الوعي و الوعي المضاد \ النهار الدولي 31 اكتوبر 2023

                                              غزة   الوعي و الوعي المضاد !

مع مرور الأيام و الأسابيع و المعركة في غزة مشتعلة و الضحايا تتساقط تحت وابل من القنابل ، يلحظ المراقب عملية وعي و وعي مضاد حول القضية ، الوعي هو التغير التدريجي في موقف الافراد و المؤسسات و حتى الاعلام في الغرب  بشكل عام من مناصرة لا تقبل أي رأي اخر  دفاعا عن الموقف الإسرائيلي الى تقدير معقول للقضية  الفلسطينية ، وربما في حال إطالة الصراع فان عودة الوعي سوف تتعاظم و تضغط على الجسم السياسي الغربي للنظر بشيء من العقلانية لجذور الصراع، اما الوعي المضاد فهو ما يشيعه البعض من العرب حول الصراع و تنحرف بوصلتهم الى قضايا هامشية و بل مضرة بالقضية .

لقد كانت احداث 7 أكتوبر صدمة في ذهن الساسة الغربين و تقاطروا على إسرائيل لتعزيز موقفها وتبعتهم الشعوب الى حين ، خاصة ان المجتمع الإسرائيلي هو جزئيا غربي ، فكثير من الجنود و المدنيين الإسرائيليين يحلموا جنسيات مزدوجة ، وهذا ما يفسر ان في الاسر اليوم بريطانيين و فرنسين  و امريكان وحتى المان وروس و غيرهم وظهر الامر لأول وهلة للراي العام الغربي ان إسرائيل معتدي عليها و المعتدي هو حماس .

مع مرور الوقت و تقاطع الاخبار و ظهور ردات الفعل الإسرائيلية التي اتجهت الى ( الانتقام) من المدنيين العزل  في هياج هستيري ، حرموا جميعا من المياه و الكهرباء و الغذاء  و الدواء وأخيرا الاتصال  ، بدات صحافة الغرب و الجماعات المدنية بل وحتى بعض السياسيين يراجعون مواقفهم و يتجه بعضهم الى الحديث عن صلب القضية و هي الاحتلال ، حتى وصل الامر ان يصرح الأمين العام للأمم المتحدة ، مع شجبه الواضح لأحداث 7 أكتوبر و لكنه قرن ذلك بجذور المشكلة وهو الاحتلال و الوضع الإنساني المتردي الذي وصلت اليه غالبية الفلسطينيين تحت الاحتلال ، الامر الذي اثار غضب إسرائيل مطالبة باستقالته !

ذلك المشهد يشئ  جزئيا بعودة الوعي  للجمهور الغربي ، حيث تبين الصلف و الاستهتار الإسرائيلي  بكل القيم الإنسانية ، لقد تغير المشهد الغربي بسبب حصول الجمهور العام على معلومات صحيحة عن خلفية المعركة الدائرة من وسائط اعلام محايدة ، حيث يتمتع الغرب بشكل عام بسقف من الحريات تتيح في كثير من الأحيان وصول معلومات ذات صدقية .

على الجانب الاخر هو اتساع لمساحة الوعي الكاذب على الجانب العربي ، مع الأسف ، فقد ترك البعض المعركة المشتعلة ليتشغلوا بالهوامش، وهو امر مدمر  وسلبي حتى للقضية نفسها ، كمثال الحملة التي قامت ضد رئيس الجمهوري المصرية حين قال ما معناه ( على إسرائيل ان ارادت التهجير فالتهجر الى النقب) واضح من ذلك التصريح انه نابع من الغضب و الاشمئزاز لفكرة تهجير الفلسطينيين الى سينا ، و هو قول فيه رمزية لا يمكن تجاهلها !!  لقد حصد ذلك القول التهجم و السباب بما يفوق اي مستوى ، لان تلك العقول تريد ان ( تصطاد في الماء العكر) وتنسى التضحيات الكبرى التي قدمها الشعب المصري  للقضية على مر عقود !

كما ذهب البعض لذم حماس و تقريع طريقتها في المقاومة و لومها على ذلك الدمار ، واقل ما يقال في ذلك التوجه ان ليس وقته الان ، فقد اصبح الوضع هو القضية برمتها و ليس حماس او غيرها من الجماعات النشطة فالمعركة الدائرة تتخطى حماس او أي فصيل اخر ، لقد فرضت القضية برمتها على ساحة النقاش ، ولم تعد احداث 7 أكتوبر الا تفصيلا على هامش القضية المركزية .

لقد تمثل الوعي المضاد بأكثر تجلياته ( من بعض الفلسطينيين و العرب) مع الأسف ، بتحول الغضب الى أماكن أخرى و هي العرب الاخرون ، وعلى رأسهم عرب الخليج في وعي كاذب للنفس و للموضوع ، وقد اخذ عرب الخليج من القذف الحصة الأعلى و خاصة من بعض من منهم في الخارج،  مالكي منصات إعلامية مشبوهة يدغدغون بها مشاعر الناس و يلعنون الاخرين ، وهم على كنباتهم المريحة  ، ظنا انهم يخدموا القضية في الوقت الذي يسيئون اليها بشكل فادح ، فأقوالهم تقع على جمهور قد لا يكون محصن ، فيأخذ موفقا سلبيا من القضية. نشاطهم ذاك بجانب كونه انحراف مرضي  يعبر عن حقد شخصي و امراض نفسية، ترتد على القضية بالسلب .

على مقلب آخر نجد ان بعض القوى الإقليمية تدخل على خط الصراع ليس نصرة لقضية عادلة ، ولكن من اجل الدفع بأجندة هذه الدولة او تلك  لتحقيق مصالحها ، والقضية بالنسبة لها مجرد ( حطب شطرنج) ، كمثل اقتراح  وزير الخارجية الإيراني على منبر الأمم المتحدة بتبادل الاسرى بين حماس و إسرائيل عن طريق طهران !! وليس ايران استثناء، فقد دخلت على الخط أيضا تركيا و روسيا الاتحادية ، و قد يأتي غيرهم ، ومع الأسف كل يريد تحقيق اجندة ليس لها بحقوق الفلسطينيين المشروعة اية صلة  .

نحن اذا امام خلط أوراق في هذه الفترة المظلمة من الصراع في الشرق الأوسط، و لا يعرف كثيرون امام تشوش المدخلات على القضية أي مخرج ممكن  الخروج منه لتحقيق مصالح الشعب الفلسطيني ، فكل يريد ان يتربح على ظهر القضية ، وهي تنزف دماء رجال و مسنين و نساء و أطفال ان لم تقتلهم قنابل الطائرات الإسرائيلية يقتلهم الجوع و العطش و نقص الدواء، فوق ذاك يتم  اختطاف قضيتهم ! وإشاعة وعي كاذب حولها .

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.