قراءة في احتمالات التطور في الملف الإيراني
إذا افترضنا أن واشنطن وطهران توصلتا إلى صفقة كبرى، لا تشبه التفاهمات الجزئية السابقة، بل تذهب مباشرة إلى إنهاء البرنامج النووي العسكري، وتقليص حقيقي للبرنامج الصاروخي الباليستي، وفك الارتباط بالأذرع الخارجية في لبنان واليمن والعراق، والتوقف تماما عن التدخل في شؤن الجوار مقابل رفع شامل ومستدام للعقوبات الأمركية، فإننا نكون أمام لحظة مفصلية في تاريخ إيران الحديث، وربما في تاريخ الإقليم كله.
الا ان ذلك في الغالب لن يحدث ، وان حدث فهو يعني بدا العد التنازلي لسقوط النظام الإيراني القائم ,
الصفقة، إن حدثت، لن تكون تنازلاً تقنياً بقدر ما هي انقلاب في فلسفة الدولة الإيرانية نفسها. فمنذ عام 1979 سنت ايران مشروع (الدولة الثورة)، فان حدث تنازل فهو انقلاب على الدستور وعلى تصدير الثورة ، التي بني عليها النظام مشروعيتها القائمة على الصراع الدائم مع الخارج، ،وفقد سرديته حيث تحوّل هذا الصراع إلى أداة تعبئة داخلية، ، وبؤرة للحشد حول (الامراطورية) وإلى غطاء لتوسيع النفوذ الإقليمي. التخلي عن هذه الوظيفة يعني عملياً الانتقال من دولة ثورة، إلى دولة مصالح، وهو انتقال يتطلب تغييراً في بنية القرار وشخوصه ، لا في الخطاب فقط.
إيران ما بعد الصفقة ( ان تمت) ستكون مضطرة إلى إعادة تعريف أمنها القومي. فالأمن، الذي كان يُفهم بوصفه امتداداً جغرافياً عبر الوكلاء، سيتحول إلى أمن داخلي قائم على الاستقرار الاقتصادي، ورضا المجتمع، وإدارة التنوع القومي والمذهبي. وهذا التحول ليس سهلاً، لأن أدوات السيطرة القديمة تفقد فعاليتها عندما يتراجع منسوب الخطر الخارجي، وتصبح مطالب الداخل أكثر إلحاحاً ووضوحاً.
اقتصادياً، سيُفتح أمام إيران أفق مختلف تماماً. رفع العقوبات سيعيد النفط والغاز الإيرانيين إلى الأسواق، وسيحرر النظام المصرفي، ويجذب استثمارات غربية وآسيوية كانت تنتظر هذه اللحظة. لكن الخطر يكمن في إعادة إنتاج الدولة الريعية نفسها، من دون إصلاح بنيوي، فتذهب الموارد إلى مؤسسات نافذة ، بدل أن تُترجم إلى تنمية حقيقية وفرص عمل لجيل شاب أنهكته العزلة والضغوط. الأمنية و الاقتصادية .
سياسياً، ستبرز معادلة جديدة داخل النظام. التيار الذي بنى نفوذه على العسكرة والتوسع الخارجي سيفقد جزءاً كبيراً من مبرراته، بينما ستتعزز أصوات البراغماتيين والتكنوقراط. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة انفتاحاً ديمقراطياً سريعاً، فالأنظمة الأيديولوجية غالباً ما تبدل أدواتها لا طبيعتها، وتبحث عن شرعية بديلة عندما تسقط شرعية الصراع..
إقليمياً، سيكون الأثر بالغاً. فكك الارتباط بالأذرع سيمنح دول المنطقة فرصة لإعادة بناء توازنات أقل توتراً، شرط ألا يُفسر الانكفاء الإيراني بوصفه هزيمة للقوى المحلية ،، بل إعادة تموضع عقلانية. أما الولايات المتحدة، فستكون قد انتقلت من سياسة الاحتواء والعقاب ،إلى سياسة إدارة التحول، وهي سياسة أقل يقيناً وأكثر تعقيداً.
يبقى السؤال الأهم هو قدرة المجتمع الإيراني على استثمار هذا التحول ( مرة أخرى ان وقع) . فرفع الضغوط الخارجية لا يعني تلقائياً تحسن العقد الاجتماعي. المطلوب إصلاح مؤسساتي، وشفافية ، وتخفيف قبضة الأمن على الحياة العامة، وإعادة الاعتبار للتعليم والإعلام والقطاع الخاص. من دون ذلك، قد تتحول الصفقة إلى فرصة ضائعة، تطيل عمر الأزمة، بدل أن تنهيها، وتؤجل مواجهة الأسئلة الكبرى التي لم يعد ممكناً الهروب منها..
كما أن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة القيادة الإيرانية على طمأنة الجوار الإقليمي عملياً لاخطابياً، وبناء آليات ثقة طويلة المدى، والقبول بقواعد اللعبة الدولية، واحترام سيادة الدول، وتغليب منطق التعاون الاقتصادي على منطق الصراع الأيديولوجي، لأن العالم يتغير بسرعة، ومن يتأخر عن هذا الإيقاع سيدفع ثمناً داخلياً مضاعفاً، وسيجد نفسه أمام مجتمع أكثر قلقاً، وأقل استعداداً لتحمل كلفة المغامرات الخارجية، وأكثر إصراراً على حياة طبيعية ومستقرة. .
ما تقدم يقع ( حتى الان في التنميات) فليس من المؤكد ان يغير النظام الإيراني جلده السياسي بهذه السرعة ، بل سوف يحاول شراء الوقت و جر رجله الثقيلة خطوة بعد أخرى ، ربما بعض التضحيات في النووي ، و لكن ليس البالستسي، و باتاكيد ليس الاذرع او الشرط الرابع الذي اضيف ( قتل المتظاهرين)
لا زال ليدينا عدم يقين في كيفية سير الأمور ، ولكن المؤكد ان زمن استقرار المنطقة لم يحن بعد ! حيث ان درجة فشل المحادثات مرتفعة ، فهناك ضغوط إسرائيلية من جهة على الولايات المتحدة ، وهناك مماطلة إيرانية تقليدية ، والتالي الحرب ليست مستبعدة ، ولكنها ستكون مختلفة في الغالب خاطفة تسخر فها التقنية و المعلومات المخابراتية ، و تهدف الى ما يمكن ان يعرف ب ( انقلاب القصر) أي إزاحة الصقور، و تمكنين الحمائم ، المنتظرين الان في اجنحة النظام .