر نقدي. المشكلة في عقل لم يؤسس قناعاته على ثوابت معرفية، بل على شعارات فوقية تُلقَّن ولا تُفهم. هذا العقل لا يغيّر موقعه لأنه تطور، بل لأنه يبحث دائمًا عن يقين جاهز يريحه من عناء التفكياليسار العربي، في كثير من تجاربه، لم يكن يسارًا نقديًا بقدر ما كان أيديولوجيا مغلقة. وحين انهارت سرديت الكبرى مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكك نماذج “الخلاص”، لم يملك أدوات المراجعة، فانتقل بعضه إلى النقيض، لا بوصفه
نقيضًا، بل بوصفه خلاصًا بديلًا، وتقاتل ( الاخوة – الأعداء) حتى التصفية الجسدية .لهذا لا ينبغي أن نفاجأ حين نرى يساريًا سابقًا يتحول إلى داعية متشدد، أو قوميًّا صلبًا يصبح طائفيًا شرسًا. المفاجأة الحقيقية أن نظل نعتقد أن هذه التحولات طارئة، بينما هي نتيجة طبيعية لعقل لم يتعلم أن الحقيقة نسبية، وأن السياسة مجال إدارة لا مجال خلاص، وأن الإنسان أعقد من أن يُختزل في شعار.المعضلة التي نواجه هي ان التناقض بين الحل الاجتماعي او السياسي او حتى الاقتصادي ، وهو معقد ، ليس بين الصالح و الاصلح ، بل بين الحق المطلق و الباطل المطلق ، هو تنافس ليس في الأفكار، بل في العقول التي تحملها. وحين لا تكون القناعات مؤسسة على معرفة، فإنها لا تنهار بهدوء، بل تنقلب إلى نقيضها بعنف.
نقيضًا، بل بوصفه خلاصًا بديلًا، وتقاتل ( الاخوة – الأعداء) حتى التصفية الجسدية .لهذا لا ينبغي أن نفاجأ حين نرى يساريًا سابقًا يتحول إلى داعية متشدد، أو قوميًّا صلبًا يصبح طائفيًا شرسًا. المفاجأة الحقيقية أن نظل نعتقد أن هذه التحولات طارئة، بينما هي نتيجة طبيعية لعقل لم يتعلم أن الحقيقة نسبية، وأن السياسة مجال إدارة لا مجال خلاص، وأن الإنسان أعقد من أن يُختزل في شعار.المعضلة التي نواجه هي ان التناقض بين الحل الاجتماعي او السياسي او حتى الاقتصادي ، وهو معقد ، ليس بين الصالح و الاصلح ، بل بين الحق المطلق و الباطل المطلق ، هو تنافس ليس في الأفكار، بل في العقول التي تحملها. وحين لا تكون القناعات مؤسسة على معرفة، فإنها لا تنهار بهدوء، بل تنقلب إلى نقيضها بعنف.