اي طريق تنموي يصلح للعرب – الشرق الاوسط 21 فبراير 2026

                                         أي طريقٍ تنموي  يصلح للعرب؟

النموذج الغربي للتنمية في الغالب سواجه ازمة هيكلية ، ويبتعد عن الجدراة التي بني عليها في فترة انطلاقه ، و تبين ان النخب في الغالب يحركها المديح و تسقط في هوة الشعبوية ، فيفقد النموذج الغربي فعابليته و أيضا عناصر  جذبه .

وحين يُطرح سؤال التنمية بإلحاح  في العالم العربي، لم تعد التجربة الغربية هي البوصلة ، بل يتجه النظر غالباً إلى تجارب شرق آسيا بوصفها مختبرات ناجحة للتحديث السريع،  بعيدا عن مفردات التجربة الغربية . فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية، اختارتا التحديث عبر تبنّي المؤسسات السياسية والاقتصادية الغربية الليبرالية ، مع مواءمة دقيقة لثقافتهما المحلية. فالديمقراطية التمثيلية، واقتصاد السوق، واحترام سيادة القانون، كانت خطوطاً عريضة، بينما بقيت الروح الجماعية والانضباط الاجتماعي، واحترام السلطة الثقافية عناصر حاكمة في السلوك العام ، منعها  من الانزلاق الى الشعبوية .

الصين سلكت طريقاً مختلفاً. فقد حافظت على نظام سياسي مركزي صارم، تقوده نخبة حزبية، لكنها في الوقت نفسه أطلقت اقتصاداً شبه حر، يقوم على المبادرة الفردية و المنافسة ، وجذب الاستثمار الخارجي ، والانفتاح التجاري، وتعليم حديث لتنمية راس المال البشري . هذا الجمع بين قبضة سياسية قوية، ومرونة اقتصادية عالية،  أنتج واحدة من أسرع عمليات التحول الاقتصادي في التاريخ الحديث وفي وقت زمني قصير نسبيا . لم يكن النجاح اقتصادياً فحسب، بل كان أيضاً نجاحاً في إدارة الاستقرار الاجتماعي، ضمن مجتمع ضخم ومتعدد..

السؤال العربي  لا يكمن في استنساخ هذه النماذج، سواء كانت شرقية  وقد فشلت او غربية وقد تعثرت ، بل علينا فهم الشروط التي  جعلت تجارب شرق اسيا قابلة للحياة. فالتجارب الآسيوية لم تنجح لأنها آسيوية، بل لأنها بنت عقداً اجتماعياً واضحاً بين الدولة والمجتمع،  الدولة توفر الأمن والتنمية، والمجتمع يمنح الشرعية والانضباط والإنتاج.

في اليابان وكوريا الجنوبية، لعبت الدولة دور “الموجّه الاستراتيجي” لا “المالك الشامل”. دعمت الصناعات الوطنية، استثمرت في التعليم والتكنولوجيا استثمارا في الكيف وليس في الكم ، ووفرت بيئة تنافسية بعيدة عن الفساد ، لكنها تركت القطاع الخاص يقود النمو. ، وفي الوقت ذاته، ترسخت مؤسسات قانونية مستقلة، وشفافية  إدارية ،  ومحاسبة سياسية عقلانية ، ما عزز الثقة العامة. أي تعاملت مع عاملين لهما أهمية قصوى في التنمية، وضع اليات  ( المسائلة ،و المراجعة )

أما الصين، فنجاحها اعتمد على عناصر مختلفة: بيروقراطية كفؤة، تخطيط طويل المدى، انضباط إداري صارم، ومحاربة منهجية للفقر. لكنها أيضاً استفادت من ثقافة تقدّر العمل الجماعي والاستقرار الاجتماعي ، وتقبل دور الدولة المركزي، بوصفه ضامناً للوحدة الوطنية.

عند إسقاط هذه الخبرات على العالم العربي، تظهر معضلة أساسية امامنا وبوضوح ،  ليست المشكلة في اختيار نموذج سياسي أو اقتصادي، بل في غياب التوليفة المؤسسية والثقافية، التي تسمح لأي نموذج بالعمل الناجح . فقد شهدت بعض الدول العربية انفتاحاً اقتصادياً بلا مؤسسات رقابية، فنتجت احتكارات وتفشى الفساد ،  بينما شهدت دول أخرى سيطرة حكومية كاملة على الاقتصاد ،  أدت إلى البيروقراطية والجمود و أيضا الفساد . كما أن تبني هياكل ديمقراطية شكلية،  دون ثقافة سياسية داعمة ،أدى إلى هشاشة مؤسسية ،أدت الى عدم  الاستقرار، فكانت كال تجاربنا الديمقراطية ( ان صخ التعبير ) اقرب الى ( سوق عكاض) ، كثرة الجدل والضجيج اللفظي .

إن التوليفة العربية الناجحة المرتجاة ،  لا بد أن تقوم على عدد من المرتكزات الواضحة، وهي خمس . أولها، دولة قوية بالقانون لا بالأجهزة، قادرة على فرض النظام وحماية الحقوق، لأن الاستثمار والتنمية لا يزدهران في بيئة مضطربة. ،وفضاء قانوني رمادي,   ثانيها، اقتصاد سوق منضبط، يتيح المبادرة الفردية، ويشجع القطاع الخاص، مع دور تنظيمي ذكي للدولة ، يمنع الاحتكار ويحمي العدالة التنافسية. ثالثها، استثمار جذري في التعليم النوعي، لأن التجارب الآسيوية أثبتت أن رأس المال البشري هو الوقود الحقيقي للنمو.

الركيزة الرابعة هي بناء بيروقراطية مهنية ، تعتمد الكفاءة لا الولاء الشخصي ، و الإنجاز لا الزبائنية ، إذ لا يمكن لأي خطة تنموية أن تنجح إذا تعطلت داخل دهاليز الإدارة المتلكئة و غير الكفوءة . والخامسة هي صياغة عقد اجتماعي جديد يوازن بين الحرية والمسؤولية، ويعيد الثقة بين المواطن والدولة، مبني على تراث محلي ونظام صارم للفصل بين السلطات .

ثقافياً، لا تحتاج المجتمعات العربية إلى التخلي عن هويتها، بل إلى إعادة توظيف قيمها الإيجابية الكبرى ، مثل العدل  و احترام كرامة الانسان ، و الاستفادة من قوة  التضامن الاجتماعي، احترام العلم،و قيمة العمل، ومكانة الأسرة و المراة . فهذه القيم، إذا أُعيد توجيهها نحو الإنتاج والمعرفة، يمكن أن تشكل قاعدة صلبة للتحديث.

لقد أثبتت التجارب الآسيوية أن النجاح ليس وصفة جاهزة، بل هو توافق بين السياسة والاقتصاد والثقافة. والدرس الأهم للعرب ليس اختيار الطريق الصيني أو الياباني او الكوري او الغربي ، بل بناء الطريق الخاص، دولة وطنية عادلة،  ذات قيادة واعية و اقتصاد منتج، ومجتمع يؤمن بأن المستقبل يُصنع بالعمل لا بالشعارات.

أخر الكلام : ليس  نهضة الأمم بما تستعيره من نماذج، بل بقدرتها على تحويل خبرات الآخرين إلى تجربة تتكيف مع  واقعها وتخدم إنسانها.

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.