كشف العورة!

مجلة المجلة- 01 نوفمبر,2011

في كل القيم الانسانية السامية، إخفاء العورة هو المطلوب والمقبول، أما كشفها فهو من المكروه غير المستساغ.

لا أعرف لماذا يصمم البعض على كشف عورته على الناس. كشف العورة كثيرة مصادره، منها الفحش في الكلام، والقول بما لا نعرف، وفضح أسرار الآخرين من دون يقين، وغيرها كثير.

أما ما أقصده اليوم فإن البعض يصرّ على ان يكشف عورته ويظهر جهله بادعائه انه دكتور يسبق اسمه دالا كبيرة او ( شاعر) فذ، فتجده في المناسبات يدبّج الكلام المصفوف على انه شعر، ثم لا يستحي بل ينشره على الناس في الصحف، ويدفع في تلك الصفحات المليئة بالعيوب اعلانا مدفوعا بالمال، من اجل تهنئة او تعزية او ختان لولد!

لا أعرف كيف يستطيع هذا الشخص او هؤلاء الاشخاص ان يعتبروا انفسهم شعراء، الا يقرأون ما يكتبون، أو أليس بجانبهم شخص ذكي او حتى نصف ذكي يقول لهم (الله يخليك لا تفضحنا واستر عيوبك!) لا تجد من هؤلاء الا اصرارا على انهم شعراء.

ربما لا يعرفون الفرق بين الشعر والنظم. الاخير اي النظم هو وضع كلمات مصفوفة بجانب بعضها، تبدو في الشكل انها شعر، لكن سريعا ما تكتشف فقره في الكلمات وعجزه عن استخدامها جليا في ما ينظم، الى درجة انه يكرر ما يقول بنفس المفردات.

أما الشعر فهو شيء آخر تماما. الشعر فيه من العذوبة ما يلفت النظر ويستهوي الأفئدة، وفيه من المعاني ما يخلد ذكره بين الناس، وفيه من السهولة الممتنعة ما يطيب للمتذوق ترديده.

شعراء النظم لا يستطيعون ذلك، بل هم في غيّهم يعتبرون انفسهم شعراء، ثم يسوقون الكلم على انه درر، لا يوجد مثيل لها، كما يسوقونها مع بعض المغنين والمغنيات حتى تفسد الذائقة الشعرية لدى الناس، عامتهم وخاصتهم.

لا اعرف كيف يمكن أن لا يقال لمثل هؤلاء من فضلكم أفيدونا بسكوتكم، لأن ما تقولونه يحرج الجميع ويوصف على انه عورة حقيقية تستحق الستر.

بسبب انتشار وسائل الاعلام الكثيرة، فإن البعض ممن وصفناهم يلجؤون الى النشر بسب ما يمتلكونه من مال، ويبدو ان المال العربي أبى الا ان يكون له نصيب في تخريب الذائقة الادبية كما له نصيب في تخريب البناء السياسي والاجتماعي. واذا كان الاول له ضرر فإن الاخرين لهم ضرر ايضا.

بسبب امتناع النقاد عن الحديث في هذا الامر، استمرأ البعض السكوت عن النقد كي يتحفنا بأبيات فجة، وكلمات رديئة، ومعاني خاوية، يسميها شعرا، ويسمي نفسه الشاعر وقد يضيف (الكبير) ايضا على اللقب الذي أسبغه على نفسه.

ان هذا المتشاعر – إن صح التعبير – ظاهرة من المظاهر المرضية في ساحتنا الفكرية، يدخلها الهواة ومحبي الظهور من اجل اكمال المظاهر الاجتماعية.

هي بالضبط مثلها مثل (الحصول على الشهادات العليا) التي يتسابق عليها البعض، من دون محتوى ومن دون قصد، الا إكمال المظهر الاجتماعي، ويحضرني هنا ان بعض الجامعات الكبرى (والصغرى) بسبب تنمية الدخل عندها، تقدم مثل هذه الشهادات لمن لا يستحقها علميا، كما فعلت احدى جامعات لندن العريقة بمنح ابن القذافي سيف الاسلام درجة الدكتوراه، ثم تبيّن ان افضل ما يستطيع عمله هو قتل شعبه!

إنها مجموعة من العورات يصرّ البعض على ان يعلنها جهارا نهارا على الملأ، وهي احدى سلبيات ثقافتنا العربية المعاصرة والتي لا اعتقد ان لها سوابق في تاريخنا، الا ان المهم في الامر – ومع انتشار الثقافة – أن كثيرين يستهجنون هذه الدكترة وتلك المشعرة، الا ان فاعليها لا يسمعون اللغط خلف ظهورهم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.