كيف قراءت السعودية اللحظة الايرانية – النهار الدولي 20 يناير 2026

                كيف قرأت السعودية اللحظة الإيرانية؟

سادت في الخطاب السياسي العربي، لسنوات طويلة، وخاصة بين ( ثوريي المرحلة) كما يحبوا ان يصنفوا انفسهم ،  مقولة مفادها، أن المملكة العربية السعودية  تتحرك ضمن هامش ترسمه واشنطن، وتُستدعى عند الحاجة لتنفيذ سياسات كبرى لا تملك حيالها خيار الرفض. هذه السردية، التي راجت في بعض الأوساط وبِيعَت على جمهور واسع بلا تمحيص، سادت أيام الحرب العربية الباردة . تم  نفي  الفكرة من باحث امركي متخصص هو جريجوري جوس عندما  اصدر كتاب عام 2011  بالانجليزية بعنوان (القوة و الشرعية في الممكلكة العربية السعودية) نفى ذلك الكتاب تلك المقولة، و اعتمد في نفيه على انها  أغفلت حقيقة جوهرية في السياسة الدولية، المصالح ليست ثابتة، والتحالفات ليست عقود إذعان، والدول التي تُحسن إدارة نفسها تعرف متى تقول «نعم» ومتى تقول (لا ) في القضايا الدولية ، من هذا المنظور يمكن فهم الموقف السعودي من القضايا المركزية في العالم و في الشرق الأوسط   ،ومثال على  ذلك فان الدعوات الأميركية المتكررة إلى شن حرب على إيران، ولا سيما في ذروة الاضطرابات الداخلية التي يشهدها المجتمع الإيراني مؤخرا ، وقفت السعودية موقفا ليس سياسيا فقط، بل واخلاقي في معارضة الفكرة .

لو كانت السعودية تتحرك بوصفها تابعًا، كما ادّعى مروّجو تلك الفكرة، وقد تبنتها بعض المنصات التابعة لإيران ،  لكان من المنطقي أن تنخرط في مناخ التصعيد، أو أن تتعامل مع الأزمة الإيرانية باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة رسم التوازنات بالقوة، حيث لم تقصر ايران لسنوات طويلة في زعزعة الامن الإقليمي، تحت شعارات فضفاضة  مثل ( تصدير الثورة و نصرة المستضعفين)  . غير أن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. فقد اختارت الرياض رفض الحرب، لا بدافع التعاطف مع النظام الإيراني، بل انطلاقًا من حسابات الدولة، ومن إدراك عميق لكلفة الصراعات المفتوحة على الإقليم بأكمله.

في هذا السياق، يقدّم للكتاب  الذي سبق ذكره ،  الصادر عن  مطبعة كمبرج ، وقد ترجم لاحقا الى العربية ، يقدم إطارًا تفسيرياً مهمًا، حيث ان الكاتب ينفي القراءة التبسيطية للدولة السعودية . فالكتاب لا ينفي قوة العقلاثة الأميركية – السعودية الوثيقة ، لكنه يفكك الأسطورة التي صوّرت السعودية كدولة منزوعة الإرادة. العلاقة بين الرياض وواشنطن، كما جوس ، كانت دائمًا علاقة مصالح متبادلة، وتفاوض دائم، وتكيّف مع التحولات الدولية، وعندما تتعرض المصالح العربية للخطر تأخذ السعودية موقفا معارضا،  كما حدث في حرب 1973 ،( حرب قطع النفط)  فعلاقة القطبين ليست  أوامر وتنفيذ، بل تفاهم و تفاوض . هذا الفهم يفسّر لماذا لا ترى السعودية نفسها ملزمة بالانسجام التلقائي مع أي خيار عسكري ضد ايران، حين ترى أن نتائجه ستكون كارثية.

رفض الحرب على إيران يعكس إدراكًا سعوديًا لتبدّل موازين القوة ، ولطبيعة المرحلة الدولية. فالعالم لم يعد يُدار بمنطق القطبية الواحدة، والاندفاع العسكري لم يعد أداة ناجعة لتحقيق الاستقرار. التجارب القريبة في المنطقة أظهرت أن إسقاط الدول أسهل بكثير من إعادة بنائها، وأن الفوضى حين تبدأ لا تعترف بالحدود. من هنا، جاء الموقف السعودي مقرونا بموقف خليجي ، بوصفه قرارًا سياديًا يحاول تحييد المنطقة عن صدام جديد يمكن ان يدفع الخليج ثمنه.

لكن هذا الموقف لم يكن سياسيًا صرفًا. فقد حمل بعدًا أخلاقيًا واضحًا، يندر حضوره في لحظات التوتر القصوى. السعودية لم تراهن على انهيار الداخل الإيراني، ولم تستخدم احتجاجات الشارع أداة ضغط أو ورقة تفاوض، فاعتبرت ان ذلك شان داخلي يقرره الشعب الإيراني . واختارت أن تفصل بين الخلاف مع النظام، وبين معاناة المجتمع، وحقه في التعبير عن تلك المعانات ، وهو تمييز دقيق، يعكس فهمًا متقدمًا لمسؤولية الدولة في محيطها الإقليمي. فالدول التي تحترم نفسها لا تبني استراتيجياتها على آلام الآخرين، ولا تعتبر الفوضى مدخلًا لتحقيق المكاسب.

بهذا المعنى، منحت السعودية النظام الإيراني فرصة سياسية وأخلاقية في آن واحد. فرصة لإعادة التفكير في العلاقة مع الجوار التي اربكها النظام الإيراني لفترة طويلة ، ولإدراك أن رفض الحرب لا يعني قبول السلوكيات الساياسات الايرانية القائمة في الجوار ، ولا غضّ الطرف عن التدخل في الشؤون العربية. بل هو رسالة تقول، إن باب التحول الى  الدولة لا يزال مفتوحًا، وهجر أفكار الثورة ، التي لم تاتي الى ايران الا بالخراب.

على مستوى أمن الخليج، كان لهذا الخيار أثر ملموس. فقد أسهم في خفض منسوب التوتر، وابعد الاستقطاب الداخلي ، وحال دون تحويل الممرات البحرية وأسواق الطاقة إلى ساحات مواجهة.

يبقى السؤال موجّهًا إلى طهران، هل تلتقط هذه الإشارة؟ فالأخلاق السياسية التي حكمت الموقف السعودي لا تعني التساهل مع سياسات التمدد أو استخدام الوكلاء لزعزعة الامن وتعطيل التنمية . هي أخلاق منضبطة، ترى أن البراغماتية حين تنفصل عن القيم تتحول إلى براغماتية هدّامة، وتُراكم الأزمات بدل حلّها. التجربة أثبتت أن التدخل في شؤون الدول العربية لم ينتج نفوذًا مستقرًا لإيران، او مكاسب سياسية ، بل نزاعات مفتوحة واستنزافًا طويل الأمد للموارد الإيرانية قبل كل شيء، بدلا من استخدمها في التنمية الداخلية ،حيث المجتمع الإيراني اشد جاجة لها .

الموقف السعودي من إيران يبيّن أن الرياض تتحرك وفق منطق الدولة الحديثة: توازن بين المصالح، ووعي بالكلفة، وحدود أخلاقية لما يمكن فعله حتى في ذروة الخلاف. وقدّمت بذلك فرصة حقيقية لإعادة ضبط السلوك الإقليمي. السؤال ليس لماذا عارضت السعودية الحرب، بل ما إذا كان الطرف الآخر، أي ايران، قادرًا على فهم هذه الرسالة، وتغيير سياساته في المنطقة ، الخطأ الأكبر الذي يمكن ان يقع فيه النظام الإيراني ان يفسر (فترة التأني ) على انه انتصار للسردية الإيرانية ، كما يروج البعض، وبالتالي تستمر في نفس المسار ، وهنا الكارثة !!

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.