هل يدوم حكم الملالي : نشر في النهار الدولي 10 مارس 2026

                                                إيران  هل يدوم حكم الملالي؟

 كيف نقراء المجتمع السياسي الإيراني بواقعية ؟ وقت ان نقرا ماكتبه الإيرانيون ذوي الميول المستقلة .

فحين نقرأ كتاب تارا بهرامبور The Heartbeat of Iran ونضعه إلى جوار أعمال أخرى مثل كتاب راي تقية Guardians of the Revolution، أو دراسة ولي نصر   The Shia Revival، أو حتى تأملات الكاتبة  أذار نفيسي في  Reading Lolita in Tehran، تتكشف أمامنا صورة مركبة لإيران، لا تختزلها الشعارات الثورية . إيران ليست مجرد نظام “ملالي”، كما أنها ليست مجرد مجتمع ليبرالي مكبوت ينتظر لحظة الانفجار. هي تركيب اجتماعي معقد، تتحرك طبقاته ببطء، ويشد أطرافه تاريخ طويل من الدولة المركزية، والهوية القومية الفارسية، والتدين الشعبي، والتجربة الثورية الحديثة. ومن هنا فإن السؤال عن ديمومة حكم رجال الدين ليس سؤالًا سياسيًا ، بل سؤال سوسيولوجي في جوهره،  هل البنية الاجتماعية التي أنتجت هذا النظام ما زالت قادرة على حمله؟

كتاب بهرامبور، التي ولدت في أمريكا بعد هجرة اسرتها عشية سقوط الشاه ،  يذهب إلى “الناس”، إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى المقاهي والجامعات والأسواق، ليقول إن تحت السطح الرسمي مجتمعًا شابًا، متعلمًا، متصلًا بالعالم، يختلف في إيقاعه عن إيقاع المؤسسة الدينية الحاكمة. هذه الفكرة نجد صداها، وإن من زاوية أخرى، عند راي تقية،  الذي يشرح كيف تحولت الثورة الإسلامية من حركة تعبئة شعبية إلى نظام مؤسساتي مغلق تديره شبكات معقدة من رجال الدين والحرس الثوري والبيروقراطية الدينية. هنا يظهر التباين بين المجتمع المتحرك، والدولة المتخشبة. الدولة الإيرانية بعد أربعة عقود من الثورة لم تعد ثورة، بل صارت مؤسسة تسعى إلى البقاء.

سوسيولوجيًا، هناك ثلاثة تحولات كبرى ينبغي التوقف عندها. الأول هو التحول الديموغرافي. إيران اليوم مجتمع شاب، حضري بنسبة كبيرة، ومستوى التعليم فيه مرتفع، خاصة بين النساء. هذا الجيل لم يعش تجربة 1979، ولم يخض حرب الثماني سنوات مع العراق، ولا يحمل الذاكرة الثورية ذاتها التي تمنح الشرعية الرمزية للنظام. الشرعية هنا تتحول من “شرعية ثورية” إلى “شرعية أداء”، أي قدرة الدولة على توفير الاقتصاد والاستقرار والفرص. وكلما تراجعت هذه القدرة بفعل العقوبات وسوء الإدارة والفساد، ضعفت شرعية النظام في الوعي الجمعي.

التحول الثاني هو تحوّل التدين نفسه. ما توضحه بهرامبور، وتلمح إليه دراسات أخرى، أن التدين في إيران لم يختفِ، لكنه لم يعد مطابقًا للخطاب الرسمي. هناك تدين ثقافي، فردي، صوفي أحيانًا، وهناك أيضًا نزعة قومية فارسية عميقة تسبق الثورة وتتجاوزها. هذا التعدد في أنماط التدين، يعني أن احتكار المؤسسة الدينية للفضاء العام لم يعد يعكس كل أشكال الإيمان في المجتمع. ومع الزمن، حين تفقد المؤسسة قدرتها على احتكار التفسير الأخلاقي، يبدأ التآكل من الداخل، لا بالضرورة عبر ثورة، بل عبر انصراف بطيء عن خطابها.

التحول الثالث اقتصادي–طبقي. العقوبات الدولية أنهكت الاقتصاد، لكنها أيضًا أعادت توزيع مراكز القوة. الحرس الثوري توسع في الاقتصاد، وظهرت طبقة شبه عسكرية–تجارية مستفيدة من اقتصاد العقوبات. في المقابل، تآكلت الطبقة الوسطى، وهي تاريخيًا حامل التحديث في إيران منذ زمن الشاه. ضعف الطبقة الوسطى لا يعني بالضرورة انهيار النظام، لكنه يعني اتساع فجوة بين مجتمع يطمح إلى حياة طبيعية ودولة تعيش عقلية الحصار. ومع كل دورة احتجاج — كما رأينا في 2009 ثم في الاحتجاجات اللاحقة ، حتى يناير 2026 — يتجدد السؤال: هل النظام قادر على استيعاب الضغوط، أم أنه يكتفي بإخمادها؟

مع الاشتباك الأخير ( الذي ربما يسمى حرب مارس 2026)  يراهن  البعض على سقوط النظام، غير أنه  يتجاهل عنصرًا مهمًا: الدولة الإيرانية ليست هشّة كما تبدو من الخارج. لديها جهاز أمني فعال، وبنية مؤسساتية متماسكة، وشبكة مصالح عريضة تربط الدين بالاقتصاد بالعسكر. كما أن الشعور القومي الإيراني قوي، ويجعل قطاعات واسعة ترفض التدخل الخارجي، حتى لو كانت ناقدة للنظام. هذا ما أشار إليه ولي نصر حين اعتبر أن إيران ليست دولة أيديولوجية خالصة، بل دولة قومية تستخدم الأيديولوجيا كأداة تعبئة. الا ان ملاحظاته قد تصبح قديمة .

إذن نحن أمام مفارقة مركزية ،مجتمع يتغير أسرع من دولته، لكن دولة ما زالت تملك أدوات الضبط. في علم الاجتماع السياسي، هذه الحالة توصف أحيانًا بـ“الاستقرار المتوتر”، حيث لا يكون النظام مستقرًا بالكامل ولا المجتمع في حالة ثورة دائمة، بل تعايش قلق بين الطرفين، ويبو ان استراتجية الحرب تسعى الى خلخلة أدوات الضبط ، بعدد من الاغتيالات .

التاريخ الإيراني نفسه يقدم دروسًا. فهذه ليست أول مرة تواجه فيها إيران فجوة بين المجتمع والدولة. ثورة 1906 الدستورية، ثم سقوط الشاه عام 1979، كلاهما جاءا بعد تراكم طويل من التحولات الاجتماعية التي سبقت الانفجار السياسي. لكن الفارق أن النظام الحالي تعلم من سابقيه، وبنى مؤسسات حماية(منفصلة و متصلة). لذا فإن احتمال عدم الديمومة لا يعني حتمية الانهيار، بل احتمال التحول. قد يتغير شكل الحكم من داخل المؤسسة نفسها، عبر إعادة توزيع السلطة بين رجال الدين والحرس الثوري، أو عبر تقليص الدور الأيديولوجي لمصلحة إدارة أكثر تقنية.

 إيران ليست كتلة جامدة، بل مجتمع نابض كما تقول بهرامبور، لكنه أيضًا دولة متجذرة كما يشرح تقية. بين النبض والصلابة يتحدد المستقبل. حكم الملالي ليس قدرًا أبديًا، لكنه أيضًا ليس بناءً ورقيًا ينتظر نسمة. ديمومته مرهونة بقدرته على قراءة مجتمعه، لا بقدرته على إسكات صوته. وإذا كان المجتمع الإيراني قد أثبت شيئًا عبر قرن من الزمن، فهو أن التحول فيه بطيء، لكنه حين ينضج لا يعود إلى الوراء.

أحر الكلام: ايران اليوم بين نبض المجتمع و تصلب الدولة .

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.