التنمية واهمينها للمجتمعات

التنمية المستدامة وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئة                                           
لقد شكّل الإنسان محور التعريفات المقدمة بشأن التنمية المستدامة، حيث تتضمن تنمية بشرية قائمة على تحسين مستوى الرعاية الصحية والتعليم والرفاه الاجتماعي. وقد أشار تقرير اللجنة العالمية للتنمية والبيئة “برونتلاند” إلى أن “التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر من دون النيل من قدرة الأجيال القادمة على تلبية إحتياجاتها”. كما أن عبارة تنمية مستدامة تعني نمطًا من التنمية لا تفرّط في استثمار مصادر الثروات الطبيعية، التي ترتكز عليها هذه التنمية، أو تخرّبها، أي تنمية تعمل على تجديد الموارد والثروات وإعادة التصنيع بشكل يضمن بيئة نظيفة وصالحة لحياة الأجيال الحاضرة والقادمة.

 

ووفق تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية “ينبغي أن يكون الرجال والنساء والأطفال محور الإهتمام، فيتم نسج التنمية حول الناس وليس الناس حول التنمية وذلك للأجيال الحاضرة والقادمة”. وتقترح التنمية المستدامة لمواجهة التهديدات التي تواجه المحيط البيئي، عالمًا تزول فيه من مجتمعاتنا ظواهر الفقر، واللامساواة، والأنانيات، ونهب الطبيعة، وانحرافات التقدّم العلمي، كي تتمكن الأجيال الحاضرة والقادمة من الإستفادة من موارد الطبيعة. وهذا يعني إلقاء المسؤولية على أنماط النمو السائد. تعد التنمية المستدامة، الضابط الرئيس للسياسات الاقتصادية التي وصلت إليها العولمة النيوليبراليّة، في تعاملها مع البيئة والثروات الطبيعيّة على نحو بدأ يهدد شعور الإنسان بالأمان والاستقرار، بعدما كان يعتقد أن الأرض هي مصدر للثروات لا ينضب، وطاقة للتجديد الطبيعي غير المحدود. وقد أكدت تقارير الخبراء في اللجنة الدوليّة لتغير المناخ، بما لا يسمح بالشكّ، أن أنشطة الإنسان هي المسؤولة عما وصلت إليه الأخطار على مستقبل البشرية برمّتها.

 

هذا من جهة ومن أخرى، تمثل التنمية المستدامة، فرصة جديدة لنوعيّة النمو الاقتصادي وكيفيّة توزيع منافعه على طبقات المجتمع كافة، وليس مجرّد عمليّة توسع اقتصادي، لا تمنع من ازدياد الفوارق بين مداخيل الأفراد والجماعات، إن بين دول الشمال والجنوب أو داخل الدول النامية نفسها. التنمية المستدامة تفرض نفسها كمفهوم عملي للمشاكل المتعدّدة التي تتحدّى البشرية. إنها تسمح بتقييم المخاطر ونشر الوعي وتوجيه العمل السياسي على المستويات المحلّية والإقليميّة والدولية”[1]. ونظرًا إلى الترابط القوي بين الأمن الإنساني والتنمية، ومن أجل جعل الحق بالتنمية البشرية حقيقة واقعة لكل البشر بصورة مستدامة آنيًا ومستقبليًا، تمنى رجل الاقتصاد الهندي أمارتيا صن على المؤسسات الدوليّة والمجلس الاقتصادي الاجتماعي اعتماد مؤشر جديد للتنمية، يأخذ في طياته حقوق الإنسان الاجتماعية والصحيّة والبيئيّة إضافةً إلى البعد الاقتصادي. وذلك من خلال القضاء على الفقر، تعزيز الديمقراطيّة، مكافحة المجاعات والأزمات والصراعات، التأكيد على فعالية المرأة، التغيير الاجتماعي، تشجيع الثقافة والدفاع عن حقوق الإنسان. وأيضًا من خلال تحسين سبل الحصول على الخدمات الاجتماعية والأغذية والرعاية الصحيّة الإنسانية والتعليم، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، وتسيير الحكم الرشيد، وتوسيع قدرة الحصول على تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والعقاقير لمكافـحة مرض الإيدز[2].

 

كما يتضمن اعتماد التنمية المستدامة، عنصرًا جوهريًا في مخططات الدول والشركات، وخصوصًا في ما يتعلق بالقوانين الداخلية التي تنظم مشاريع الإستثمارات، بغية حماية البيئة ومنع التصحر، واتخاذ إجراءات لتأمين سبل الحصول على مياه الشرب المأمونة، وتحسين الصرف الصحي للمجتمعات القادمة. ومن أجل معالجة الفقر في العالم سوف يتطلب ذلك منح أكثر البلدان فقرًا، إعفاءً دائمًا من الديون وتحقيق تجارة عادلة من خلال وصول البلدان النامية إلى الأسواق[3].

 

أيضًا في هذا المضمار، صدر عن مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي انعقد في جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا بين 26 آب/ أغسطس ـ 4 ايلول/ سبتمبر 2002، وضّم، إضافة إلى رؤساء الدول والحكومات، عددًا كبيرًا من المنظّمات الإقليمية والوكالات الدوليّة المتخصصة والمنظّمات غير الحكومية “إعلان جوهانسبرغ بشأن التنمية المستدامة”. شدّد هذا الإعلان على إقامة مجتمع عالمي إنساني متضامن لمواجهة مجمل التحدّيات العالمية، مثل القضاء على الفقر، تغيير أنماط الانتاج والاستهلاك غير المستدامة، وحماية قاعدة الموارد الطبيعية وإدارتها من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ردم الهوة العميقة التي تقسم البشرية إلى أغنياء وفقراء، ومنع تدهور البيئة العالمية، وتراجع التنوع البيولوجي والتصحر، سد الفجوة المتزايدة بين العالمين المتقدم والنامي، ومعالجة تلوث المياه والهواء والبحار، هذا فضلاً عن التحدّيات الجديدة التي فرضتها العولمة على التنمية المستدامة ولا سيما تكامل الأسواق السريعة، وحركة رؤوس الأموال والزيادات المهمة في تدفقات الاستثمار حول العالم، وذلك من أجل ضمان مستقبل الأجيال القادمة[4].

 

يستنتج من ذلك أنه “من بين أبعاد التنمية المستدامة الاجتماعي والبيئي والاقتصادي: يبرز البعد الاجتماعي خاصة كبعد جديد لقياس مستوى  التنمية، من خلال التركيز على زيادة كميّة الإنتاج، عبر ضمان زيادة الطاقات من جيل إلى آخر، والأهم تحقيق حاجات الإنسان الأوليّة. أما البعد البيئي فيتمّثل في أن استمرار سلوك الإنسان سيؤدّي إلى تغييرات تنعكس على الجنس البشري وتهدّد استمراريته.

 

وعليه، فإنه لا يمكن الاستمرار في اعتبار البيئة كتابع للاقتصاد، كما يفعل معظم علماء الاقتصاد، بل ينبغي اعتبار النظام البيئي النظام الأعلى والاقتصاد النظام التابع له. أما البعد الاقتصادي، فهو الجزء المفصلي في نطاق ما يتضمّن من إعادة تنظيم للحياة اليوميّة وإعادة هيكلة الاقتصاد على كل المستويات وفي كل القطاعات، أي في كل دوائر الإنتاج والتوزيع والإستهلاك. والمحور الأساسي هو رفض آليات السوق في تحديد الأسعار والإنطلاق من الأسعار الحقيقيّة، فعلى الإنتاج إستعمال المواد القابلة لإعادة التكوّن، وعلى التوزيع أن لا يثقل كاهل النظم الإيكولوجيّة، وعلى الاستهلاك أن لا يبقى كعمليّة تدمير للمنتوجات، فلا شيء يزول ولا شيء يضيع، كل شيء يصبح مصدر ثروة”[5]. وتتطلب التنمية المستدامة تحسين ظروف المعيشة لجميع سكان العالم من دون زيادة استخدام الموارد الطبيعية إلى ما يتجاوز قدرة كوكب الأرض على التحمل. وفي حين أن التنمية المستدامة قد تستلزم إجراءات مختلفة في كل منطقة من مناطق العالم، فإن الجهود الرامية إلى بناء نمط حياة مستدام حقًا تتطلب التكامل بين الإجراءات المتخذة في ثلاثة مجالات رئيسة:

 

أولاً: النمو الاقتصادي والعدالة، إن النظم الاقتصادية العالمية القائمة حاليًا بما بينها من ترابط، تستلزم نهجًا متكاملاً لتهيئة النمو المسؤول الطويل الأمد، مع ضمان عدم تخلف أي دولة أو مجتمع.

 

ثانياً: حفظ الموارد الطبيعية والبيئية من أجل الأجيال القادمة، من خلال إيجاد حلول قابلة للاستمرار اقتصاديًا للحد من استهلاك الموارد، وإيقاف التلوث، وحفظ المصادر الطبيعية.

 

ثالثاً: التنمية الاجتماعية، حيث أن جميع شعوب العالم بحاجة إلى العمل والغذاء والتعليم والطاقة والرعاية الصحية والماء. وعند العناية بهذه الاحتياجات، على المجتمع العالمي أن يكفل أيضاً احترام النسيج الثري الذي يمثله التنوع الثقافي والاجتماعي، واحترام حقوق العمال، وتمكين جميع أعضاء المجتمع من أداء دورهم في تقرير مستقبلهم[6]. وعليه، فقد أكد التقرير، الارتباط الوثيق بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع الحفاظ على البيئة. وأشار إلى عدم إمكان تطبيق استراتيجية للتنمية المستدامة من دون ملاحظة متطلبات التنمية للجوانب الثلاثة “الاقتصادية والاجتماعية والبيئية”.

 

اـ التنمية الاجتماعية

مع استمرار قوى العولمة الفائقة السرعة في نقل البضائع والمعلومات والنقود عبر الحدود بسرعة متزايدة يومًا بعد يوم، واستمرارها أيضًا في تحقيق فوائد لا تبرح تتعاظم لمن هم داخل دائرتها، هناك إدراك متزايد أن قطار الرخاء هذا يفوت معظم سكان العالم. والواقع أن معظم فوائد العولمة لا تصل إلى أكثر من نصف سكان العالم، أي 3 مليارات شخص يعيشون على أقل من دولارين في اليوم. ولا يزال هناك ما يربو على مليار شخص يعيشون في حالة من الفقر المدقع، وملايين الأشخاص الذين يعيشون بلا عمل، وعدد متزايد من المجتمعات تتصدّع تحت وطأة ضغوط عنصرية أو عرقية أو اجتماعية. وقد اتسعت الفجوة بين أغنياء العالم وفقرائه، في الوقت الذي هدّدت الأزمات المالية في آسيا والمحيط الهادئ بطمس ما تحقّق طوال سنوات من النمو والتحسن.

 

وإذا كانت العولمة قوّة إيجابية تحسّن مستويات معيشة الكثيرين وتتيح المزيد من الفرص، يقول الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان أنه “لا تكون العولمة بالنسبة إلى الكثيرين عاملاً يؤدي إلى التقدّم، بل قوة مسببة للاضطراب، تشبه الإعصار في قدراته على حصد الأرواح وتضييع الوظائف وهدم التقاليد. وهناك ما يدفع الكثيرين إلى مقاومة تلك العملية والاحتماء فيما هو محلي. وقد تكون العولمة مؤدية إلى مزيد من عدم المساواة. وقد تكون أيضًا مسبّبة لاضطراب التقاليد الثقافية وزيادة ما لدينا من إحساس بعدم الاهتداء الروحي”. وتعتبر معظم البلدان النامية السرعة المتزايدة باستمرار والتي تحدث بها العولمة، بما تتركه من آثار بالغة في قرارات كل البلدان تقريبًا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أكبر عقبة تمنعها من تحقيق التقدّم الاجتماعي. وقد أثار منتقدو العولمة اعتراضات مؤداها أن النظام التجاري العالمي الجديد يلحق أضرارًا بالغة بالبيئة وحقوق العمال والمصالح المحلية، وفوق كل ذلك لا يلبي احتياجات السكان[7].

 

وفي ظل أجواء يسودها الإحساس المتزايد بعدم الأمان في عصر الاقتصاد العالمي الجديد، عقدت الأمم المتحدة مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن، الدانمرك، العام 1995، والموضوع الأساس هو “وضع التنمية الاجتماعية في قلب الاهتمامات السياسية العالمية”، لتوجيه الانتباه العالمي نحو إيجاد حلول لمشاكل العالم الاجتماعية الرئيسة. وقد انتهى مؤتمر القمة، الذي حضره ممثلو 186 بلداً منهم 117 رئيس دولة أو حكومة، إلى اتفاق مهم تعهدت البلدان بموجبه العمل على تحقيق أهداف محددة في مجال التنمية الاجتماعية. فقد اتفقت البلدان على إعلان كوبنهاغن بشأن التنمية الاجتماعية، الذي تضمّن  التزامات قطعية بالعمل بمزيد من الجد من أجل القضاء على الفقر، وتحسين الصحة والتعليم، والسعي إلى تحقيق العمالة الكاملة. كما اتفقت البلدان على برنامج عمل من  مئة فقرة يحدد الاستراتيجيات والغايات والأهداف المتعلقة بتحسين نوعية الحياة بالنسبة إلى الناس في كل مكان. أما أهمية هذا المؤتمر فتجلّت في تركيزه على الاحتياجات الأشد أهمية وإلحاحًا بالنسبة إلى الأفراد أي سبل المعيشة، والدخل والصحة والتعليم والأمن الشخصي. وعن طريق تحديد الأولويات، رفع مؤتمر القمة المعيار العالمي لتحقيق التقدم الاجتماعي، ونبّه أيضًا المؤسسات المالية الرئيسة في العالم، إلى أن جميع الخطط الاقتصادية يجب أن تعترف بآثارها الاجتماعية[8]. وتتمثل التزامات التنمية الاجتماعية بما يلي:

  ـ  القضاء على الفقر المطلق بحلول موعد يحدده كل بلد.

ـ  دعم العمالة الكاملة باعتبارها أحد الأهداف الأساسية للسياسة العامة.

  ـ  تشجيع التكامل الاجتماعي القائم على تعزيز جميع حقوق الإنسان وحمايتها.

ـ  تحقيق المساواة والإنصاف بين المرأة والرجل.

ـ الإسراع بخطى التنمية في إفريقيا البلدان الأقل نموًا.

ـ  كفالة إدراج أهداف التنمية الاجتماعية ضمن برامج التكيف الهيكلي.

ـ  تهيئة “بيئة إقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وقانونية تمكن السكان من تحقيق التنمية الاجتماعية”.

ـ  تمكين الجميع على قدم المساواة من الحصول على التعليم والرعاية الصحية الأولية.

ـ  تعزيز التعاون من أجل التنمية الاجتماعية عن طريق الأمم المتحدة.[9]

 

وعلى الرغم من أن النتيجة التي خلص إليها مؤتمر كوبنهاغن ليست ملزمة قانوناً لأي بلد، فإن لها وزنًا أدبيًا وسياسيًا، ولا سيما أنها تمثل اتفاقًا تم التوصل إليه بين عدد كبير جدًا من زعماء العالم. وتوافق الآراء العالمي هذا له فائدته في نظر البلدان، لأن بإمكانه أن يساعد على وضع معايير وأهداف للتنمية الاجتماعية معترف بها عالميًا. وعلى الرغم من أن للبلدان انطباعًا عامًا مؤداه أن الأهداف والأرقام المستهدفة التي حددت في كوبنهاغن ستكون صعبة التحقيق، فإن معظم الدول لا تزال تؤكد أنها ملتزمة السعي إلى تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية. وقد شكّلت معظم المؤتمرات الدولية التي تلت إعلان كوبنهاغن فرصة لحمل الحكومات على وضع قواعد ومعايير للتنمية الاجتماعية يهتدى بها في الجهود التي تبذلها المؤسسات المالية الدولية الرئيسة الأخرى، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وكل بلد مسؤول عن وضع جدول الأعمال الاجتماعي المحلي الخاص به.

 

وقد حاولت هيئات الناخبين في عدد من البلدان، منذ انعقاد مؤتمر القمة، أن تصل إلى التوازن الصحيح بين أن يكون هناك تدخل حكومي أقل وضرائب أقل وكفاءة أكبر، وأن تكون هناك حكومة تعمل على تحقيق الإنصاف والعدالة الاجتماعية. وفي كثير من البلدان النامية، انصب الكفاح على إيجاد الموارد من أجل جدول الأعمال الاجتماعي من دون تعريض الإصلاحات الاقتصادية للخطر.

 

 أـ النشاط العالمي لتطبيق مبادئ التنمية الاجتماعية

مع استمرار العولمة النيوليبرالية في فرض تحديات خطيرة، من بينها عدم الأمن والفقر والاستعباد وانعدام المساواة داخل المجتمعات أو في ما بينها وانتشار الأزمات المالية، تزايدت الاحتجاجات الصاخبة لمناهضي العولمة في سياتل العام 1999، التي كانت من أبرز الدوافع الرئيسة لأن يتبنى رؤساء الدول والحكومات (189 دولة) بمقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك من 6 إلى 8 أيلول/ سبتمبر 2000 مشروع إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية للدفع قدماً بالتنمية وتخفيض الفقر بحلول العام 2015 أو قبله، ملزمين دولهم بذل المزيد من الجهد في البدء بمعالجة المداخيل غير الكافية، والجوع الواسع الانتشار، وعدم المساواة بين الجنسين، والتدهور البيئي، والإفتقار إلى التعليم والرعاية الصحيّة والمياه النظيفة، كما يتضمن إجراءات تقوم بها البلدان الغنية لتخفيض الديون وزيادة المساعدات للبلدان الفقيرة، والتبادل التجاري معها ونقل التقانة إليها[10]. وأهم ما جاء في قمة الأرض، العمل من أجل تحقيق الأهداف الثمانية التالية:

  ـ “إستئصال الفقر والجوع الشديدين من خلال إنقاص نسبة من يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم والذين يعانون الجوع إلى النصف بحلول 2015”.

  – “تحقيق التعليم الابتدائي الشامل لجميع الأطفال في كل مكان الصبيان والبنات، على نحو مماثل،  القادرين على إكمال المقرر التعليمي للمدارس الإبتدائية بحلول العام 2015”.

  – “الحض على المساواة بين الجنسين وتمكين النساء من خلال إزالة الفوارق بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي، وفي جميع مستويات التعليم في غضون فترة لا تتجاوز العام 2015”.

  –  “تخفيض نسبة وفيات الأطفال دون سن الخامسة بمقدار الثلثين بحلول العام 2015”.

  – “تحسين الصحة الأمومية من خلال تخفيض معدّل وفيات النساء في إبان الحمل والوضع بنسبة ثلاثة أرباع بحلول العام 2015”.

 – “مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية والملاريا وأمراض أخرى”.

 – “ضمان الاستدامة البيئيّة وتتركز الغايات على دمج مبادئ التنمية المستدامة في سياسات البلد وبرامجه    وعكس الاتجاه في خسارة الموارد البيئيّة، إنقاص نسبة منعدمي فرصة الحصول على مياه الشرب المأمونة إلى النصف بحلول العام 2015، وبحلول العام 2020 تحقيق تحسن مهم في حياة ما لا يقل عن مئة مليون من القاطنين في أحياء فقيرة ومكتظة”.

 – “تطوير شراكة عالمية شاملة للتنمية: غاياتها مزيد من التطوير لنظام تجاري مالي منفتح، غير تمييزي، يشمل التزام الحكم الصالح والتنمية وتخفيض الفقر، ومعالجة الاحتياجات الخاصة لأقل الدول نموًا بما في ذلك دعوة البلدان الغنية. وذلك كي توسع من فرص البلدان الفقيرة لدخول السوق وتعزيز الواردات فيها، عبر تخفيض التعرفات الجمركية، والحصص النسبية والكوتا المفروضة على صادرات المصنّعات للدول النامية وإلغائها، وقف الإعانات المالية الحكومية للزراعة، تقديم مساعدات رسمية أكثر سخاءً من البلدان الملتزمة تخفيض الفقر، معالجة احتياجات البلدان المحوطة باليابسة والدول الجزرية النامية (عبر برنامج العمل للتنمية المستدامة الخاصة بهذه الدول)، التعامل على نحو شامل مع مشكلات ديون البلدان النامية من خلال إجراءات إقليمية ودولية لجعل الديون قابلة للتحمل على الأمد الطويل بالتعاون مع الدول النامية، تطوير استراتيجيات لإتاحة العمل اللائق والمنتج لمن هم في سن الشباب، تأمين فرص الحصول على عقاقير جوهرية في الدول النامية بأسعار محمولة بالتعاون مع شركات الأدوية، ومع القطاع الخاص، وجعل فوائد التقنيات الجديدة، وخصوصًا تقنيات المعلومـات والاتصالات، متوافرة[11]“.

 

وفي سبيل تحقيق الأهداف الثمانية، تتعاون منظّمة الأمم المتحدة مع مجموعة البنك الدولي في وضع استراتيجية لدعم إنجاز هذه الأهداف، وتتمثل عناصر هذه الاستراتيجية الرئيسة، برصد التقدم المحرز على الصعيدين الوطني والعالمي، وتحليل المؤشرات وتقديم الدعم المادي للأولويات الوطنية. ثم طرحت اوراقاً استراتيجية للحد من الفقر بوصفها أداة وطنية أساسية لتركيز النفقات والمساعدة الإنمائية في الحد من الفقر. وحتى الآن فقد أنجز 30 بلدًا الأوراق الكاملة لاستراتيجية الحد من الفقر، بينما أنجز 48 بلداً الأوراق الموقتة منها[12]. وأيضًا من أجل تحقيق أهداف التنمية التي اتفق عليها المجتمع الدولي، ومن ضمنها الأهداف الواردة في إعلان الألفية، إنعقد في مونتيري، المكسيك، أول مؤتمر دولي لتمويل التنمية في 21 و 22 آذار/ مارس 2002، برعاية الأمم المتحدة، ومشاركة 50 دولة، ومندوبي القطاع الخاص، والمجتمع المدني والمنظّمات الحكومية الدوليّة الرئيسة (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظّمة التجارة العالمية). وتم التزام إقامة شراكة جديدة بين البلدان المتقدّمة النمو والبلدان النامية، وباعتماد سياسات سليمة، وأسلوب حكم رشيد على جميع الصعد وبسيادة القانون، وتعبئة الموارد المحلية، وجذب التدفقات الدوليّة، وتشجيع التجارة الدوليّة كمحرك من محركات التنمية، وزيادة التعاون العالمي المالي والتقني لأغراض التنمية، وتمويل الديون التي يمكن تحملها وتخفيض عبء الديون الخارجية، وتحسين تماسك الأنظمة الدوليّة النقدية المالية والتجارية واتساقها.

 

إذًا تطرق المؤتمر إلى القضايا المهمة في مجالي التمويل والتنمية وسلّم بالعلاقة بين هذين العاملين، وضرورة تعزيز الدعم الدولي لأغراض التنمية من خلال الشراكة بين العناصر المعنية، مستحثاً البلدان المانحة على القيام بجهود ملموسة لبلوغ هدف الإعانة البالغة 7,0% من إجمالي الناتج القومي الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1970، كمساعدات إنمائية رسمية للبلدان النامية، على أن تطبق بفعالية التزاماتها مثل هذه المساعدات للبلدان الأقل نموًا[13]. كما وافق المجتمع العالمي في هذا المؤتمر الدولي، على نهج متماسك ذي مبادئ للتنمية وعلى أول زيادة في المعونة منذ 20 سنة، بإضافة 16 مليون دولار في السنة بحلول العام 2006 من قبل الدول المانحة (23 بلداً). (الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وأستراليا). كما اقترحت المملكة المتحدة إيجاد آلية جديدة، عبارة عن منشأة تمويل دولية، تزود معونة متوقعة وثابتة للاستثمارات المطلوبة لإنجاز الأهداف بحلول العام 2015. وتقوم هذه المنشأة المؤقتة بجمع التبرعات من خلال إصدار سندات في أسواق رأس المال الدوليّة ما يجعل الموارد متوافرة لحظة الحاجة إليها[14]. وضمن إطار الحد من الفقر، عقد مؤتمر بدعوة من البنك الدولي في مدينة شنغهاي الصينية في الفترة 25 – 27 من أيار/ مايو 2004، ضمن حملة التعليم العالمية التي تستهدف تكثيف الجهود الرامية إلى تخفيض أعداد الفقراء. ووضع عاملون في حقل التنمية سياسات من البلدان النامية بتبادل خبراتهم حول الممارسات الناجحة وغير الناجحة، ومعالجة أسباب ذلك[15].

 

أما في سياق العمل على تحسين الصحة، فقد ساهم التحالف العالمي، ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات المالية، الحكومات، والمجتمع المدني، في حشد الموارد المالية، وتسخير المعرفة، وإقامة نظم صحية متينة لعلاج الأمراض والوقاية منها، وتعزيز صحة السكان في نحو 60 بلدًا من بلدان العالم التي تعاني نقصًا بنحو 3,4 مليون من الأطباء، والقوابل، والعاملين في مجال التمريض، والعاملين في مجال الدعم، ولا سيما في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث لا يوجد إلا أربعة من بين كل مائة من أولئك العاملين الصحيين، وتبلغ الحاجة إليهم أشدها[16].

 

وبعد مرور عشر سنوات تقريبًا على انعقاد مؤتمر قمة كوبنهاغن للتنمية الاجتماعية، واستجابة للإجماع الدولي المتزايد حول ضرورة جعل التنمية قابلة للاستمرار على الصعيد الاجتماعي بقدر ما هي عليه بالنسبة إلى الصعيدين الاقتصادي والبيئي، أعد البنك الدولي استراتيجيته المعنية بالتنمية الاجتماعية. وفي إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الأبعاد الاجتماعية في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة، أطلقت إدارة التنمية الاجتماعية بالبنك الدولي برنامج: “خطة عمل 2015” ترتكز على المساءلة، والتماسك، والشفافية، والاشتمال، والفرص. وتندرج  هذه المبادئ ضمن خطة تنفيذ استراتيجية التنمية الاجتماعية للبنك الدولي التي تحمل عنوان: “تمكين الشعوب من أسباب القوة عن طريق تغيير المؤسسات”. وتهدف هذه الخطة الاستراتيجية إلى إدماج أدوات التنمية الاجتماعية في مختلف أنشطة البنك الدولي. وتضم الأولويات الاستراتيجية الرئيسة ما يلي: “تحسين تدابير مساندة البلدان لإدماج التنمية الاجتماعية في استراتيجياتها المتعلقة بتخفيض أعداد الفقراء أو التنمية؛ تحسين فعالية التنمية الخاصة بالإقراض لأغراض الاستثمار من خلال إدماج التنمية الاجتماعية في المشروعات بطريقة أكثر شمولية وكفاءة؛ تحسين أساليب البحث، وبناء القدرات، والشراكات، لتدعيم الأسس التي تؤدي إلى تحسن أداء العمليات. وينتظم جدول الأعمال الإنمائي لخطة عمل 2015 الخاصة بالبنك الدولي حول أربعة محاور مترابطة، هي: التحليل الاجتماعي، والتنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية ورأس المال الاجتماعي، والمشاركة المدنية، ومنع الصراعات وإعادة الإعمار[17].

 

التحليل الاجتماعي

يُستخدم التحليل الاجتماعي في مشاريع البنك الدولي وبرامجه وسياساته للتعامل مع الفرص المتعلقة بالتنمية والقيود والمخاطر التي تعترض سبيلها، والتي تنتج من السياق الاجتماعي. وقد وضع البنك الدولي عدة معايير وإجراءات للتشخيص ومساندة التنفيذ، والتقييم، من شأنها أن تجذب الانتباه إلى قضايا مثل التنوع الاجتماعي والمساواة بين الجنسين، والمشاركة، والمؤسسات المحلية. وتستخدم الأدوات الرئيسة  التالية في التحليل الاجتماعي: “التقييمات الاجتماعية على مستوى المشاريع؛ وتحليلات الفقر وأثره الاجتماعي المتعلق بالإصلاحات والإقراض المستند إلى السياسات؛ والتحليلات الاجتماعية القطرية”. ويجري تطبيق التحليل الاجتماعي حاليًا في البلدان المتوسطة الدخل. ومنذ ربيع 2003، ساند البنك الدولي حوالى مئة نشاط مشابه لمنهج تحليل الفقر وأثره الاجتماعي. أما التحليلات الاجتماعية القطرية، فتعمل على دراسة المجالات الاجتماعية-الاقتصادية، والسياسية-المؤسسية، والثقافية على المستوى الكلي، لإثراء معلومات البنك الدولي والبلدان المقترضة حتى يتسنى تصميم سياسات وبرامج ومشروعات ذات أثر أكبر على التنمية الاجتماعية.

 

التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية

قام البنك الدولي العام 2005، بزيادة استثماراته على نحو ملحوظ في المناهج التي تضع السيطرة على اتخاذ قرارات التخطيط وموارد الاستثمار في أيدي منظمات المجتمعات المحلية. وتوفر التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية إطار عمل يربط بين مشاركة المجتمع والإدارة المحلية للموارد ونظام الإدارة العامة المحلي التشاركي، وذلك بالتوافق في معظم الأحيان مع الإصلاحات الرامية إلى تحقيق اللامركزية. وتهدف برامج التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية إلى تقوية الروابط بين المجتمعات وشركاء القطاعين العام والخاص ولا سيما سلطات الإدارة المحلية من أجل تحسين تقديم الخدمات، وبناء رأس المال الاجتماعي، وتحسين المساءلة، وتعزيز القدرة المحلية. ويبلغ مجموع قروض البنك الدولي الحالية الموجهة إلى برامج التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية حوالى 2 مليار دولار أميركي سنويًا[18].

 

المشاركة والإنخراط في الشؤون المدنية

تشجع المشاركة مبادئ الاشتمال والمساءلة والتمكين من أسباب القوة. وقد أدمج البنك الدولي بنجاح عنصر المشاركة في الإعداد للمشروعات والبرامج؛ ومن ثم تستخدم معظم المشروعات التي يساندها البنك الدولي مناهج تشاركية لتحديد الأولويات وتدابير التنفيذ. ولا يزال البنك الدولي يستخدم أدوات المساءلة الاجتماعية للمتابعة القائمة على المشاركة في أثناء تنفيذ المشاريع، من خلال بطاقات تقارير المواطنين أو بطاقات تقييم نتائج المجتمعات، كما هو الحال في الأرجنتين، ومالاوي، والفيليبين. ويساند البنك الدولي على نحو متزايد البلدان المتعاملة معه في تعزيز الصوت المسموع ومشاركة أصحاب المصلحة المعنيين في نظام الإدارة العامة وإصلاحات القطاع العام (مثل إدارة الإنفاق العام، وتحقيق اللامركزية)، وفي البرامج التي تهدف إلى تحسين تقديم الخدمات العامة. ويستمر البنك الدولي في إتاحة الإرشادات المتعلقة بالمشاركة في استراتيجيات تخفيض أعداد الفقراء، مع التركيز على دعم المساءلة الداخلية وترتيبات الشراكات في تنفيذ الاستراتيجيات ورصد نتائجها ومراجعتها. وفي مجال الإقراض لأجل سياسات التنمية، يشجع البنك الدولي البلدان المتعاملة معه على تعزيز الشفافية ومشاركة أصحاب المصلحة في الإصلاحات المهمة المتعلقة بالسياسات[19].

 

الصراعات والتنمية

تعدّ الصراعات إشارة قوية إلى الانهيار الاجتماعي. فما أن تنتشر حتى يندلع العنف في كل مكان، مفضية إلى تحطيم الثقة بين الأشخاص والمجتمعات، وتقويض المبادئ والقيم التي تدعم التعاون والعمل الجماعي. ومنذ العام 1998، وافق الصندوق الخاص بمرحلة ما بعد الصراع على تقديم 142 منحة بما قيمته 2,71 مليون دولار أميركي، إلى 38 بلدًا إقليميًا. وقد تلقت منطقة إفريقيا معظم هذه الموارد التمويلية، وتبلغ نسبتها 42% من المقترحات المعتمدة. ونفذت المؤسسات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة غالبية هذه المنح. وقد شجع البنك الدولي أيضًا زيادة البحث في أسباب الصراعات، وقام بتوسيع نطاق قائمة مشروعاته المرتبطة بالصراعات، وزاد من مرونة آليات التمويل الخاصة به لمساندة البلدان التي تمر بمرحلة ما بعد الصراع. من هنا، فإن هذه الخطة هي عبارة عن جدول أعمال للتقدم الاجتماعي والأمن البشري لتحقيق أهداف الألفية الجديدة الانمائية بحلول العام 2015. وعند التركيز من منظور استراتيجي على بناء مجتمعات شاملة ومتماسكة تضم مؤسسات يمكن إخضاعها للمساءلة، سوف تحقق برامج التنمية نتائج هائلة تتميز بالفعالية وقابلية الاستمرار. ومنذ العام 1990 وحتى العام 2005، كانت التنمية الاجتماعية مكوناً أساسياً في 1068 مشروعاً خاصاً بالبنك الدولي، وكان إجمالي المبالغ المخصصة لها 5,17 مليار دولار أميركي، وهو ما يمثل 27%  تقريباً من مخصصات مكونات التنمية الاجتماعية.

وفي الآونة الأخيرة، قامت إدارة تقييم العمليات، وهي إدارة مستقلة في البنك الدولي، باستعراض ما يزيد على 4000 مشروع تابع للبنك الدولي تم تنفيذها على مدار الأعوام الثلاثين الماضية. وخلصت هذه الإدارة إلى أن حوالى 40٪ من جميع المشروعات ركزت جهودها على بعض الأبعاد الاجتماعية مثل المساواة بين الجنسين، والشباب، والمشاركة. وقد عملت المجتمعات المتضمنة للآخرين على تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص بالنسبة إلى مواطنيها. وتميزت المجتمعات المتماسكة بقدرتها على تنظيم العمل الجماعي لتلبية الاحتياجات المشتركة، والتغلب على القيود، وسد الفجوة بين الفوارق الاجتماعية، وإيجاد الحلول المناسبة للاختلافات من دون اللجوء إلى العنف. وشملت المساءلة مؤسسات تتميز بالشفافية والاستجابة، وتقوم بتقديم الخدمات لعملائها بطريقة تتسم بالفعالية والكفاءة والإنصاف[20]. وبالتالي، تتحقق التنمية الاجتماعية المستدامة عندما تتوافر الموارد اللازمة لتوفير احتياجات الأجيال القابلة من فرص التعليم، ومن الخدمات الصحية، وأيضًا من معدلات مقبولة لمستوى المعيشة التي تتجنب حدود الفقر ومعدلاته.

 

2ـ التنمية الاقتصادية

قبل الدخول في مفاهيم التنمية الاقتصادية، لا بد من توضيح بعض التعابير. إن النمو يحدث تلقائيًا، بينما تحدث التنمية بفعل قوى وإجراءات تهدف إلى التغيير .وتتفق أغلبية الاقتصاديين على أن النمو هو زيادة في السكان أو في الثروات المتاحة أو في أي مؤشر آخر وعلى نحو طبيعي ومن دون فعل أو تأثيرات مسبقة. بينما تشمل التنمية لدى جميع الاقتصاديين النمو وتتضمنه وتمس الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسات والعادات. وبالتالي، فإن كلاً من التنمية والنمو الاقتصادي يتضمن الزيادة في الناتج القومي أو زيادة العناصر المستخدمة وزيادة كفاءتها الإنتاجية. فالتنمية تتضمن، بالإضافة إلى زيادة الناتج وزيادة عناصر الإنتاج وكفاءة هذه العناصر، إجراء تغييرات جذرية في تنظيمات الإنتاج وفنونه، وغالبًا ما يكون أيضاً في هيكل الناتج وفي توزيع عناصر الإنتاج بين قطاعات الاقتصاد المختلفة.

 

وعلى هذا الأساس، فإن الدول المتخلفة تكون بحاجة إلى تنمية وليس إلى نمو فقط، لأنها ليست بحاجة إلى زيادة في إنتاجها وزيادة في كمية الإنتاجية المستخدمة وكفاءتها فحسب، وإنما أيضًا إلى تغيير جذري في بنية هياكلها الاقتصادية والاجتماعية القديمة[21]. بمعنى آخر، هناك اختلاف بين مدلول التنمية الاقتصادية وغيرها من مصطلحات النمو الاقتصادي. فالنمو الاقتصادي، هو معدل النمو في الناتج القومي الإجمالي في إبان فترة زمنية معينة عادة تكون عامًا. كما أنه عبارة عن مجرد ارتفاع في دخل الفرد الحقيقي في إبان فترة محدودة من دون أن يصاحب ذلك أي تغيرات بنيانية. في حين أن التنمية الاقتصادية تعدّ عملية يزداد بواسطتها الدخل القومي الحقيقي للنظام الاقتصادي في غضون فترة زمنية طويلة نسبيًا. ويتبع هذا النمو زيادة في الدخل القومي وفي نصيب الفرد، ومن خلال ذلك تتحسن أوضاع المواطنين وتتزايد قدرات الاقتصاد القومي. يصاحب ذلك تغيرات بنيانية، تتمثل بزيادة التراكم الرأسمالي، وترتفع معه نسبة مستويات الكفاءة الفنية، بل الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ككل. فالتنمية الاقتصادية عملية مستدامة.

 

وتعرف التنمية الاقتصادية بوجه عام على أنها العملية التي يحدث من خلالها تغير شامل ومتواصل، مصحوب بزيادة في متوسط الدخل الحقيقي، وتحسن في توزيع الدخل لصالح الطبقة الفقيرة، وتحسين في نوعية الحياة وتغير هيكلية الإنتاج. ووفق هذا التعريف، فإن التنمية تحتوي على عدد من العناصر أهمها:

ـ الشمولية، فالتنمية تغير شامل ينطوي ليس على العامل الاقتصادي فقط، وإنما أيضًا الثقافي والسياسي والاجتماعي.

 ـ حدوث زيادة مستمرة في متوسط الدخل الحقيقي فترة طويلة من الزمن، وهذا يوحي بأن التنمية عملية طويلة الأجل.

ـ حـدوث تحسن فـي توزيع الدخل لصـالح الطبقة الفـقيرة والتخفيف من ظاهرة الفقر.

ـ ضرورة التحسن في نوعية السلع والخدمات المقدمة للأفراد.

 

وقد دلت التجارب والدراسات المختلفة على نظرية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أن رأس المال يعدّ أحد أهم العناصر اللازمة توافرها لتحقيق القدر من التنمية، مع الأخذ في الاعتبار أهمية العناصر الأخرى[22]. والجدير بالذكر أن لقضية التنمية الاقتصادية بعد مجتمعي على مستوى العالم المتقدم أو النامي. وهي تعدّ هدفًا تسعى إليه جميع الدول من خلال العمل على الاحتفاظ بمعدل مناسب من التنمية، حتى يتحقق للمجتمع، على المدى البعيد، التوظف الكامل من دون حدوث تضخم أو انكماش. والهدف من التنمية هو زيادة معدلات النمو في الدخل القومي الحقيقي، أي الحد من البطالة والارتقاء بالمواطن وتحقيق آماله في حياة كريمة وفق معايير صحية وتعليمية واجتماعية وكل ما يجعل منه إنسانًا صالحًا مساهمًا في تقدم وطنه. إنها تهدف إلى رفاهية الإنسان، فهو وسيلتها وغايتها لبناء عالم أفضل يقضي على المعاناة الإنسانية.

وأبرز ما تنطوي عليه عملية التنمية هو إحداث تغيير جذري في هيكلية المجتمع على المستويات الاقتصادية والاجتماعية كافة، من أجل القضاء على مسببات التخلف بالقدر الذي يعالج أسباب الفقر، ويضمن حق المحتاجين في الموارد المتاحة في المجتمع، وتوفير الضمانات الاجتماعية لهم وتقديم الرعاية الصحية. هذه المعالجة تتضمن رؤية حول مفهوم التنمية الاقتصادية وأهدافها والسياسات المطلوبة لتحقيقها. والواقع أن العمل على وضع برامج للتنمية الاقتصادية أو الإسراع بها يهم الدول الغنية والفقيرة على حد سواء. فالدول الغنية ترغب في الاحتفاظ بمعدلات تنمية مرتفعة لتجنب الكساد والركود طويل الأمد. وما لم يكن معدل التنمية مرتفعًا، فإن هذه الدول قد تعاني زيادة الإنتاج عن الحدود المطلوبة مقابل الطلب الكلي (محلي وأسواق خارجية) ومن ثم تواجه مشكلة الكساد والركود والبطالة لأمد طويل. في حين تكون التنمية الاقتصادية مطلبًا ملحًا للدول الفقيرة كأحد الحلول اللازمة لمواجهة التطرّف والحد من تكريس التبعية. وترى أوساط الأمم المتحدة أن العوامل الاجتماعية من أكبر الأسباب في إشعال الصراعات. ومن ثم على استراتيجيات التنمية السعي إلى تحقيق التوزيع العادل للدخول والعوائد الاقتصادية والثروات للحيلولة دون تفجّر الصراعات، وهذا هو مقصد التنمية الاقتصادية[23].

 

أ-  أهداف التنمية الاقتصادية

تتمثّل أهداف التنمية الاقتصادية بزيادة الدخل القومي والارتقاء بمستوى معيشة الإنسان وتقليل الفجوة الداخلية، مع تعديل تركيبة هيكل الاقتصاد القومي لمصلحة قطاع الصناعة والتجارة. وتلك الأهداف هي، في واقع الأمر، بمنزلة علاج للمشكلات الناتجـة من الخصائص الأساسية التي تتمثل باقتصاديات الدول الفقيرة التي تعدّ دولاً منتجة للمواد الاولية وبعضها قابل للنفاد. هذه البلدان تواجه ضغوطًا سكانية وارتفاعًا في معدلات المواليد، وتمتلك موارد طبيعية لم يتم تطويرها نظرًا إلى ضعف الاستثمارات وخصوصًا بالبنية التحتية، إضافة إلى العجز في رأس المال نتيجة ضعف التراكم الرأسمالي بسبب نقص المدّخرات، وميل معدلات التبادل التجاري لغير صالحها، ما يجعل هذه الدول عرضة للتقلب الاقتصادي وتأثرها بالدورات الاقتصادية العالمية. كما أنها تعاني الخلل البنائي لأفراد المجتمع، من حيث انخفاض مستوى المدخول، وسوء توزيع العاملين في القطاعات الاقتصادية، وضعف الإنتاجية وانتشار الفساد الإداري، وعدم الشفافية، واختلال آليات السوق في غياب القوانين الكابحة للاحتكار، ثم الطغيان السلطوي والاستبداد.

 

فضلاً عن ذلك، هناك الدولة الغنية بالموارد والفريدة بالموقع وذات الموروث الثقافي والحضاري، ولكنها فقيرة بفعل الفساد والاستبداد وتحالف رأس المال غير المنتج مع غاسلي الأموال والمهربين والمتهربين. لا بد من سياسات وإجراءات يتعيّن على الدول انتهاجها كأساس لتحقيق أهداف التنمية. إذ يرى الاقتصاديون أن وجود مناخ وبيئة مؤاتيين لأي نشاط اقتصادي هو نتاج لمجموعة من السياسات التي تم حصر أهمها بما يلي: ترشيد السياسات المالية والنقدية وإدارة الدين الخارجي وخدمته، وهي عناصر رئيسة وضرورية للنمو الاقتصادي الحقيقي المستمر. وينبغي أن تهدف السياسات المشار إليها إلى زيادة المدّخرات وتوجيهها للاستثمار في مشاريع تعمل على زيادة معدلات النمو الاقتصادي، على أن يصاحب ذلك وضع حزمة من التشريعات تعمل على بث الإحساس بالثقة لدى المستثمر الأجنبي، ما يحول وظاهرة تهريب الأموال. كما يجب تنمية الصادرات التي يعدها الاقتصاديون بمثابة قاطرة النمو، ووضع التشريعات اللازمة للحد من الاحتكارات، وتحقيق مبدأ السوق الحرة على أسس إقتصادية سليمة توفر المنتوجات بالمواصفات المطلوبة وبالأسعار المناسبة من دون التجرّؤ على حق المواطن في اختيار المنتج الملائم وبالسعر المناسب. هذا بالإضافة إلى توفير البنية التحتية من مواصلات واتصالات وطرق ومنح الإعفاءات الضريبية والجمركية بالقدر الذي لا يؤثر سلباً في الصناعات الوطنية القائمة[24].

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.