عصر المرأة العربية و المسلمة

عصر المرأة العربية و المسلمة

باختبار شيرين عبادي الإيرانية المسلمة لجائزة نوبل للسلام في شهر أكتوبر الماضي يلفت نظرنا هذا الاختيار، نحن العرب و المسلمين، إلي قضية المرأة ووضعها الاجتماعي والثقافي في عالمنا. ويبدو أننا بصدد ( معركة ) ثقافية و اقتصادية تشابه تلك المعركة التي خيضت أبان القرن التاسع عشر في قضية إنسانية كبرى هي تحرير العبيد.

وقتها كان العالم قد اكتشف أخلاقيا واقتصاديا أن ( العبودية) عمل غير إنساني، وشن حربا عليها في الداخل و الخارج بدأت في أوربا وانتهت في الشرق الأوسط.

اليوم الباحثين و المنقبين في تاريخ تحرير العبيد يرجعوا الأمر ليس إلي سبب أخلاقي نبيل فقط، دعى الحضارة الغربية إلي أن تشن تلك الحرب الشعواء على ممارسات العبودية، بعد أن أوغل فيها كثيرا، إلا أن الدافع أيضا كان اقتصاديا، لقد اكتشف الصناعيون في الولايات المتحدة الأمريكية في ولايات الشمال أن الحر في المصانع ينتج أكثر ( اقتصاديا) من ( العبد) في الزراعة. وقامت الحرب الأهلية الأمريكية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر على فكرة أفضلية الأحرار العاملين في المصانع على العبيد العاملين في الزراعة في الولايات الجنوبية.

و لم تكن المرأة في الغرب بأحسن حال منها من العبيد، كانت المرأة في الغرب أيضا مستعبدة، خاصة بعد الثورة الصناعية التي قامت في أوربا بداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ودفعت بملايين من النساء إلي الشوارع و الأزقة بحثا عن عمل.

حقيقة الأمر أن ( الحضارة) الغربية التي نادت بعد ذلك بتحرير العبيد وبتحرير النساء، كان لها دافعين الأول اقتصادي غير معلن و الثاني أخلاقي معلن للعلن.

إلا أن الحقيقة المكملة لذلك أن هذا التوجه( الأخلاقي) لم يكتمل، فقد طفقت هذه الدول الغربية و شعوبها لاستعمار العالم القديم، ودخلت حروبا شعواء هائلة من اجل الاحتفاظ بهذه المستعمرات، وكان ذلك شكلا آخر من أشكال العبودية و التسلط ما انفك يأخذ من خيرات هذه الشعوب حتى منتصف القرن العشرين وما بعده أيضا.

أخلاق جديدة

الغرب طور أخلاقياته ( الإنسانية) مع تطور مطالبة الشعوب بالحرية، ومع تطور أشكال التجارة، فهو لم يخسر كثيرا حتى بعد أن ترك المستعمرات، ومن الحقائق الثابتة اليوم أن بلدا مثل بريطانيا تستفيد من تجارتها مع الهند، التي كانت مستعمرة لها، أكثر مما كانت في السابق، عندما كان الاستعمار على الهند مباشر.

المرأة في الغرب لم تنل حقوقها إلا منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر تدريجيا، وقد كانت معظم هذه الحقوق مهضومة حتى الثلث الأول من القرن العشرين.

لذا في حالة تطور المجتمعات لا بد من الأخذ بالبعد الزمني، الذي يجعل من العادات والتقاليد أمرا ملزما للمجتمع إلي حين.فالأخلاقيات الجديدة التي ينادي بها الغرب كانت في وقت ما أخلاقيات غير مقبولة لديه، وحارب بعض شرائحه ضدها، فنحن نعرف على وجه اليقين أن هناك شرائح اجتماعية في الغرب حاربت فكرة تحرير العبيد، كما حاربت فكرة تحرير المرأة.

الإشارة إلي تلك المعاني السابقة لا يعني بأي حال من الأحوال الاتهام للآخرين، ولا يعني أيضا أن الأفكار الإنسانية يجب أن تحارب لأنها قادمة من ثقافة أخرى، ولكن التذكير بها هو تأكيد على أن عملية التطور الإنساني ( ليس قرارا يؤخذ إنما مسيرة تاريخية يجب أن يعتني بدراستها)

المرأة العربية

موضوع المرأة العربية ليس بجديد، فقد طرح بشدة منذ السنوات الأولى للقرن الماضي، كان ذلك في مصر ومن ثم الشام، ونازلت الصعاب مع من أيدها من الرجال في معركة طويلة وصعبه، في سبيل أن تجد لها مكانا يليق بها في وطنها، ولو نظرنا إلي المسيرة التي قطعتها المرأة العربية و المسلمة منذ ذلك الحين لوجدنا فارقا نوعيا، بين ما كانت عليه وما أصبحت فيه اليوم. إلا أن هذه المسيرة لا زالت تحتاج إلي أكمال، خاصة في ضوء التغيرات العالمية التي تحيط بنا.

لقد حققت المرأة المسلمة في كل دول العالم الإسلامي ( عدى بعض الدول العربية) حقوقها السياسية، ونجد أن بعض هذه الدول سمحت للمرأة المسلمة أن تصل إلي اكبر المناصب وأخطرها، رئاسة البلاد، حدث ذلك في كل من تركيا و اندونيسيا وباكستان و بنجلادش، كما وصلت المرأة إلي البرلمانات ممثلة لأفراد الأمة في كثير من الدول الإسلامية، وحققت المرأة العربية و المسلمة شطرا كبيرا في مجال التعليم و العمل العام، وعملت في سلك الشرطة و الطيران و السلك الخارجي، وأصبح للمرأة العربية على وجه الخصوص حضور دبلوماسي واسع إلي درجة أن سبعة من السفراء العرب في فرنسا اليوم هم من النساء( من ضمن حوالي عشرون سفيرا).

رغم كل ذلك فلا زال الطريق طويلا، من حيث الكم ومن حيث النوع أيضا لتأخذ المرأة العربية و المسلمة موقعها الصحيح في مجتمعها.

الآراء تختلف بل تتضارب فيما هو الموقع الصحيح للمرأة العربية أو المسلمة في عصرنا، وقد يعارض البعض بسبب أن المرأة في الغرب ليست في أفضل حالاتها كي نقوم نحن العرب و المسلمين بتقليد ما وصلت إليه، في المقابل يقول البعض الآخر أن المرأة العربية و المسلمة هي إنسانة أولا وأخيرا لذا فان قاعدة حقوق الإنسان التي تنطبق على الرجل تنطبق على المرأة، أما المرجعية لذلك فأنها شًرعة (إعلان) حقوق الإنسان الدولية، التي تطالب بالمساواة وتطبيق القانون على الجميع واحترام الاختلاف وحقوق المواطنة.

الأغلبية من العرب و المسلمين ليس لديهم اعتراض على تطبيق حقوق الإنسان الدولية، البعض فقط يعترض أو يتحفظ علي بعض بنود تلك الوثيقة من منطلق ( المساواة المطلقة) ولهم فيها وجهات نظر، قد تكون مقبولة وقد يناقشها البعض من اجل دحرها أو تجاوزها.

المرأة من المنظور الثقافي

مشكلة المرأة التي تحرم من مشاركتها الفاعلة والمؤثرة في الحياة الاجتماعية هي مشكلة الإنسانة العربية، فعلى الرغم من التغيرات العاصفة في مواقع المرأة العربية، الاجتماعية والسياسية والقانونية والإدارية حتى يومنا، إلا إن الثقافة التقليدية ما زالت تقف موقفاً سلبياً إزاء وجودها ودورها، أبرزها وأقواها تأثير هو الخلط ما بين الدين والموروث الشعبي، فكم وماذا نحتاج لتنوير قطاعات المرأة العربية ؟ وما الدور المؤمل من الكاتبات العربيات اللواتي يسهمن في عملية التنوير الاجتماعي، أو إحداث التغيير المطلوب!، ليس التنوير مجرد معرفة ينبغي استكمالها أو مجرد إرث ينبغي العمل على إحيائه، بل هو تفاعل المرء مع الموروث بالتحليل والتفكيك ثم البناء من جديد

 القضية كما تبدوا لي أن مركزية الخلاف ثقافي وليس نصي، واجتماعي وتقليدي وليس ديني فقد استقر في ثقافتنا العربية أن المرأة مخلوق ذو طبيعة خاصة، وهي دون الرجل في القوة و القدرة، وقد يكون ذلك صحيحا جزئيا، إلا أن الخلاف هنا ليس في هذه الموضوعات، بل الخلاف أنها بالتأكيد ليست اقل من الرجل (إنسانية) لذا فان حقوقها الإنسانية تدعوا إلي أن تُعامل بالتساوي في المجتمع مع الرجل، دون اعتذار أو تعويق.

بالطبع هناك ضباب كثيف يطلقه معارضو حقوق المرأة عندنا، على وضع المرأة في الغرب لصالح تأكيد ( المعضلات التي تواجهها) وهو ضباب يطلقه البعض انطلاقا من بعض الأمثلة الجانبية المستقطعة من المسيرة الكبيرة و الطويلة، ولكن يجري تعميمها، من اجل تبرير تعويق النساء العربيات و المسلمات من المساهمة في تنمية أوطانهم، مثل القول أن المرأة في الغرب تعمل لساعات متأخرة من الليل، أو أن المرأة في الغرب تستغل لأسباب غير (أخلاقية) وهي أمثلة صحيحة، ولكنها أمثلة معزولة، ومجتزئة من السياق العام، يراد لها التعميم و التعويق. كما هو الأمر في صورة المرأة العربية و المسلمة لديهم، فالبعض في الغرب يعتبرها (قابعة خلف حجاب، لا يسمح لها بالتعليم أو العمل) وهي أمثلة أيضا موجودة، إلا أنها أيضا معزولة وقليلة، يراد من تعميمها تقبيح وضع المرأة في مجتمعاتنا.

عندما نقول ذلك لا يجب أن ندعي أن المرأة العربية و المسلمة في ثقافتنا اليوم هي على أفضل وضع، فهناك قضايا كثيرة وملحة يجب علينا النظر فيها، منها قضايا مساهمتها في شؤون المجتمع و الانخراط في العمل العام ومنها حقوقها المدنية في التنقل و السفر و الزواج. و التناقض هنا بادي الوضوح فقد حثت بعض المنظمات العربية المرأة العربية على الانخراط في النضال من اجل تحرير الوطن، فهناك مثلا سيدات وفتيات في فلسطين يتمنطقن الحزام الناسف ويقمن بما يقوم به الرجال وأكثر، فلماذا إذا نبرر ذلك في الوقت الذي يحث البعض النساء على البقاء في المنزل، ودورهن فقط رعاية الأسرة و الأبناء، رغم أهمية ذلك العمل إلا انه يجب أن يبقي مكملا لنيل المرأة حقوقها.

                                المرأة العربية في القرن الواحد و العشرين

نالت المرأة العربية في الغالب الكثير من الحقوق منذ النصف الأول من القرن العشرين، وكانت الأسباب مختلفة ولكن كان على راس الأسباب التحولات الاجتماعية و الفكرية التي شملت الكثير من البلدان العربية، وتكمل المرأة نيل تلك الحقوق وعلى رأسها الحقوق السياسية في السنوات الأولى من القرن الواحد و العشرين، مثلا المرأة السورية و المصرية و المغربية واليمنية نالت حقوقها السياسية المتساوية، كان ذلك أما بعد خروج المستعمر أو بعد قيام تغيير جذري في المجتمع الذي اصطلح أن يسمي في أدبيات عربية (ثورة)، وهي تستكمل هذه الحقوق في السنوات الأولى من القرن الواحد و العشرين، فقد أعلن في النصف الأول نوفمبر الماضي قرار من مجلس الوزراء الكويتي بتمكين المارة الكويتية من الترشيح و الانتخاب للمجلس البلدي القادم، ويرى كثير من المراقبين أن ذلك مقدمة لتمكينها من المشاركة السياسية في المستقبل القريب، كما أعلن في المملكة العربية السعودية بأنه خلال عام سيكون هناك انتخابات للبلديات، قد تساهم المرأة في لجان استشارية لهذه المجالس، أما في سلطنة عمان فقد نظم في ذلك الشهر أيضا أول انتخابات عامة شارك فيها الرجال و النساء، وقد حصلت سيدتين على مقعدين لهما في مجلس الشورى المنتخب.

وفي المملكة المغربية وأيضا في نفس الشهر أعلن جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش الموجه للبرلمان في العاشر من شهر أكتوبر الماضي ما يعتبر تغييرا جوهريا في وضع المرأة المغربية، فقد أقترح خطاب الملك بالنسبة للمرأة المغربية أن يكون هناك صياغة حديثة لمدونة ( قانون) الأسرة منها جعل مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين ( لا ينفرد واحد كالزوج بها)، وجعل الولاية حقا للمرأة الرشيدة تمارسه حسب اختيارها ومسؤولياتها وعدم إجبار المرأة على الزواج بغير ما ارتضته بالمعروف، ومساواة الرجل بالمرأة في سن الزواج، بتوحيده في سن الثمانية عشر عاما ( عملا بأحكام المذهب المالكي) أما أكثر الإصلاحات التي طرحها الملك المغربي شمولية، فهي معالجة الخطاب لمسألة التعددية الزواج بأكثر من امرأة المنتشر في بعض دولنا وخاصة في الريف المغربي وتتوجه المغرب لتقييد هذا الزواج بأذن من القاضي و لضرورات قاهرة، وبضوابط صارمة.وقد وضعت الشروط بان التعدد لا يأذن به القاضي إذا تأكد من عدم إمكانية عدل الزوج بين الزوجات في جميع جوانب الحياة، حقيقة الأمر أن مثل هذا التوجه هو صيانة لحق المرأة الإنساني، كما أن المقترح المغربي يتوجه إلي منح المرأة الحق في الشرط في عقد الزواج على الزوج عدم الاقتران بغيرها عليها.

هذا التوجه في المغرب يسير مع الإصلاحات التي تحققت في بعض البلدان العربية مثل تونس منذ حكم المرحوم بورقيبة، إلا انه يذهب إلي التوازن و الترشيد، ويستجيب لمسيرة العالم التي تناشد الشعوب بان يتلفتوا إلي المرأة ويمكنوها من حياة حرة وقادرة على العطاء.

تمكين المرأة العربية

يشتكي التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة حول التنمية في البلاد العربية من عدم ( تمكين المرأة العربية) في الحياة العامة، وهي ليست نقيصة قانونية أو أخلاقية بل هي فوق ذلك نقيصة اقتصادية، حيث أن التنمية الاقتصادية أن قررت تجاهل نصف المجتمع ( المرأة) فهي تتجاهل قوة اقتصادية مهمة بل أساسية في ذلك المجتمع، ويقرر التقرير أن نسبة ألامية في النساء العربيات مرتفعة بشكل كبير، ونسبة العاملات العربيات متدنية ( طبعا بسبب عدم التأهيل الصحيح) كما أن الوضع الصحي لهؤلاء متدني، وتتزوج المرأة في الريف العربي في سن مبكرة، وتتعرض أما إلي الطلاق أو مشكلات الحمل و الولادة، بالتالي يفقد المجتمع قدرة اقتصادية كان يمكن الاستفادة منها في التنمية.

وتنشط المرأة العربية على أعلى مستوى، إلي درجة تنظيم مؤتمرات سنوية منذ سنتين لقمة المرأة العربية، تحضره زوجات رؤساء الدول العربية من اجل التدارس في شان رفع وضع المرأة العربية، ولكن هذه الاجتماعات و المؤتمرات تنتهي كما بدأت به، في صالونات الفنادق الكبيرة وتردد نفس الأقوال، دون وضع برامج حقيقية على الأرض من اجل مساعدة المرأة العربية، وهي مساعدة تمتد من الإنصاف القانوني لها بإطلاق تشريعات تحميها إلي الإنصاف الاقتصادي بتمكينها من ثمار التنمية.

إعطاء السيدة الإيرانية شيرين عبادي جائزة نوبل للسلام، وان تكون أول امرأة مسلمة بين عدد قليل من نساء العالم ( هي المرأة الحادية عشرة في سلسلة الحائزات على هذه الجائزة الدولية) ترسل رسالة واضحة لنا كمسلمين وأيضا كعرب للتنبيه لأهمية المرأة في مجتمعاتنا وأهمية أنصافها، هي و الطفل المسلم و العربي، وهي رسالة تقول أن لكم أن تفتحوا ملف النساء ( شقائق الرجال) وان تعطوهم حقوقهم كاملة بعيدا عن التقليد البالي و الممارسات الخاطئة، فقد كان للمرأة شان كبير في الحضارة العربية أن لها أن تسترد ذلك الدور، الذي جعلها ملكة وسلطانة وجعلها محاربة ومزارعة وعاملة في الشأن العام، حفظت لتلك الحضارة رونقها البهي.

جهد المرأة العربية في الدفاع عن حقوقها

الدفاع عن حقوق المرأة في المجتمع العربي لا زالت تلقي المعارضة من البعض، وتكتب لنا ليلي الأطرش دراسة متميزة في ذلك الملف المهم، فالكاتبات والإعلاميات ممن يمارسن الكتابة المرئية أو المقروءة تعرضن منذ سنوات قليلة، في مئوية قاسم أمين التي عقدها المجلس الأعلى للثقافة في مصر في أواخر عام 1999، لحملات ضارية من بعض حملة الأقلام، ووجهت لهن تهمة(الزندقة والمجون) في قاعات المؤتمر وعلى صفحات الجرائد، وللأسف جاءت أشد الحملات ضراوة من نساء “ملتزمات” أمعن في تبني الفكر القائل بدونية المرأة وقصور عقلها!.

مؤسسات التوجيه العربية الرسمية لم تقم بالدور المؤمل منها في التعريف بضرورة المناداة بحقوق المرأة، بل فعل بعضها النقيض، فكثير من برامج الإعلام العربي، ومناهج التربية والتعليم، تستهدف بوعي أو ربما حسب مقتضيات ” السوق الإعلامية ” إرضاء غرائز المشاهدين وتعميق الصورة النمطية للمرأة، وتأكيد دونيتها، كما ساهمت هذه المؤسسات في التعتيم على حقوقها الشرعية والقانونية والمدنية، من خلال برامجها السنوية، أومن خلال المسلسلات أو الأفلام أو الإعلانات التجارية، ولعل شهرة مسلسل الحاج متولي ذو الزوجات الأربع (المتوافقات) يؤكد تلك النمطية، ولا يساعد كثيرا على مطالبات تمكين المرأة العربي..

لقد ساهمت المرأة العربية في الثقافة المعاصرة مبكرا، فبدأت الرواية النسوية العربية مثلا سابقة لرواية الرجل، الكاتبة اللبنانية زينب فواز في ” حسن العواقب” أو ” غادة الزهراء ” التي نشرت عام 1899، وتبعتها ” قلب الرجل” للبيبة هاشم من لبنان ثم ” حسناء سالونيك” المنشورة في صحيفة الهدى في نيويورك في العام نفسه، كلها سبقت رواية ” زينب لمحمد حسين هيكل المنشورة عام 1914، وقد أحجم النقاد الرجال عن البحث ثم الاعتراف بأن الرواية العربية الأولى هي لامرأة ؟

إن الناقد الرجل هو نتاج الموروث الاجتماعي وسليل تربية تحكمها النظرة الدونية للمرأة والتي تجعله يسقط ما تكتبه المرأة على نفسها وتجاربها الشخصية، وفي حالات كثيرة أدعاء أن النص قد وضعه رجل في الأصل، ثم جيرة إلى الكاتبة!.  كما حدث مؤخرا مع الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي!

ومما لا شك فيه أن هناك فجوة في فهم دور المرأة، نتيجة لعملية التقاعس التشريعي الذي امتد على مدى قرنين من الزمان، ففصل بين مبادي الإسلام السمحة والصيغ التراثية التقليدية للقانون، ولم يتم إلا إتباع النزر اليسير من الأحكام الإسلامية في القانون الحديث، ونادراً ما يتم تحويل الأحكام الأخلاقية العامة القرآنية بالذات إلى قواعد ملزمة.. ففيما يؤكد القرآن على العدل ما بين الزوجات في حالات التعدد، لا نجد في القانون الإسلامي التقليدي ما يرفع هذا الشرط إلى شكل قانوني ملزم، إلا في بلدان قليلة، وضربنا مثلا أخيرا لها بما يحدث في المغرب.

رائدات في العمل النسوي

لقد برزت أسماء مؤثرة في مسيرة المرأة والمجتمع مثل ملك حفني ناصف أو باحثة البادية (1886-1918) من مصر، التي تناولت موضوع حجاب المرأة خلال ما يقرب من عشر سنوات بعد نشر كتاب قاسم أمين ” تحرير المرأة “، ونادت في سلسلة مقالات بعدم التحجب لأنها تؤمن بأن الدين لم يفرض على المرأة أي شيء محدد في هذا الشأن.

ثم تناولت حفني ناصف التعليم وإصلاحه، وتعدد الزوجات، وفارق السن بين الزوجين، خاصة أنها وجدت نفسها الزوجة الثانية لعبد الستار الباسل باشا دون أن يخبرها بأنه متزوج.

كما تصدت عائشة التيمورية أيضاً لمشكلة المرأة، وكذلك فعلت مي زيادة اللبنانية، وهدى شعراوي، وأثرت نظيرة زين الدين (1908-1976) بكتابها ” السفور والحجاب “ثم ” الفتاة والشيوخ” ضجة كبيرة، لا تقل عما أثير حول كتابات قاسم أمين، حتى اتهمت بالكفر والزندقة على صفحات الجرائد، في أغلب العواصم العربية، وصمدت نظيرة أمام حملات المشككين ودافعت عن قضيتها بالاستناد إلى القرآن والأحاديث النبوية.

ودفعت الرائدات الكاتبات ومنذ بداية القرن العشرين ثمنا باهظا للكتابة… وكان في حياتهن الكثير من الألم، مي زيادة ماتت خائفة ووحيدة، ودرية شفيق قتلت نفسها، وملك حفني خدمت ضرتها المريضة. وكانت المعاناة، بدرجات متفاوتة، من نصيب كاتبات أخريات مثل هدى شعراوي، ونوال السعداوي، وكوليت خوري، وليلى بعلبكي، وليلي العثمان.

تغير أمر الكتابة النسائية في الخمسينات والستينات من الفرن العشرين، لقد أنتج جبل النساء في تلك المرحلة عدداً من الكاتبات أتى معظمهن من طبقات متوسطة حضرية.. فعبرن عن الاستقلال الاقتصادي والنفسي لحياة الطبقة الوسطى.. بالإضافة إلى هجوم على التدمير المستمر لصورة المرأة، والذي تنمية الثقافة السائدة، وقد جوبهت الكاتبات بعاصفة من النقد والتجريح، وإسقاط النص على صاحبته، حيث تميزت كتابة هذه الحقبة بكسر(التابو )والخروج على النظام الأبوي، فالتحالف ما بين المجتمع والعائلة يظل وسيلة أساسية تلجأ إليها الثقافة الاجتماعية المسيطرة لضبط التغيير والمحافظة على جمود النظام الاجتماعي.

وشكلت روايات الخمسينيات النسائية علامة فارقة في الكتابة النسائية، فهي الأولى التي تحدت الحاجز، وعبرت عن وعي تحرير نسائي، وملكت أدواتها الإبداعية مثل ” أنا أحيا، لليلى بعلبكي و” أيام معه” لكوليت خوري، وتعتبر الروايات الأكثر جرأة في تحدي النظام الأبوي.

ولقد خاضت النساء في سوريا ولبنان ومصر معركة ضد الموروث الاجتماعي والاضطهاد السياسي للنساء، واعتبرن الجانب السياسي متلازماً وبشكل جوهري مع حركة تحرير المرأة،  وتناولته ناشطات على كلا الجبهتين، فمن العراق كانت هاديا سعيد في “بستان أسود” وعرسية النالوتي في “مراتيج”، ولم تلعب كاتبة عربية دوراً أهم أوضح من الدور الذي لعبته نوال السعداوي في فضح الاعتداءات الجسدية الخفية، سواء أقرتها الثقافة الاجتماعية وقامت بها في العلن كالختان، أو مستترة تتم في الخفاء ويتم نكرانها كالاعتداء الجنسي على الأطفال والبغاء وأطفال السفاح.

لقد ارتبطت النهضة النسائية في النصف الثاني من القرن العشرين بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتطورات السياسية والحركات الوطنية في عالمنا العربي كله، مما استدعى إعادة تشكيل الأسرة وإعادة طرح الأدوار الاجتماعية والثقافية للجنسين.

وها هو مفتتح القرن الواحد و العشرين يقدم لنا بعض الأمل بعد طول نضال استغرق أكثر من قرنين من الزمان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.