خديعة‮ “‬تشامبرلين‮”:| الهواجس الخليجية من‮ “‬تفاهم‮” ‬نووي إيراني-أمريكي

“‬إن أسوأ الأمكنة في الجحيم سوف تكون من نصيب هؤلاء الذين يقفون على الحياد، ساعة الأزمة الأخلاقية‮”‬  دانتي،‮ “‬الجحيم‮”‬في كتابه الشهير‮ “‬البحث عن الذات‮”‬، يؤكد الرئيس المصري الراحل، محمد أنور السادات، أن أحد أهم دوافع ذهابه إلى الكنيست الإسرائيلي في تلك الزيارة الشهيرة،‮ ‬التي تمت يوم‮ ‬19‮ ‬نوفمبر‮ ‬1977،‮ ‬أنه تأكد أن لدي إسرائيل مخزونا من القنابل الذرية‮.‬ ‮ ‬كان السادات يشير بذلك إلى أن الصراع العسكري مع إسرائيل لن يأتي بثماره المرجوة، مهما احتدم، حيث بات بمقدور طرف، في حال الوصول إلى مرحلة الحفاظ على النفس، أن يستخدم ضد خصومه سلاحا لا قبل لهم به‮. “‬فكرة‮” ‬السلاح النووي الإيراني إنتاج آخر للمعادلة ذاتها في سياق مغاير، فهي حققت لإيران ما كانت تسعي إليه، وهو الاعتراف الدولي بوجود‮ (‬الجمهورية الإيرانية الإسلامية‮). ‬كان قد استقر في النفس الإيرانية الجمعية دلالات سلبية تجاه‮ “‬الآخر‮” ‬الغربي جراء ما لاقاه الشعب الإيراني في عام‮ ‬1951،‮ ‬إثر تدخل القوي الغربية الكبري لإجهاض محاولة محمد مصدق، رئيس وزراء إيران آنذاك، تعزيز استقلال إيران السياسي والاقتصادي عن طريق تأميم النفط الإيراني‮.‬ في ذلك الحين،‮ ‬تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من أجل ترتيب انقلاب على مصدق،‮ ‬وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي،‮ ‬بعد أن كان قد هرب من البلاد،‮ ‬إثر احتدام الصراع بينه وبين رئيس الوزراء واسع الشعبية في أغسطس‮ ‬‭.‬1953‮ ‬هذا الموقف التاريخي خلق حالة من اللوم الشامل لدي الرأي العام الإيراني، الذي رأي أن من مكن نظام الشاه على مقدرات الشعب الإيراني ورقابه كل تلك السنين هي القوي الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية‮. ‬ومع التغيير السياسي الثوري الذي شهدته إيران عام‮ ‬1979،‮ ‬نمت حالة من الشك الدائم تصل إلى القلق المرضي، داخل أجنحة السلطة الحاكمة في طهران، من أن مؤامرة ما تحاك، في الخارج، ضد بقاء النظام‮ (‬الإسلامي‮) ‬في إيران‮. ‬الاتفاق النووي الأخير الذي وقعته إيران مع القوي الدولية الكبري،‮ ‬ممثلة في مجموعة‮ “‬5‮+‬1‮” ‬في‮ ‬24‮ ‬نوفمبر الماضي، في جنيف، ثبت الاعتراف الدولي بالسلطة القائمة في طهران، لتحقق بذلك تهديدات إيران‮ “‬المبطنة‮” ‬التي كان يلوح بها‮ -‬وتسرب‮- ‬عن قرب حصول طهران على‮ (‬القنبلة‮) ‬المراد، كما حققت‮ (‬قنبلة‮) ‬إسرائيل قبلها الأهداف السياسية للدولة الصهيونية‮.‬ أولا‮-‬ الاتفاق‮ .. ‬لماذا تم؟ أحسب أن تفاصيل الاتفاق “الإيراني-الأمريكي‮”‬،‮ ‬في الأساس، لم تظهر كلها إلى العلن، بل ربما هناك بعض‮ (‬التفاهمات‮) ‬التي سوف نراها تظهر تباعا‮. ‬لكن، أيا ما كان‮ ‬غير المعلن، فإن‮ “‬الصفقة‮”‬، وهو أكثر التعبيرات التصاقا بما تم، كانت تمثل حاجة لكل الأطراف‮. ‬وتكشف الحقائق التي ظهرت حتي الآن عن أن هناك أبوابا خلفية كانت مفتوحة للتفاوض أساسا بين إيران والولايات المتحدة‮. ‬ما كان يحدث في جنيف أمام العالم والصحفيين كان فقط‮ “‬الرتوش‮” ‬التي تحسن الصورة، ولكنه لم يكن أبدا عملية رسمها‮. ‬كانت الولايات المتحدة وإيران في شوق لبعضهما بعضا، حتي إنني قلت لصديق إيراني شغل منصبا رفيعا في الإدارة الحكومية الإيرانية‮:‬ ‮”‬إني أصف العلاقة الإيرانية‮ – ‬الأمريكية بـ‮ (‬كره المحبين‮)”‬، فرد بسرعة‮: “‬هذا توصيف حقيقي لما هو حاصل‮”.‬ الموقف الإيراني المعادي للولايات المتحدة،‮ ‬عبر فترة ممتدة، هو موقف يعرفه أهل علم النفس السياسي بأنه‮ (‬كره المحب‮)‬،‮ ‬لا‮ (‬كره المبغض‮). ‬ويمكن لأي مدقق أن يكتشف أن الشعب الإيراني لديه توق تاريخي للتقرب من الغرب، خاصة الولايات المتحدة‮. ‬ولعل أحد أمثلة ذلك قيام السيد عطاء الله مهاجراني، وكان مساعدا متقدما للرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، ثم أصبح وزيرا للثقافة في حقبة محمد خاتمي، بنشر مقاله، في إحدي كبريات الصحف الإيرانية، في عام‮ ‬1994،‮ ‬يطالب بفتح الحوار مع الولايات المتحدة، فانهالت عليه الاتهامات، بل وسيرت ضده المظاهرات وقتها، ولكن أيضا تم الاعتذار منه من النخبة الحاكمة‮ – ‬خامنئي نفسه‮ – ‬ولكن على المستوي الشخصي وليس في العلن‮. ‬وفي ذلك دليل، من أدلة‮ ‬غير قليلة، على فكرة‮ “‬كره المحب‮”. ‬وبعد عشرين عاما،‮ ‬تمت الاستجابة العلنية لمطالب مهاجراني وغيره، دون كثير ضجة،‮ ‬أو تسيير مظاهرات طلابية، بل باحتفاء شعبي مؤيد للصفقة‮. ‬وتقدم النخبة الحاكمة في إيران مشروع الصفقة الجديدة على أنها انتصار لسياساتها، وقد لا يجانبها الصواب‮. ‬يبقي أن نتوقع أن تظهر شروط الصفقة التفصيلية في القريب‮(‬1). إيران بجانب توقها إلى الاعتراف الدولي ترغب أيضا في أن تكون دولة‮ (‬غير منبوذة‮)‬، وهنا يتداخل عدد من العوامل، أسميها‮ “‬عوامل الدفع‮”. ‬لا شك في أن العامل الاقتصادي واحد منها، فالحصار‮ “‬الدولي‮” -‬على الرغم من اختراقه‮- ‬يضغط على الاقتصاد الإيراني بشكل كبير، حيث انفلت التضخم، وازدهرت السوق السوداء للعملة الصعبة، وتراجعت قيمة العملة الإيرانية بشكل مدو، وزادت نسبة البطالة، وظهرت مجموعة من السلوكيات الاجتماعية السلبية إزاء هذا الوضع الاقتصادي المتدهور، مما هدد بإمكانية تآكل صدقية الجمهورية الإسلامية‮. ‬وفي هذا السياق،‮ ‬أصيبت الصناعة عامة بالشلل، وتراجعت الصناعة النفطية الإيرانية بشكل واضح، وهي التي تضخ الأموال في الاقتصاد الإيراني‮.‬ إلى ذلك،‮ ‬نظر البعض إلى مرحلة الرئيس الأمريكي،‮ ‬باراك أوباما،‮ ‬على أنها فرصة لن تتكرر لحصول إيران على نافذه للتواصل مع الولايات المتحدة والغرب، وهي فكرة قال بها المرشد الأعلى على خامنئي نفسه‮. ‬تضافر بالتالي عدد من المعطيات لتشكل حزمة اقتصادية‮ – ‬سياسية‮ – ‬ثقافية جعلت‮ (‬المرشد‮) ‬الإيراني، وهو القوة الحقيقية في الجمهورية الإسلامية، يسمح بفتح الطريق للتفاوض‮.‬ على الجانب الأمريكي،‮ ‬نلاحظ حزمة أخري من‮ “‬عوامل الدفع‮” ‬ذات الطبيعة السياسية،‮ ‬والاقتصادية،‮ ‬والثقافية، جعلت إدارة أوباما تقوم باقتحام الطريق، حتي لو كان مليئا بالمطبات والاعتراضات‮. ‬وتبرز، في هذا السياق، الأزمة المالية التي واجهت إدارة أوباما منذ مجيئها إلى السلطة عام‮ ‬2008،‮ ‬وهي أزمة عميقة طاحنة‮.‬ وهناك الوعد الأوبامي‮ (‬الديمقراطي‮) ‬بتخليص الولايات المتحدة من الحروب الخارجية‮ -‬العراق أولا، ثم أفغانستان‮- ‬وصون‮ “‬الدم الأمريكي‮” ‬من النزف في مغامرات عسكرية‮. ‬عزز من هذا التوجه الاكتشافات النفطية في جنوب داكوتا‮ (‬التي سميت بالكويت الجديدة‮)‬، مما أدي إلى خفض جزئي لدوافع التدخل خارجيا‮. ‬بعبارة أخري، فإن الولايات المتحدة أصيبت بـ‮ “‬الإعياء‮” ‬والتعب،‮ ‬جراء حروب العشرية الأولي من القرن الحادي والعشرين، فابتدعت إدارة أوباما استبدال القوة‮ “‬الذكية‮”‬، أي دبلوماسية الإنترنت والفيسبوك وتويتر، بـ‮ “‬القوة الخشنة‮”‬، أي العسكرية‮.‬ يضاف إلى ذلك أن حلفاء الولايات المتحدة الأساسيين حذوا حذوها في تخفيض الإنفاق العسكري‮. ‬وتجلت تأثيرات هذه العوامل جميعا في الموقف الأمريكي‮ – ‬الأوروبي تجاه استخدام النظام السوري الأسلحة الكيميائية ضد شعبه‮. ‬فبعد التهديد باستخدام القوة ضد نظام بشار الأسد، صوت البرلمان البريطاني ضد أي إجراء في ذلك الاتجاه‮. ‬وكانت تلك أول مرة منذ أكثر من قرن يخفق فيها البرلمان البريطاني في الإسراع لنصرة الولايات المتحدة‮.‬ تلاقت حزمتا العوامل‮ “‬الدافعة‮” ‬الإيرانية والأمريكية لتصلا بالطرفين إلى‮ (‬صفقة‮) ‬تستهدف تقليل حدة الصراع،‮ ‬وتخفض إمكانية الصدام‮. ‬في هذا الإطار،‮ ‬يمكن فهم المحاولات الجادة من الجانبين لبناء‮ (‬زخم إيجابي‮) ‬حول الصفقة، من خلال الترويج لها سياسيا، فضلا عن خوض معركة إعلامية ودبلوماسية لتهدئة المعترضين‮.‬ ثانيا‮-‬ المعارضون للاتفاق‮:‬ تحمل هذه الصفقة في ثناياها وسياقاتها عوامل نجاحها، كما تحمل، في الوقت ذاته، عوامل إخفاقها‮. ‬ولتوضيح ذلك، نلاحظ بداية أن الصفقة ذات صفة زمنية مؤقتة‮ – ‬ستة أشهر‮ – ‬وذلك بهدف اختبار النوايا‮.‬ ومع قصر تلك الفترة النسبي،‮ ‬فإن الصفقة تقع في‮ “‬مرمي نيران صديقة‮” ‬إيرانية وغربية على السواء‮. ‬وبالتالي،‮ ‬فإن أفق الصفقة لا يبدو أنه سيكون يسيرا‮. ‬إلا أنه بقدر ما تهدد‮ “‬النيران الصديقة‮” ‬الصفقة، فإنها أيضا كانت مبررا للإسراع بتوقيعها في اليوم المائة لانتخاب الرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني، في إشارة معنوية لا تخطئها العين‮. ‬لقد كان المفاوض الإيراني يعيد ويكرر على مسامع نظرائه الغربيين‮: “‬أن عجلوا باتفاق، لأن هناك قوي داخل الجمهورية الإيرانية لا تحبذ هذا المسار‮.‬ وكلما تأخرتم في إبرام‮ (‬صفقة‮)‬،‮ ‬قويت المعارضة ضدها في الداخل،‮ ‬وربما أفشلتها‮”. ‬استند حرص المفاوض الإيراني على الإسراع بإنجاز صفقة إلى شعور إدارة روحاني بأن المرشد، صاحب القوة الحقيقية والمطلقة في نظام البلاد السياسي، هو،‮ ‬في التحليل الأخير، رجل سياسة‮.‬ فإن فشل التوصل إلى الاتفاق،‮ ‬وضع هذا الفشل على كاهل‮ “‬مجموعة روحاني‮”‬، وربما تسبب هذا على الأقل في تنظيم انتخابات مبكرة تطيح بكل‮ “‬المعتدلين‮”.‬ وإن نجحت المفاوضات، تحسب لصالحه‮.‬ وهناك بالفعل معارضة حقيقية لأي اتفاق من أي نوع من قبل القوي الإيرانية المستفيدة من الوضع القائم، خاصة قيادة‮ “‬الحرس الثوري‮” ‬الذي يسيطر على قطاع اقتصادي مهم في إيران، والذي يريد أيضا الحفاظ على مصالح له في كل من العراق،‮ ‬وسوريا،‮ ‬ولبنان،‮ ‬ودول الخليج‮. ‬تري قيادة هذا الجناح أن أي تقارب مع الغرب ربما يقلص نفوذها في المستقبل، ويحجم من قدرتها على إشباع شهيتها في المال والسلطة، تحت شعار‮ “‬محاربة الأعداء‮”. ‬وقد شهدنا‮ “‬مماحكات‮” ‬أثناء سير المفاوضات، تراوحت فيها مواقف المرشد خامنئي بين القول إن المفاوضين هم أبناء الثورة، للتقليل من تأثير انتقادات المعارضين، إن كانت الأمور تسير باتجاه وفاق، وبين وضع‮ “‬خطوط حمر‮” ‬أمام المفاوضات،‮ ‬إن بدأت الأمور تتعثر‮.‬ ومن المتوقع استمرار المماحكات في الداخل الإيراني، خاصة إذا لم تظهر نتائج إيجابية للاتفاق سريعا فيما يتعلق بأحوال الشعب الإيراني‮. ‬من هنا،‮ ‬يمكن أن يخلص المرء إلى أن الصفقة بين الطرفين هي صفقة‮ “‬الاستعجال والسرية‮” ‬من أجل إظهار نتائج إيجابية‮. ‬بدا ذلك جليا في سرعة الإفراج عن بعض المال الإيراني المصادر في الغرب، وسرعة دعوة إيران لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتفتيش على بعض منشآت البلاد النووية‮(‬2). إلى ذلك، اندلع لغط بين مسئولين إيرانيين ومسئولين‮ ‬غربيين بعد توقيع الاتفاق مباشرة، مما يدل على وجود قراءتين‮ -‬علنيتين على الأقل‮- ‬لبنود الاتفاق‮. ‬فقد أعلن الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، على شمخاني، أن الاتفاق يحتاج إلى توضيح(3). كما صرحت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الإيرانية، مرضية أفخم، بأن‮ “‬ما نشره البيت الأبيض عبر موقعه الإلكتروني،‮ ‬تحت عنوان‮ (‬بيان صحفي‮) ‬عن اتفاق جنيف، يمثل تفسيرا أحاديا للنص، وأن بعض الإيضاحات والمصطلحات الواردة في إعلان البيت الأبيض يتناقض مع نص الاتفاق‮”(4). البيت الأبيض، بدوره، حاول تقديم قراءة مغايرة للقراءة الإيرانية‮ “‬المعلنة‮”‬، ربما من أجل إرضاء‮ “‬الصقور‮” ‬في الكونجرس الأمريكي، والولايات المتحدة على بوابة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس‮. ‬هناك بين أعضاء الكونجرس‮ -‬من الديمقراطيين والجمهوريين على السواء‮- ‬من يري أن الصفقة تصب في مصلحة إيران على حساب المصالح الأمريكية الغربية‮. ‬وتشكلت قوة معارضة في الكونجرس، ليست بعيدة عن اللوبي الإسرائيلي، من أجل فحص الاتفاق فحصا دقيقا،‮ ‬استعدادا للنظر في تفاصيل المفاوضات اللاحقة لهذا الاتقاق المبدئي‮.‬ من جانب آخر،‮ ‬فإن إسرائيل أكثر من متخوفة من هذا الاتفاق‮. ‬وإثر علمه من أوباما بأن هناك مفاوضات مع إيران، حذر رئيس وزرائها،‮ ‬بنيامين نتنياهو،‮ ‬في جلسة للكونجرس الأمريكي،‮ ‬من الذهاب خلف حسن روحاني،‮ ‬لأنه‮ “‬ذئب في ثوب حمل‮”! ‬كما انتقد نتنياهو الاتفاق أكثر من مرة، بعد الكشف عنه، وتقريبا بالكلمات ذاتها‮: “‬إنه اتفاق‮ ‬غير تاريخي‮”‬، ويعرض أمن إسرائيل إلى الخطر‮. ‬ويعد ذلك جزءا من حملة إسرائيلية بدأت في سبتمبر‮ ‬2013‮ ‬في الأمم المتحدة، أثناء سير المفاوضات، مرورا بمحادثات نتنياهو مع القيادة الروسية،‮ ‬وانتهاء بإرسال كبير مستشاريه إلى واشنطن للنظر في التفاصيل‮ ‬غير المعلنة للصفقة‮. ‬لقد تجاهلت إسرائيل الكلمات المعسولة التي وجهها وزير الخارجية الإيراني،‮ ‬محمد جواد ظريف، تهنئة بمناسبة السنة اليهودية الجديدة في سبتمبر الماضي، كما تجاهلت تصريحه على تويتر،‮ ‬الذي استنكر فيه ما ذهب إليه الرئيس السابق،‮ ‬محمود أحمدي نجاد،‮ ‬من نفي قاطع لوقوع المحرقة النازية ضد اليهود‮! ‬تلك الرسائل لم تجد لإعطاء الدولة الإسرائيلية بعض التطمينات‮.‬ ثالثا‮-‬ الخليج والعرب والصفقة‮ .. “‬إملاء ميونيخ الجديد‮”!!‬ يعرف التاريخ الأوروبي الحديث‮ “‬خدعة‮” ‬تسمي‮ “‬معاهدة ميونيخ‮” -‬أو‮ “‬إملاء ميونيخ‮” -‬كما يحلو للتشيك والسلوفاك تسمية المعاهدة التي‮ ‬غابوا عنها‮. ‬المعاهدة المشار إليها هي اتفاقية وقعت في ميونيخ في‮ ‬30‮ ‬سبتمبر‮ ‬1939‮ ‬بين ألمانيا النازية، وبريطانيا، وفرنسا وإيطاليا، قبلت فيها القوي العظمي، آنذاك، بأطماع أدولف هتلر التوسعية في أوروبا‮. ‬وكانت نتيجة هذة المعاهدة تقسيم تشيكوسلوفاكيا بين كل من ألمانيا، وبولندا،‮ ‬والمجر‮.‬ وتذرع أدولف هتلر بحجة أن‮ “‬ألمان‮” ‬يمثلون أغلبية سكان المناطق الحدودية الفاصلة بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا في منطقة السوديت‮ (“‬سوديتنلاند‮” ‬بالألمانية‮ ‬”Sudetenland”، و”سودتي‮” ‬بالتشيكية‮ ‬”Sudety”‮) ‬على وجه التحديد‮. ‬وسمح لهتلر بأن يقضم بعض ما يريد، فلم يشبعه ذلك،‮ ‬بل فتح شهيته‮. ‬بعض المراقبين في الخليج العربي يتخوفون من أن تؤدي الصفقة الأمريكية-الإيرانية إلى أن تشهد المنطقة تكرار نتيجة مماثلة لما رتبه‮ “‬إملاء ميونخ‮”. ‬وفي ذلك الحين، عاد رئيس الوزراء البريطاني، نيفل تشامبرلين، رافعا قبعته يفخر بأنه حقق انتصارا لمنع الحرب في أوروبا‮.‬ إلا أنه من تصاريف القدر، كانت تلك المعاهدة أحد أسباب قيام الحرب العالمية الثانية التي حصدت أرواح الملايين‮(‬‮5).‬ودخل تشامبرلين تاريخ أوروبا الحديث على أنه‮ “‬المغفل‮” ‬الذي خدع‮.‬ إذا كان الغرب، ربما أيضا خوفا على إسرائيل، أراد أن يضع حدا لقدرة إيران على التسلح النووي، فإن أولويات الخليجيين مختلفة‮. ‬ينبع الاختلاف من حقيقة أن خبرة السلاح النووي أثبتت وجود تقييد ذاتي على القابلية للاستخدام، لأن‮ “‬مصائب‮” ‬هذا السلاح‮ – ‬إذا استخدم‮ – ‬سوف تحصد الأخضر واليابس‮. ‬في المقابل، ينبع الخوف الخليجي من عدد من المصادر،‮ ‬يمكن إجمالها فيما يلي‮:‬ ‮- ‬الخوف البيئي، وقد كُتب في هذا الموضوع كثيرا، ومن ضمن ما كتب مقال نشره كاتب هذا المقال في جريدة‮ “‬الشرق الأوسط‮” ‬بتاريخ‮ ‬2‮ ‬نوفمبر‮ ‬2013،‮ ‬جاء فيه‮: “‬واضح من توجهات السياسة الأمريكية تجاه الخليج والمنطقة أنها أولا تتجاهل الشعور العميق بالخطر الذي يسري بين المواطنين، ليس فقط من جراء السلاح النووي،‮ ‬وهو خطير للغاية، ولكن أيضا من جراء التهديد والهيمنة من جهة، وجراء أضرار بيئية قد تحدثها الصدفة البحتة، من جهة أخري‮. ‬ثانيا‮:‬ أنها ولدت لدي البعض منا رغبة في تفسير تحولاتها بشكل مبسط، فيفسر الموقف الانسحابي الأمريكي على أنه نتيجة سياسة السيد باراك أوباما‮.‬ ولكن الحصيف عليه أن يضع في الحسبان أنها سياسة الولايات المتحدة، التي مع مرور الأيام سوف تتجذر، بصرف النظر عن ساكن البيت الأبيض‮”(‬6). ‬وما هي إلا أسابيع حتي نقلت لنا الأخبار، في‮ ‬29‮ ‬نوفمبر‮ ‬2013،‮ ‬أن هزة أرضية بقوة‮ ‬5‭.‬7‮ ‬على مقياس ريختر قد ضربت إيران قرب المفاعل النووي في بوشهر، وهو الأقرب إلى الخليج منه حتي إلى طهران‮. ‬مثل هذا ما يتخوف منه مواطنو الخليج العربي، حيث إنه‮ -‬على سبيل المثال‮- ‬في حالة تلوث مياه الخليج التي تشرب منها‮ ‬غالبية المواطنين‮ -‬عن طريق التحلية‮- ‬فإن كارثة إنسانية سوف تحدث،‮ ‬يكون ضحيتها أولا أبناء دول الخليج العربي‮.‬ ‮- ‬نفوذ إيران الذي أصبح واضحا وجليا في محيط منطقة الخليج العربي وجوارها المباشر في كل من العراق،‮ ‬وسوريا،‮ ‬ولبنان،‮ ‬واليمن‮. ‬وفي العراق،‮ ‬بات النفوذ الإيراني، من منظور‮ “‬طائفي‮”‬، هو الذي يتحكم في مفاصل الكثير من القوي السياسية الشيعية‮. ‬بل إن الحكومة المركزية العراقية تطلب رضا طهران عن كل خطوة تخطوها، فضلا عن الامتثال شبه المطلق لرغبات إيران السياسية، واستخدام العراق كممر آمن للتدخل الإيراني في كل من سوريا،‮ ‬ولبنان‮.‬ كما بات نفوذ إيران في سوريا معترفا به، بل ومقبولا من قبل دول كبري، بدليل ضغط بعض هذه الدول سياسيا من أجل أن يكون لإيران مقعد في المفاوضات القادمة حول المسألة السورية في جنيف‮. ‬ويأتي هذا الضغط لتمرير مشاركة إيران،‮ ‬على الرغم من إمدادها نظام الأسد بالمال،‮ ‬والرجال،‮ ‬والتأييد السياسي والإعلامي، أي على الرغم من كون إيران تعد جزءا من المشكلة، وهذا يقلق دول الخليج على نتائج المفاوضات حول المسألة السورية‮.‬ وفي لبنان، فإن نفوذ إيران كشف عنه صراحة الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الذي قال أكثر من مرة إنه يتبع أوامر‮ “‬ولاية الفقيه‮”. ‬وقد أضحي سمة مميزة للنظام السياسي اللبناني تهميش منظم يمارسه حزب الله، بقوة السلاح والمال القادم من إيران، إزاء كل الفرقاء اللبنانيين الآخرين، بل ووضعهم أمام خيار صعب‮: ‬إما الطاعة،‮ ‬أو التصفية السياسية،‮ ‬أو حتي الجسدية‮. ‬جراء ذلك،‮ ‬باتت الدولة اللبنانية رهينة الحزب، تعاني كل أعراض الدولة الفاشلة، ولتكون بالتالي رهينة طهران دون منازع‮.‬ وفي اليمن، خاصرة الجزيرة العربية، تساعد إيران الحوثيين في شماله بالمال،‮ ‬والسلاح،‮ ‬والتدريب، وقد تم القبض على سفينة سلاح قادمة للحوثيين، قبل أشهر من طهران، وعرضت تلك الأسلحة على وسائل الإعلام الدولية كدليل دامغ‮ ‬على تورط إيران في الشأن اليمني المحلي‮. ‬ويتردد صدي الخلل الأمني في اليمن مباشرة لدي الدولة الكبري في الخليج، المملكة العربية السعودية‮.‬ ‮- ‬يتخوف الخليجيون أيضا من تدخل إيران في شئونهم الداخلية، من خلال محاولتها ممارسة نفوذ على بعض القطاعات الشعبية‮ -‬كالشيعة الموالين لإيران‮- ‬من أبناء الوطن الخليجي، سواء في البحرين، النموذج الأوضح، أو في جيوب أخري، بعضها بارز،‮ ‬وبعضها خفي‮. ‬وتتدخل إيران من خلال تشجيع عناصر حزب الله‮ -‬أيضا‮ -‬اللبنانيين أو الخليجيين‮.‬ وقد تحدث، أخيرا، أمين عام حزب الله اللبناني،‮ ‬حسن نصر الله،‮ ‬بما يكشف عن حجم التدخل في الشأن الخليجي الداخلي‮. ‬وفيما يلي،‮ ‬أنقل بالحرف ما نشرته جريدة‮ “‬الأخبار‮” ‬اللبنانية المقربة من حزب الله عن لقاء جمع نصرالله، ومساعد وزير الخارجية الإيراني،‮ ‬حسين أمير عبد اللهيان، وهو كما يبدو رجل المهمات الصعبة في الدبلوماسية الإيرانية، والسفير الإيراني في لبنان،‮ ‬غضنفر ركن آبادي،‮ ‬والقائم بالأعمال،‮ ‬محمد صادق الفضلي‮.‬ تقول‮ “‬الأخبار‮”: “‬تطرق الحديث إلى الملفات الإقليمية، وخصوصا الوضع في سوريا‮. ‬ونصح نصرالله عبداللهيان بألا يعمد الإيرانيون إلى الاستجابة لطلب المنامة إرسال سفير إلى البحرين‮”. ‬وتتابع‮ “‬الأخبار‮” ‬النقل عن لسان نصر الله‮: “‬الوقت‮ ‬غير مناسب بالتوقيت الإيراني‮. ‬ففي طهران حكومة جديدة، إصلاحية في بنيتها، سبق أن أعادت خطوط الطيران بين الجانبين‮.‬ وإعادة السفير الإيراني إلى المنامة في ظل حكومة من هذا النوع في طهران ستعني انفتاحا مفاجئا،‮ ‬وبلا ثمن، وستنعكس بنحو سلبي جدا على وضع المعارضة في البحرين‮”(7). ‬يبرز هذا النص العلاقة المتشابكة بين بعض القوي والتكوينات الخليجية من جانب، وحزب الله اللبناني وإيران من جانب آخر، وهو تدخل مباشر، بجانب ما يشاع عن تدريب ومساندة إعلامية‮.‬ ‮- ‬كثيرا ما‮ ‬يكشف الموقف الإيراني عن أطماع الهيمنة الإقليمية‮. ‬وفي هذا الإطار،‮ ‬يري كاتب المقال أن مقالا مهما نشره وزير خارجية إيران‮ “‬الإصلاحي‮”‬، محمد جواد ظريف، في جريدة الشرق الأوسط،‮ ‬يوم الخميس‮ ‬21‮ ‬نوفمبر‮ ‬2013‮(‬8‮)‬،‮ ‬يعد‮ “‬مفتاحا‮” ‬مبكرا كاشفا للتصور الإيراني عن كيفية تأسيس هيمنتها على الخليج‮. ‬يري ظريف في هذا المقال المنشور قبيل اتفاق‮ “‬الصفقة‮”‬، بثلاثة أيام، أن‮ “‬اللعبة الصفرية‮” ‬لم تعد قائمة في العلاقات الدولية،‮ ‬وأن‮ “‬إخواننا في دول الجوار‮ -‬يعني أهل الخليج‮- ‬متخوفون من أن الانفتاح الإيراني‮ – ‬الأمريكي قد يتم على حساب مصالحهم‮”. ‬ويضيف ظريف‮ “‬نحن نعلم أنه لا يمكن أن نعزز مصالحنا على حساب الآخرين‮”‬، موضحا بقوله‮ “‬في عالمنا المتداخل، يرتبط مصير أية أمة بشكل وثيق بمصير الأمم التي تجاورها‮”. ‬ثم يعدد المقال ثلاث نقاط رئيسية من أجل بناء علاقة وثيقة مع الخليج،‮ ‬هي‮: ‬إخلاء الخليج من القوي الأجنبية،‮ ‬وإقامة منظومة إقليمية بين الدول الست‮ (‬دول مجلس التعاون،‮ ‬إضافة إلى إيران،‮ ‬والعراق‮)‬،‮ ‬وأخيرا تخفيض وتيرة التوتر الطائفي‮.‬ على الرغم من الكلام الدبلوماسي الرقيق في المقال، فإن بعض المعلقين العرب أجملوا رؤيتهم بأن هذا الخطاب هو بمثابة‮ “‬تنويم مغناطيسي‮” ‬للجيران‮ ! ‬فكيف له أن يقترح‮ “‬منظومة خليجية‮” ‬بعيدة عن العمق العربي أولا، ومعزولة دوليا في عالم يعج بعناصر العولمة ثانيا‮.‬ رابعا‮-‬ استثمار المخاوف‮:‬ ‮”‬يتواطئ‮” ‬كلا الطرفين الإيراني،‮ ‬والأمريكي‮ – ‬الغربي على كتمان تفاصيل الصفقة، كما يحاول كلاهما تقديم بعض الإشارات إلى أنه هو الرابح، مع إتاحة هامش ربح للطرف الآخر‮. ‬بعبارة أخري، نحن أمام محاولة من قبل الطرفين لاختلاق معادلة‮ “‬ربح-ربح‮”. ‬ويبذل الإيرانيون جهودا لترويج مقولة إن‮ “‬إرهاب‮” ‬الشرق الأوسط مصدره أهل السنة، وإن الرايات‮ “‬السود‮” ‬هي التي تثير الاضطراب في المنطقة في كل من العراق،‮ ‬وسوريا، وحتي في‮ ‬غزة‮. ‬ويبرز الخطاب الإيراني،‮ ‬في المقابل، مقولة إن القوي الموالية لطهران، مثل‮ “‬حزب الله‮” ‬اللبناني‮-‬ حتي إن اتُهمت في وقت ما بالإرهاب‮-‬ مرتبطة بسلاسل ثقيلة من التحكم الإيراني، ويمكن فك ارتباطها بالإرهاب، وضمان ألا تنقض على المصالح الغربية‮. ‬ظهرت مؤشرات من ذلك في أن‮ “‬حزب الله‮” ‬يتحدث مع الأمريكيين خلف أبواب مغلقة‮.‬ الطبيعة الإيرانية التي تحبذ‮ “‬التقية‮” ‬كانت حريصة على ألا يقوم‮ “‬إيراني‮” ‬بأي عمل‮ “‬إرهابي‮”. ‬وكانت طهران تحقق أهدافها من خلال‮ “‬العنصر العربي الشيعي‮”‬، وقد آن الأوان لأن تتهم‮ “‬العرب السنة‮” ‬بأنهم كل المشكلة،‮ ‬وليسوا جزءا منها، في الوقت الذي تري فيه بعض دوائر السياسة الغربية‮ – ‬الأمريكية أن‮ “‬الإرهاب‮” ‬صناعة سنية، عطفا على تأثيرات الحادي عشر من سبتمبر‮ ‬2001،‮ ‬وما لاقته القوات الغربية بعد ذلك في كل من العراق،‮ ‬وأفغانستان‮. ‬من هنا، فإن إيران تحاول استثمار تلك المخاوف للوصول إلى صفقة ما مع الغرب‮ “‬تتيح لإيران،‮ ‬دون تحفظ،‮ ‬إطلاق يدها في الجوار العربي‮”. ‬هذه المعادلة الإيرانية تحاول أيضا استغلال انشغال عربي، خاصة الدولة العربية الكبري، مصر، في شئون وشجون داخلية جسيمة، تترك الفضاء العربي بأسره في حالة من التصدع تفرز تداعيات سلبية على النظام الإقليمي كله، وتضع دول الخليج العربية في موضع الانكشاف الاستراتيجي الخطير‮.‬ خامسا‮-‬ ردود فعل دول الخليج‮:‬ يبدو بجلاء أن إيران في حالة‮ “‬هجوم دبلوماسي‮”‬،‮ ‬لم تستطع دول الخليج أن تستجيب له بأسلوب أو سرعة يتناسبان مع جسامته،‮ ‬أو خطورة تداعياته، حيث إن دول الخليج لا‮ ‬يزال يفارق بين مواقفها بعض الاجتهادات المتضاربة، منها الموقف من تطورات‮ “‬ربيع العرب‮”‬، إن صحت التسمية، فهي في حالة‮ “‬ارتباك‮” ‬بين مؤيد للتطورات،‮ ‬ومتخوف منها،‮ ‬وآخر يقف على الحياد في انتظار ما يفرزه الربيع‮. ‬إلا أن دعوة دول،‮ ‬مثل اليمن، والأردن، والمغرب لحضور مناقشات الدورة الثالثة والثلاثين لقمة مجلس التعاون، التي عُقدت في الكويت في‮ ‬10‮ ‬ديسمبر‮ ‬2013،‮ ‬تقدم مؤشرا أيضا على أن ثمة حراكا خليجيا يراد له أن يؤثر في الجوار‮. ‬كما طالب عدد من أهل الرأي في الخليج الحكومات الخليجية بأن تتقدم إلى وحدة، استنادا إلى الفكرة القائلة إن‮ “‬الكل أكبر من مجموع أجزائه‮”.‬ إلا أن تحول هذا الطرح ربما يحتاج إلى‮ “‬صدمة‮”‬، تتجاوز الخطابات، وتحرك دول الخليج نحو رص الصفوف‮.‬ ويتضمن التباعد الإيراني‮ – ‬الخليجي عدة ملفات، أولها التدخل في الشئون الداخلية‮ -‬كما أسلفنا‮- ‬وهو تدخل مرشح لأن يزداد في المستقبل، متي ما انتهت إيران من تسوية ملفاتها المعلقة مع الغرب‮. ‬وتروج إيران أن من أهم واجباتها‮ “‬مناصرة المستضعفين‮”‬، وقد ألمح وزيرالخارجية الإيراني‮ – ‬في مقاله الذي سبقت الإشارة إليه بأعلى‮ -‬ إلى هذه الحجة بقوله‮ “‬لا يمكن الوصول إلى الرفاهية على حساب فقر الآخرين‮”.‬ ومن الملفات الأخري الحدود البحرية الساخنة، فليس بخاف أن هناك ثلاث جزر تري دول الخليج أنها من حق سيادة دولة الإمارات، لكنها محتلة من قبل إيران، وهي طنب الكبري،‮ ‬والصغري،‮ ‬وأبو موسي، وقد تم تغيير أسمائها في الأشهر الاخيرة من حكم محمود أحمدي نجاد إلى أسماء إيرانية‮. ‬يضاف إلى ذلك وجود مناطق متنازع عليها في الحدود البحرية بين عدد من دول الخليج العربية الست وإيران،‮ ‬وهي تحوي ثروات نفطية وغازية ضخمة تحت سطح مياه الخليج العربي‮. ‬وهناك خشية حقيقية ومبررة من احتمال أن تثير إيران هذه النزاعات في المستقبل‮.‬ وأخيرا،‮ ‬وليس آخرا، فإن هناك خشية خليجية من أن يؤدي وفاق إيراني‮ – ‬أمريكي نهائي إلى إعادة النظر في القوة البحرية الدولية‮ (‬تضم وحدات بحرية من‮ ‬28‮ ‬دولة‮) ‬الموجودة حاليا في محيط منطقة الخليج،‮ ‬والتي تحمل اسم‮ ‬”Central Task Force – CTF”، والتي تنشط في مجال محاربة القرصنة في الخليج،‮ ‬وأيضا متابعة تطبيق الحصار البحري على إيران، تنفيذا لقرارات مجلس الأمن الدولي‮. ‬ولا يخفي ما لهذه القوة من تأثير في ضبط التفاعلات العسكرية في المنطقة،‮ ‬وضمان استقرارها‮.‬ الخلاصة‮:‬ يمر الشرق الأوسط بمرحلة تفكيك واعادة صياغة، ويبدو أن القوي الغربية لم يعد لديها القدرة أو الرغبة في توريط نفسها‮ -‬ماليا وعسكريا‮- ‬في المتغيرات الحادثة في منطقتنا‮.‬ وقد خفضت‮ -‬كما تقول أدبياتها‮- ‬من اعتمادها على القوة الخشنة لمصلحة ليس القوة الناعمة، ولكن‮ “‬القوة الذكية‮”‬،‮ ‬أي ترك القوي المحلية تحدد أوزانها النسبية بما لديها من قدرات‮. ‬وطبيعي أن القوة الخليجية في عدد السكان،‮ ‬والقدرة العسكرية، إن حسبنا كل دولة على حدة، لا قبل لها بالثقل البشري،‮ ‬والعدة الإيرانية‮.‬ كما أن هناك،‮ ‬من جانب آخر،‮ ‬صراعا يجري‮  ‬في الإقليم بين‮ “‬إرادة القمع،‮ ‬وإرادة التكنولوجيا‮”. ‬كما أن هناك‮ “‬جينات‮” ‬تغيير تتحرك، قد تلتقطها القوة الجاهزة، وتوظفها لمصلحتها‮. ‬كما تجري مذابح في سوريا ليس بعيدة عن الدعم الإيراني مما يثير أهل السنة‮.‬ كما أنه لا شك في أن ثمة تفاعلات في الداخل الإيراني سوف تؤثر في وقت ما في مجريات‮ “‬الدولة الإسلامية‮”‬،‮ ‬وصيرورتها النهائية، وليس أمام دول الخليج متعة التجاهل لما يجري حولها من تغيرات‮ ‬غير مسبوقة، فلا بد أن تتبني مقولة‮ “‬التغيير والتكيف‮” ‬مع كل تلك المتغيرات القادمة،‮ ‬مع هبوب العواصف من الغرب والشرق على حد سواء‮.‬ يروج في الإعلام الغربي أن إيران هي‮ “‬ألمانيا الشرق‮”‬،‮ ‬وأن تقدمها التقني يتيح لها السيطرة على الجوار، وهو أمر يرسل القشعريرة في بدن المواطن الخليجي الواعي‮. ‬المعركة مرهونة بـ‮ “‬النوايا‮”. ‬وكما عزلت يوغوسلافيا في خديعة ميونيخ بواسطة تشابرلين، فقد يعزل الخليج،‮ ‬هذه المرة،‮ ‬بواسطة السيد باراك أوباما،‮ ‬ابن الكيني المسلم‮.‬ الهوامش‮ :‬ 1- ‬انظر جريدة الشرق الأوسط يوم‮ ‬16‮ ‬نوفمبر‮ ‬2013،‮ ‬مقال للكاتب بعنوان‮ (‬كره المحبين‮).‬ 2- ‬تأسست منظمة الطاقة الدولية في‮ ‬29‮ ‬يونيو‮ ‬1956،‮ ‬وهي منظمة‮ ‬غير حكومية تعمل تحت إشراف الأمم المتحدة‮.‬ 3- ‬انظر النهار اللبنانية،‮ ‬27‮ ‬نوفمبر‮ ‬2013،‮ ‬ص2‭.‬ 4- ‬النهار اللبنانية،‮ ‬27‮ ‬نوفمبر ص13‭.‬ 5- ‬نيفيل تشامبرلين رئيس وزراء بريطانيا بين عامي‮ ‬1937‮ ‬و1940،‮ ‬وكان داعية للسلام،‮ ‬ودخل التاريخ على أنه خدع بسبب سذاجته‮.‬ 6- ‬الشرق الأوسط،‮ ‬2‮ ‬نوفمبر‮ ‬2013‭.‬ 7- الأخبار اللبنانية‮.‬ 8- ‬انظر النص في الشرق الأوسط في‮ ‬21‮ ‬نوفمبر‮ ‬2013،‮ ‬والردود والتعقيبات من كتاب عرب على المقال في أعداد لاحقة‮.‬

مجلة السياسة الدولية 2-2-2014

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.