اتحاد دول الخليج.. المتريّثون والمتحمّسون و المتغيّرات الخمسة

مجلة المجلة – 08 يوليو,2012

تنقسم النخبة في الخليج تجاه النظر الى الافكار المطروحة للدخول في اتحاد لدول الخليج، وتطوير الموجود وهو مجلس التعاون الى اتحاد، الى اكثرية مرحبة، واقلية غير متحمسة، وكلا الفريقين سوف ينشط في القادم من الايام لطرح افكاره على الغير. وقد طرحت الفكرة برمتها في اطار تجمع محدود من الخبراء من اهل الخليج، اجتمعوا تحت مظلة الامانة العامة لمجلس التعاون في الرياض في يناير 2012، وكان التوجه العام لتلك الندوة المغلقة ان الاتحاد ضرورة استراتيجية و اقتصادية كما انه حتمية اجتماعية.

فكرة الاتحاد طرحها الملك عبدالله بن عبد العزيز على قادة دول مجلس التعاون في القمة الاخيرة التي عقدت في الرياض في ديسمبر 2011، ومن وقتها و الحديث يدور بين متحمس ومتريث.

المتريّثون

الجزء المتريث او غير المتحمس منقسم الى ثلاث تيارات على الاقل، بعضه يرى ان فترة (التعاون) لم تستكمل، وأن القوانين والقرارات التي اتخذها مجلس التعاون تمت حتى الآن لمواجهة الازمات التي مرت على دول الخليج وعلى رأسها حدثان كبيران، هما احتلال العراق للكويت في 1990 والاضطرابات السياسية في البحرين بعد فبراير 2011، و قد واجه مجلس التعاون هذه التحديات بنجاح كلي او نسبي.

وهذا يعني – لدى البعض – قدرة المجلس بقواه الحالية على التفاعل الناجح مع الازمات، و تذهب وجهة النظر هذه الى القول إن اي اتحاد الآن سوف يواجه صعوبات لا داعي لفتح ملفاتها الان حتى لا يتفاقم الخلاف.

اما التيار الثاني المتريث، فانه يرى ان هناك (مكتسبات) شعبية في بعض دول الخليج لم تتحقق حتى الآن في بعض الدول الاخرى، وان اي اتحاد قد يطيح او يقلل من تلك المكتسبات المحلية، وهو تيار قد يركب قطار الاتحاد عندما يتأكد ان مكتسبات المجتمعات الخليجية المحلية لن تتأثر بالدخول في الاتحاد. وهذا الاعتراض قد يذلل بعد فتح باب النقاش للتصور شبه النهائي لشكل الاتحاد المطلوب.

اما التيار الثالث المتريث فيرى ان في الاتحاد خطر عليه، حيث ان قوته النسبية في الدولة الخليجية الصغيرة، هذه أو تلك، سوف تتضاءل وربما تذوب في بحر الغالبية، وهو تيار قد تتلبسه هواجس ليست محلية فقط ولكن ربما خارجية.

المتحمّسون

الاكثرية من المواطنين في دول مجلس التعاون ترى ان التحمس لوحدة الخليج طبيعي، حيث تتماثل الانسجة الاجتماعية والثقافية الى حد كبير، كما ان المصالح متشابكة، وان مجلس التعاون بصيغته الحالية قد استنفد اغراضه، وقد كان نجاحه محصورا في المواقف السياسية الحادة، و لكنه اقل من طموحات الناس في القرن الحادي والعشرين، كما انه لا يمثل اللحمة الحقيقية للنسيج الاجتماعي، المكون من فئات اجتماعية متداخلة في بعض مكونتها حتى العائلة الصغيرة التي يقطن بعضها في دولة ويسكن البعض الآخر في دولة اخرى.

مثل هذا النقاش قابل اعلان مجلس التعاون في اوائل الثمانيات من القرن الماضي، فالبعض في البداية شكك في الهدف من اقامته وحدث نقاش واسع بين النخب يستطيع ان يرجع إليه الباحث، وكانت تلك التحفظات على (قيام مجلس التعاون) تشابه الى حد كبير التحفظات التي ظهرت على فكرة (الاتحاد)، وتبين لاحقا من مسيرة مجلس التعاون أن كل ما أثير من مخاوف حوله في ثمانينات القرن الماضي، هي مخاوف متخيلة، بل ان الكثير من المزايا الايجابية قد تحققت في المسيرة، وقد يصدق ذلك على دعوة الاتحاد الجديدة.

ولقد وجدت ان الكثير من المشروعات الايجابية بين دول الخيج تقابل من البعض بالتشكيك ثم يثبت للجميع اهميتها الاقتصادية والاستراتيجية وفي ذهني النقاش السلبي الذي قوبل به تصور بناء جسر بين شرق السعودية و البحرين، وقتها قيل في المشروع ما لم يقله مالك في الخمر، ثم تبينت بعد ذلك الايجابيات الضخمة لهذا المشروع.

فوق ذلك فان التاريخ الحديث يثبت لنا ان تجارب الاتحاد في الجوار تغري بأن نذهب الي الفكرة متحمسين، فقد استفاد اليمن (شمالا وجنوبا) من الاتحاد الذي تم بينهما، كما استفادة بشكل كبير مكونات (امارات) دولة الامارات المتحدة من الاتحاد الذي تم بينها في اوائل السبعينات من القرن الماضي واصبحت الامارات اليوم بلدا متقدما ليس بسبب توفر المال فقط ولكن بسبب توفر راس المال البشري الذي كان مخزونا في بعض الامارات دون غيرها.

من هنا ترى قطاعات واسعة من النخب في الخليج ان في نقل التعاون الى الاتحاد – ربما اتحاد متدرج – يشكل مخرجا استراتيجيا لما يحيط بدول الخليج من مخاطر مستجدة، وهي مخاطر داخلية وخارجية على السواء ونوقشت كثيرا بين النخب وفي الفضاء العام، في ظل المتغيرات العميقة التي تضرب بقوة الاقليم العربي والعلاقات الدولية، وقد نظم البعض من اهل الخليج نفسه من خلال تجمعات للمجتمع المدني للدعوة الى الاتحاد على الصعيد الشعبي تحسسا لأهمية الخطوة وضرورتها، الامر الذي لم يحدث عند إنشاء مجلس التعاون.

متغيّرات خمسة

أما الأسباب المحبذة للاتحاد، فإني أراها في متغيرات خمسة:

أولا: تغير قواعد اللعبة الدولية، فالقوى العالمية التي تعاقبت على حفظ الامن في الخليج هي قوتان: بريطانيا ومن ثم امريكا، كلاهما تراجع عن الساحة الدولية، على الاقل من حيث القوة الخشنة، فآخر استخدام للقوة الخشنة لأمريكا كان في العراق وافغانستان وتضررت القوة الامريكية ضررا كبيرا اقتصاديا ودبلوماسيا من ذلك الاستخدام المباشر للقوة.

عاش الخليج على أمن ما يعرف بـ(برتش راج) اي النفوذ البريطاني لاكثر من قرن ونصف القرن من الزمن، تراجع هذا النفوذ تدريجيا حتى السبعينات من القرن الماضي حيث استقلت دول الخليج الصغيرة، ثم تحول الامر، بعد فراغ أمني حاول شاه ايران ان يملأه وكان سريعا عاصفا وقصيرا في الزمن، ليعود الخليج من جديد الى ما سمي بـ(امريكن راج) اي النفوذ الامريكي، ولكن سرعان ما اخذت امريكا المقعد الخلفي في الصراعات النشطة، و المثال على ذلك معركة تحرير ليبيا من التسلط الجنوني للقذافي.

اذا قواعد اللعبة قد تغيرت وتتغير بسرعة شديدة، فلا مجال للاعتماد على تحالفات خارجية لا يستطيع احد المراهنة عليها لفترة طويلة، من هنا وجب التفكير فيما يمكن ان يسمى تجميع السيادات في الخليج من اجل تحقيق المصالح وليس درء المخاطر فقط.

ثانيا: لعب النفط في دول الخليج العربي دورا مزدوجا، هو خليط من الدفع بالتفكيك الى الدفع بالتجميع. في بداية تدفق النفط اختلفت دول الخليج في ما بينها على الحدود، بسبب وجود او عدم وجود النفط، وظهرت شرور كثيرة نتيجة هذا التنازع، منها التدخلات الخارجية ومنها نوازع التفكيك المحلية التي جعلت كل امارة تسعى للاستحواذ على هذا الجزء او ذاك من الحدود، اما وقد استقر معظم الحدود بفضل حكمة رجال تاريخيين ولم يبق من الامر الا النزر اليسير، فان النفط عاد ليلعب دور التجميع، كون القوى الخارجية و الاقليمية شرهة للاستحواذ على قسم كبير من ثروات النفط، ودخلت دول الخليج في السبعينات متعاونة من اجل معركة (التأميم) النفطي ونجحت فيها وهي تدخل الان معركة وجب ان تكون جماعية للحفاظ على الثروة، من حيث الاستخدام الافضل لها ومن حيث حمايتها من الاطماع الخارجية.

من نافلة القول إنه في ضوء تراجع وتغيير قواعد اللعبة في العالم، فإن القوى الاقليمية سوف لن تجد امامها رادعا يخفض من توقعات طموحاتها في التوسع غير ان تجابه بستار من الوحدة. بجانب تحقيق ذلك الهدف الاستراتيجي فان تجميع الموارد يعني في ما يعنيه استخداما افضل لها من حيث توفير الطاقة والمياه و تجويد التعليم و فتح سوق واسعة للمبادرين الخليجيين الذين تتسع دائرتهم للاستثمار الاجدى.

ثالثا: التغير في المحيط العربي، الذي ركن كثيرا على توافق اقليمي تقوده دول عربية كبيرة، فمصر لم تعد قادرة على لعب دور من اي نوع، ومن المحتمل تعطل الدور المصري في الاطار العربي لفترة قد تطول، كما ان العراق في شقاق قد يقود الى تفتيت البلاد، واليمن يدخل ايضا في نفق قد يخرج منه بشرور تصيب الجوار، وسوريا تواجه منعطفا سوف تخرج منه –ان خرجت – بجروح غائرة تعطل اي دور لها كما عرف في الاربعة عقود السابقة.

ان ربيع العرب الذي تتدحرج نتائجه كسيل منهمر في عدد من الأودية الجافة يجعل منطقة الخليج مكشوفة الظهر، وبلا ظهير عربي، كل ذلك معطوفا على الدور الذي اضطرت إليه كلاعب اساسي في صيرورة تدحرج كرة الربيع العربي من مصر الى ليبيا الى اليمن الى سوريا اخيرا، قابلة للدور الذي قامت به، كما يقول اعداؤها، او مضطرة لاتقاء المخاطر، هذا الدور اي القوة الناعمة الخليجية، سوف يترتب عليه استحقاقات كثيرة، قد تنوء بها منفردة كل دولة على حدة، بل وقد يتعرض استقرارها الى الاضطراب ان بقيت في نفس المكان التي هي فيه.

رابعا: قد يكون من تناقض الاقدار ان الوحدة العربية التي طالبت بها النخب العربية منذ منتصف القرن الماضي و كانت حلما لأجيال متعاقبة، ان تحققها في زمن التفكيك العربي، دول الخليج، وهو انجاز يضاف الى الانجاز الذي حققه رجال تاريخيون في الوحدة في المنطقة، منهم الملك المرحوم عبد العزيز ورجاله الذي حققوا وحدة الجزيرة، و المرحوم الشيخ زايد بن سلطان ورجاله الذي حققوا وحدة دولة الامارات، وايضا توافق الرجال الستة الذين انشئوا مجلس التعاون وهم زعماء مجلس التعاون وقت انشائه.

كل ذلك يعني ان طلاب الوحدة والمؤمنيين بثمارها هم من يحققها على الارض وليس من يتحدث عنها في الاذاعات.

خامسا: ليس هناك نموذج معين لدول الخليج العربية المتحدة، فهناك عدد من التجارب الوحدوية في العالم التي لا تكاد يشابه احدها الاخر، و للمقارنة فان (النفودس) في كلمة كونفدرالية تعني باللاتينية (تحالف الاغيار) فمتى ما توفر تحالف المنسجمين توفرت الوحدة بشكل افضل وعبر الجميع من الاختلاف الى التجانس.

لا شك أن كثيرا من العقلاء يرى ان الطريق الى دول الخليج العربي المتحدة، ليس سهلا ولا مفروشا بالورود، فهناك مطالب لتعديلات في الهياكل السياسية والاقتصادية واجب تنفيذها، وهناك حساسيات مطلوب تجاوزها، وهناك ادوار سياسية مطلوب القيام بها ولا تترك لرجال الادارة والبيروقراطيين، و لكن يتصدى لها رجال سياسة لديهم القدرة على رؤية ثاقبة تنقذ اوطانهم من الخلل، وقد يتجرعون المر في سبيل تفادي الأمر!

تلك هي العوامل الخمسة التي ارها واضحة امام من يريد النظر الى الحقائق ويحسب بدقة المخاطر من جهة والارباح من جهة اخرى العائدة على الكل لا البعض من التوجه بشكل جاد الى دراسة وتحقيق الاتحاد الذي بالضرورة يحتاج الى شيء من التضحية من جهة والى بعد نظر من جهة اخرى حفاظا على مستقبل الاجيال و الوصول الى تنمية مستدامة تحقق المصالح المرسلة لكل ابناء المنطقة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.