“مستقبل التكامل السياسي الخليجي”

“مستقبل التكامل السياسي الخليجي”

د. محمد بن هويدن / رئيس قسم العلوم السياسية–جامعة الإمارات

 

  1. 1. مقدمة

أصبح الحديث عن مستقبل مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الفترة الأخيرة محور اهتمام السياسيين والباحثين في منطقة الخليج، لاسيما بعد الدعوة التي وجهها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز لإقامة اتحاد خليجي من خلال الكلمة التي ألقاها في القمة الخليجية الثانية والثلاثين المنعقدة في الرياض في ديسمبر 2011. هذه الورقة تدرس مستقبل التكامل السياسي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والفرص المتاحة أمام فكرة إنشاء اتحاد خليجي. وتعتمد الورقة في ذلك على المنهج التحليلي الذي يعمل على تحليل الحالة من خلال التطرق إلى جملة الأحداث والعوامل المؤثرة فيها من مختلف الجوانب، والوقوف على الأسس النظرية المفسرة للحالة؛ والمنهج المقارن الذي يحاول الوقوف على بعض التجارب التكاملية القائمة في العالم ومقارنتها بحالة التكامل بين دول مجلس التعاون لمعرفة فرص نجاح فكرة الاتحاد الخليجي.

تهدف الدراسة إلى وضع إطار علمي لفهم واقع ومستقبل التكامل السياسي بين دول مجلس التعاون الخليجي من أجل المساعدة في بلورة الأفكار لتطوير حال التعاون بين دول المجلس بشكل علمي ومنطقي بعيداً عن الميول العاطفية. وتكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تتناول موضوعاً هو الأبرز في علاقة دول مجلس التعاون في الوقت الراهن، حيث المساعي حثيثة من البعض نحو الدفع بالتعاون الخليجي إلى مرحلة جديدة وأكثر تطوراً مما هو عليه الآن، أي تغيير الوضع القائم بوضع جديد.

 

 

  1. 2. الإطار النظري للتكامل الإقليمي

يعتبر التعاون الإقليمي من الظواهر الهامة في العلاقات الدولية خلال الستين سنة الماضية، إلى درجة أن البعض يطلق على هذه الفترة مصطلح “عصر التجارب الإقليمية Era of Regionalism”([1]). ففي هذه الفترة برزت العديد من المنظمات الإقليمية التي عبرت بشكل واضح عن التعاون الإقليمي مثل الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أبرز تلك المنظمات، واتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا (NAFTA)، وميركوسور في أمريكا اللاتينية (Mercosur)، وجماعة التنمية الإفريقية الجنوبية (SADC)، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة جنوب شرقي آسيا (ASEAN)، والتعاون الاقتصادي الآسيوي الباسفيكي (APEC)؛ وفي المنطقة العربية هناك الجامعة العربية، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية.

إن التعاون الإقليمي هو نتاج نظرية التكامل (Integration Theory) التي تعتمد على فكرة أن الدول في إقليم معين تكون أقل قدرةً وتأثيراً في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار من خلال اعتماد كل دولة على نفسها، بل وإن هذه الأهداف تتحقق بشكل أكبر في حالة التعاون بين دول الجوار الإقليمي من خلال التكامل في منظومة معينة. عرّف ليون ليندبيرغ (Leon Lindberg) التكامل الإقليمي بأنه: “العملية التي تتجاوز من خلالها الدول الرغبة والقدرة على وضع السياسة الخارجية وأبرز السياسات المحلية بشكل مستقل عن بعضها بعضاً نحو وضع قرارات مشتركة أو تفويض عملية صنع القرار لجهاز مركزي جديد”([2]). ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وأطروحة التكامل تتجاذبها فكرتان أساسيتان هما: فكرة التكامل الفوق قومي (OnalSupranati) وفكرة التكامل بين حكومات الدول (Intergovernmental).

2.1. التكامل الفوق قومي

إن فكرة التكامل الفوق قومي ظهرت بدرجة أساسية مع بدء التكامل الإقليمي في أوروبا مع الجماعة الأوروبية في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، حيث شكل ذلك تحدياً واضحاً لسيطرة الفكر الواقعي والفكر الليبرالي وفشلهما في تحقيق الأمن والسلم العالميين مع نشوب الحرب العالمية الثانية. تعتمد فكرة التكامل الفوق قومي على تقييد سيادة الدول من خلال موافقة دولتين أو أكثر على إنشاء أجهزة جديدة لصنع القرار تتجاوز السلطة السيادية للدول([3]). ومن أنواع هذا التكامل التالي:

2.1.1. الفيدرالية

تعتمد الفيدرالية على قيام كيان سياسي جديد تذوب لصالحه سيادة الكيانات السياسية الأخرى، كأن تتفق دولتان أو أكثر على الانضمام في كيان سياسي جديد تنشأ على أساسه دولة جديدة بدستور جديد ومؤسسات جديدة وقوية. الأمثلة على ذلك عديدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الولايات المتحدة وكندا وألمانيا والهند ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث اتفقت الكيانات السياسية في مثل تلك الدول على إقامة حكومة اتحادية مركزية لها صلاحيات قوية في بعض المجالات التي تتفوق من خلالها على صلاحيات الكيانات السياسية([4]).

2.1.2. الوظيفية

تعدّ المدرسة الوظيفية (Functiolnalism) إحدى أهم مدارس التكامل. ومن أوائل الذين تحدثوا عن التكامل الوظيفي ديفيد ميتراني (David Metrany)، الذي اعتبر أن الدول تسعى للتكامل فيما بينها لأن المجتمع المعاصر خلق مشاكل تقنية غير سياسية تجعل من الصعب على السياسيين حلها، الأمر الذي أوجب إشراك المختصين والخبراء في ذلك؛ وجعل كذلك من الصعب على كل دولة حلها بمفردها، لذلك تأتي الحاجة إلى العمل المشترك بين الدول بعضها مع بعض. وعليه برزت عملية التكامل الدولي من خلال قيام الدول بإنشاء أجهزة تتولى وظيفة مواجهة قضايا ومشاكل معينة، وهذه الأجهزة تأخذ من الدول بعض الصلاحيات التي تتمتع بها في مثل تلك المجالات. بناءً على فكرة ميتراني فإن نجاح الدول في مواجهة المشاكل في مجال معين سيؤدي إلى التأثير في فتح العمل المشترك في مجالات أخرى، فالعمل على سبيل المثال لإقامة سوق مشتركة سيولد ضغطاً نحو تعاون في مجالات أخرى مثل الأسعار، الاستثمار، التأمين الرسوم الجمركية، الضرائب، والسياسات المالية([5]). الأمر الذي يحقق ما سماه ميتراني المعادلة الإيجابية (Positive-sum game) في علاقة الدول ببعضها بعضاً، والتي تتطلب التعاون كبديل عن المعادلة الصفرية (Zero-sum game) عند الواقعيين التي تتطلب المنافسة([6]).

2.1.3. الوظيفية الجديدة

تؤمن الوظيفية الجديدة (Neofunctionalism) بأسس المدرسة الوظيفية، لكنها أضافت إليها البعد السياسي. يُعتبر إيرنست هاس (Ernst Haas) أبرز مؤسسي هذه المدرسة. لقد أدرك هاس صعوبة فصل القضايا التقنية عن القضايا السياسية، واعتبر أنه دائماً ما تكون هناك رغبة سياسية نحو التكامل الإقليمي لا سيما من قبل بعض الجماعات التي لها مصلحة في التأثير في السياسة العامة لصالحها. مثل تلك الجماعات ستعمل على إنشاء أجهزة رسمية عليا بين الدول لفرض الاتفاقيات التكاملية التي تحقق مصالحها وتكون لها درجة من الاستقلالية عن حكومات الدول الأعضاء([7]). ولقد أشار هاس إلى أن الولاء للعمل التكاملي يأتي نتيجة للنجاحات التي يمكن أن يحققها ذلك العمل، حيث إن شعوب الدول قد تغير من ولائها لصالح العمل الإقليمي المشترك إذا ما أحست بأن هناك نجاحات استطاع ذلك العمل أن يحققها ويلامس من خلالها حاجات تلك الشعوب([8]). ولقد أيد هاس فكرة ميتراني بعملية التأثير، أي أن النجاحات التي تتحقق تؤدي إلى التأثير في الدخول في مجالات جديدة من التعاون والتنسيق والتكامل بين دول التكامل الإقليمي.

 

 

2.2. التكامل الحكومي

إن فكرة التكامل الإقليمي بين حكومات الدول تعتمد على مركزية احترام سيادة الدول في إطار التعاون الإقليمي أو الدولي، ومن المدارس التي تركز على هذا النوع من التكامل ما يلي:

2.2.1. النظرية الواقعية والواقعية الجديدة (Realism/ Neorealism)

تعتبر هذه المدرسة أن الدولة هي وحدة واحدة وهي أساس العلاقات القائمة في النظام الدولي، وبالتالي من الضروري أن تعمل للمحافظة على كيانها وسيادتها. وبناءً على فكرها القائل بأن النظام الدولي نظام غير هرمي التراتبية، أي أن الحكومة العالمية تغيب فيه، وبالتالي تغيب الآلية لمنع سوء السلوك بين الدول فإن الدول تسعى بنفسها لحماية نفسها عن طريق السعي لرفع قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية وفق مبدأ توازن القوة([9]). فالدول تعمل على الحفاظ على سيادتها؛ والتعاون الإقليمي هو من الأمور الواردة في هذه النظرية لا سيما في المجال الأمني لتحقيق المصلحة الوطنية للدولة، إلا أن التعاون لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل المحافظة على كيان الدولة واستقلالها وسيادتها. لذلك فهي تعتبر أي محاولة للتعاون والتكامل الإقليمي ليست إلا من أجل حماية أمن الدول الأعضاء أولاً وقبل كل شيء والحفاظ على استقلال الدول وسيادتها، فالدول لا تتحالف فيما بينها إلا لوجود أخطار مهددة لأمنها، شريطة ألا يهدد ذلك التحالف استقلال الدول وسيادتها؛ فالدول تتكامل إقليمياً نظراً لتحقيق التوازن في القوة معدول أخرى تمثل تهديداً أو خطراً لها.

 

2.2.2. نظرية النظام(Reglime Theory)

هذه النظرية تتوافق مع الواقعية والواقعية الجديدة في أن الدولة هي الوحدة الأساسية في النظام الدولي، إلا أن هذه النظرية متفائلة بشكل كبير حول فكرة قدرة المؤسسات والأجهزة الدولية في المساعدة بشكل مشترك على خلق وتطوير أجندة مشتركة للدول. هذه النظرية تعتبر أن النظام الدولي ليس هرمياً بل أفقي – كما هو حال الواقعية والواقعية الجديدة – إلا أنها ترىب أنه يمكن تجاوز هذا الأمر من خلال خلق مؤسسات دولية تضع القواعد والقوانين المنظمة لعلاقات الدول، على ألا تفقد الدول سيادتها. وتعتبر هذه النظرية أن التكامل الإقليمي هو المرحلة الأولى نحو تحقيق التكامل الدولي لأنه يخلق درجة من الاعتماد المتبادل بين الدول، وهو ما تختلف فيه عن الواقعية والواقعية الجديدة التي تركز على أن الدول تسعى للحصول على القوة وتحقيق المصلحة الوطنية وليس السعي للتكامل([10]).

2.2.3. الكونفيدرالية

النظام الكونفيدالي هو نظام يتكون من دولتين أو أكثر، تحتفظ من خلاله الدول على استقلالها وسيادتها بحيث تظل عملية صنع القرار والسيادة غير مهددة. فالدول تتعامل فيما بينها بشكل متكافئ وغير هرمي، ومن دون وجود سلطة أعلى. الهدف من هكذا نظام هو زيادة الأرباح السياسية والاقتصادية، والتقليص من فرص الصراعات، والعمل على إدارة الأزمات([11]).

  1. التكامل السياسي

من العرض السابق يتضح أن هناك درجات متفاوتة من التكامل الإقليمي بين الدول، فهناك التكامل الذي يؤدي إلى فقدان الدولة لسيادتها بشكل شبه كامل كما هو الحال في الخيار الفيدرالي، وهناك التكامل الذي يؤدي إلى فقدان الدول لجزء من سيادتها كما هو الحال في الترتيبات التكاملية الوظيفية والوظيفية الجديدة، وهناك التكامل الذي يؤدي إلى إبقاء الدول على سيادتها بشكل كامل كما هو الحال مع التحالفات التي تقيمها الدول للحفاظ على أمنها وفقاً للنظرة الواقعية والواقعية الجديدة، ونظرية النظام، والكونفيدرالية. كما أن البعض يصفها كمقياس scale من الصفر إلى العشرة؛ الصفر تعني عدم وجود تكامل بين دولتين أو أكثر، والعشرة تعني تكاملاً كاملاً بين دولتين أو أكثر يؤدي إلى قيام دولة جديدة([12]). التكامل الإقليمي يعتمد على ما تراه الدول في إقليم معين بأنه الأنسب لها. معظم أشكال التكامل الإقليمي القائم في العالم هي أشكال تقوم على أساس التكامل الحكومي، حيث تعتمد المحافظة على استقلال الدول وسيادتها، ولكن الاستثناء الأبرز هو الاتحاد الأوروبي الذي استطاع تجاوز ذلك نحو خلق سلطة فوق سلطة الدول تتمتع ببعض الصلاحيات التي تفوق صلاحيات الدول الأعضاء؛ حتى إن البعض بدأ يتحدث عن وجود “حكم فوق قومي Supranational Governance” وذلك عندما يتحدثون عن الاتحاد الأوروبي([13]).

يعتبر التكامل السياسي أحد أهم مداخل الاندماج بين الدول([14]). ويحدث التكامل السياسي عندما تقرر دولتان أو أكثر رغبتهما في الاندماج السياسي وتكوين وحدة سياسية جديدة، أو عندما تقرر إنشاء سلطة سياسية أعلى تنظم بعض الشؤون السياسية المشتركة بها سواء كانت داخلية أم خارجية أم كليهما. ولقد حدد تشارلز بنتلاند (Charles Pentland) التكامل السياسي بأنه عملية ترتبط بتراجع أو إنهاء القوة السيادية للدولة الحديثة([15])، وذلك بالطبع لصالح وحدة سياسة جديدة أو لصالح سلطة سياسية أعلى.

لكن أدبيات التكامل السياسي وممارساته العملية تشير إلى أن التكامل السياسي يتطلب درجة من التقدم في التكامل غير السياسي بين الدول الراغبة في التكامل السياسي قبل الخوض في التكامل السياسي([16]). ولعل التراتبية الأبرز في التحول التكاملي بين الدول – وفقاً لتلك الأدبيات والممارسات – هو أن الدول تبدأ بالتكامل الاقتصادي والتكامل الاجتماعي والتكامل الأمني، أي الاعتماد على المسائل التقنية في التكامل فيما بينها قبل التحول إلى التكامل السياسي. فالتكامل السياسي هو عملية أكثر تقدماً في عملية التكامل الإقليمي، حيث إن نجاحه يتطلب النجاح في التكامل الاقتصادي والاجتماعي والأمني بالدرجة الأساسية([17]). لقد حدد ليندبيرغ التكامل السياسي بأنه عملية تأتي كنتاج لنجاح التكامل الإقليمي بين الدول([18]). وأكدكارل دويتش (Karl Deutsc) أن التكامل السياسي هو أيضاً يعتمد على الإنجاز الفعلي المتحقق من التكامل القائم بين الدول وليس على المدة الزمنية التي قضاها التكامل الإقليمي بينها([19]). فالتكامل السياسي يأتي كمحصلة لنجاح التكامل القائم في المجالات الأخرى ونتيجة لتزايد حجم الاعتماد المتبادل القائم بين الدول. وهو ذات الأمر الذي أكد عليه هاس في تطرقه للحديث عن نظرية النظام.

يعتبر التكامل السياسي أعلى مراحل التكامل القائم بين الدول، حيث إنه يعكس رغبة فعلية نحو السير بالتكامل الإقليمي لدرجات متقدمة، لكنه في ذات الوقت يعتبر أكثر مراحل التكامل صعوبة في الوصول إليه. وتكمن صعوبته في التالي:

  1. إن السياسيين عادة ما يتخوفون من فقدان مناصبهم، وبالتالي سلطتهم التي كانوا يتمتعون بها لصالح سلطة مشتركة بين الدول؛
  2. إن غياب التوازن بين الدول الأعضاء في إقليم معين يجعل الدول الصغرى تتردد في الدخول في تكامل سياسي مع الدول الأكبر خوفاً من فرض الدول الكبرى هيمنتها على منظومة التكامل القائمة؛
  3. رغم أن التكامل قد يؤدي إلى مكاسب اقتصادية مهمة فإن الحكومات تتخوف من الدول الأكثر قوة في ذلك التكامل عندما تأتي عملية التوزيع لتلك المكاسب في المستقبل؛
  4. تخوف حكومات الدول من أن وجود سلطة فوق قومية بصلاحيات قوية قد يؤدي إلى اتخاذ خطوات يمكن أن تعتبر في بعض الدول معارضة للأهداف الوطنية لتلك الدول([20]).

وبالنظر إلى ممارسات التكامل السياسي القائمة في العالم نستطيع القول بأن هناك مجموعة من الشروط العامة التي من الواجب توافرها لضمان نجاح التكامل السياسي الإقليمي بين الدول، وهي:

  1. الاشتراك في القيم: حيث لا بد لدول التكامل السياسي أن تتمتع بوجود قيم سياسية مشتركة تؤمن بها. فالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، وباعتباره من أنجح ممارسات التكامل السياسي الإقليمي، تشترك دوله في مجموعة من القيم والمبادئ السياسية التي تضمن استمرار هذا التكامل، وهي القيم والمبادئ الليبرالية الملتزمة بالاشتراك في حماية حقوق الإنسان الطبيعية والقانونية. ولعل تجارب التكامل السياسي الناجحة عادة ما تحدث بين دول تعتبر قد تجاوزت مرحلة المعاصرة إلى ما بعد المعاصرة بناءً على نظرية باري بوزان وأولي وايفر، حيث تصبح الدول أكثر انفتاحاً وتسامحاً مع الانخراط الثقافي والاقتصادي والسياسي بين دول الإقليم، وأكثر قناعة بأن ذلك يعتبر أمراً ضرورياً نحو تحقيق الازدهار والاستقرار([21]).
  2. القناعة بأهمية التكامل السياسي: حيث لا بد لدول التكامل السياسي أن تكون مقتنعة بأهمية وجود التكامل السياسي حتى يتمكن هذا التكامل من أداء واجباته والتزاماته على أكمل وجه. والقناعة تأتي ليس عن طريق النخب الحاكمة لأن ذلك يعرض التكامل القائم إلى خطر التفكك في حال تغير النظام السياسي، ولكن تأتي عن طريق موافقة شعوب دول التكامل الإقليمي بالتحول نحو التكامل السياسي. فالدول الأوروبية تعتمد آلية إشراك الشعوب الأوروبية في قرارات الانضمام للاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعله أكثر قوة من غيره من التنظيمات التكاملية السياسية في العالم.
  3. الإحساس بالأمان: حيث لا بد لدول التكامل السياسي الإقليمي بأن تحس بالأمان في ظل منظومة التكامل القائمة، بحيث لا تعمل القوى الكبرى في التكامل على فرض ثقافتها وأسلوبها وأجندتها على الدول الأعضاء في المنظومة. وهنا يتطلب الأمر وجود ما يسمى بـ “جماعة الأمنSecurity Community ” والتي يتوفر من خلالها ضمان حقيقي بأن أعضاء تلك الجماعة لن يدخلوا في صراعات مسلحة مع بعضهم بعضاً، وإنما سيعملون على حل مشاكلهم بالطرق الأخرى البعيدة كل البعد عن التهديد والوعيد واستخدام العنف([22]). وهذا هو حال أوروبا التي نجحت ممارستها التكاملية في تحقيق أكثر من ستين سنة من الأمن والسلم الأوروبي، مُنهية فترة تاريخية كانت أوروبا هي مركز الصراعات والحروب في العالم. وكذلك فإن هذا الأمر يتطلب التوزيع العادل للأدوار بين الدول الأعضاء في منظومة التكامل الإقليمي، بحيث لا تنفرد دولة أو دولتان بجميع الأدوار أو معظمها، بل لا بد من إشراك الجميع للإحساس بأنهم شركاء متساوون في التكامل السياسي. ففي أوروبا مثلاً نجد أن العاصمة الأوروبية للاتحاد ليست في أكبر عاصمة في أوروبا وإنما في دولة أوروبية صغيرة هي بلجيكا، ومحكمة العدل الأوروبية في لكسمبورغ، والبنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت.
  4. ضمان الاستمرارية: حيث لا بد لمنظومة التكامل الإقليمي أن تتوفر فيها آلية لضمان التزام الدول بالمبادئ الأساسية الحاكمة لمنظومة التكامل القائمة، والتزام الدول بمخرجات العملية السياسية بشكل عادل ومنصف حتى يتم ضمان استمرار التكامل السياسي.
  5. عدم التباين الكبير في المجال الاقتصادي: حيث من المفترض أن تكون الدول الأعضاء في التكامل السياسي متقاربة في حجمها ومواردها وأنظمتها الاقتصادية.
  6. الاشتراك في الهدف: حيث من الواجب أن تشترك الدول الأعضاء في التكامل السياسي في الهدف الذي تصبو الدول إلى تحقيقه من وراء هذا التكامل.
  7. التكامل الإقليمي الخليجي

يعتبر مجلس التعاون لدول الخليج العربية منظومة إقليمية نشأت من رحم فكرة أطروحة التكامل الإقليمي، حيث اقتنعت دول الخليج العربية الست (المملكة العربية السعودية، دولة الإمارات العربية المتحدة، سلطنة عمان، دولة الكويت، دولة قطر، ودولة البحرين) بأن أمنها واستقرارها وازدهارها لا يمكن أن يتحقق بشكل فاعل من خلال انفراد كل دولة واعتمادها على نفسها في تحقيق ذلك، بل إنها بحاجة إلى أن تتكامل في منظومة تعاونية إقليمية، تضع نصب عينيها العمل المشترك لتحقيق تلك الأهداف. لقد كانت الأفكار الخليجية لإقامة تكامل خليجي في فترة السبعينيات تنصب في ثلاثة مشاريع رئيسية: المشروع الأول كان المشروع الكويتي، والمشروع الثاني كان المشروع العماني، والمشروع الثالث هو المشروع السعودي.

المشروع الكويتي كان يدعو إلى إقامة اتحاد خليجي على غرار منظمة آسيان يعتمد على التعاون في مجالات الاقتصاد والثقافة، وإقامة منطقة محايدة تعتمد على نفسها في تحقيق الأمن، وذلك رغبة في إبعاد المنطقة عن إشكاليات صراع المعسكرين في فترة الحرب الباردة.

المشروع العماني كان يدعو إلى إقامة علاقات عسكرية استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، تشمل مراقبة مشتركة للمياه البحرية في مضيق هرمز.

والمشروع السعودي كان يدعو للتعاون والتنسيق بين دول المجلس لا سيما في مجال المساعدة في تحقيق الأمن الداخلي([23]).

كل طرف كان يعكس وجهة نظره تلك حول التكامل المطلوب من منظور مصلحته، حيث إن الكويت كانت تقيم علاقات مع الاتحاد السوفييتي ولم تكن تود أن تظهر متحالفة مع واشنطن ضد موسكو، وعمان كانت مهتمة بالدرجة الأساسية بتأمين الملاحة في مضيق هرمز الذي تتشارك في إدارته مع إيران، أما السعودية فقد كانت تعاني مشاكل أمنية داخلية فأراد تدعم الدول الخليجية لها. إلا أنه وبعد مشاورات بين الدول الخليجية تم الاتفاق على مجلس التعاون بشكله الحالي([24]).

تمثلت أهداف مجلس التعاون في السعي لتحقيق التالي:

  1. تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها.
  2. تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.
  3. وضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين بما في ذلك الشؤون الاقتصادية والمالية، الشؤون التجارية والجمارك والمواصلات، الشؤون التعليمية والثقافية، الشؤون الاجتماعية والصحية، الشؤون الإعلامية والسياحية، والشؤون التشريعية والإدارية.
  4. دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشاريع مشتركة وتشجيع تعاون القطاع الخاص بما يعود بالخير على شعوبها)[25](.

يعتبر العامل الأمني هو المحدد الأساسي وراء قيام المجلس بالدرجة الأساسية، والمتمثل في العمل المشترك على مواجهة الأخطار التي كانت مُحدقة بالمنطقة خلال تلك الفترة، والمتمثلة في الوجود السوفييتي في أفغانستان والتهديدات الشيوعية للمنطقة، والثورة الإسلامية في إيران وسعيها لتصدير فكرها، والحرب العراقية – الإيرانية وإمكانية اتساعها([26]). لذلك سعت دول الخليج للتكامل فيما بينها بهدف مواجهة تلك الأخطار الأمنية. مع العلم أن محاولة التكامل بين دول المنطقة في فترة ما قبل الحرب العراقية – الإيرانية لم يكتب لها النجاح بسبب سعي كل من العراق وإيران إلى تحقيق هيمنتها على المنطقة من خلال رغبتها في الانضمام إلى مساعي التكامل([27]). لذلك ولد مجلس التعاون بعد اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، واستطاعت دوله النجاح في مواجهة الكثير من الأخطار بشكل مشترك من خلال الاعتماد على فلسفة التنسيق المشترك لمواجهة الأخطار المهددة لأمن المنطقة. وإن لم تكن الاستراتيجية الأمنية لدول الخليج موحدة ولم تنجح كذلك في خلق ما يسمى بجماعة الأمن بسبب اعتمادها على الترتيبات الأمنية الثنائية بين كل واحدة منها والقوى الدولية الحليفة وليس عن طريق الاندماج العسكري([28])، إلا أن التنسيق المشترك فيما بينها في ظل منظومة مجلس التعاون ساعد على تحقيق الأهداف الأمنية المشتركة. ولعل ذلك كان واضحاً في موقف دول الخليج من الوجود السوفييتي في أفغانستان، ومن الثورة الإيرانية، والحرب العراقية – الإيرانية، والغزو العراقي للكويت، ومحاربة الإرهاب، والاجتياح والاحتلال الأمريكي للعراق، وتطورات الأحداث في البحرين مع ما يسمى بـ “الربيع العربي”. كما أن تكاملها الإقليمي ساعد على تحقيق التعاون والتنسيق في مجالات الاقتصاد من خلال إنشاء الاتحاد الجمركي الخليجي والتوجه نحو الاتحاد النقدي، وهو ما ساعد على زيادة حجم التجارة البينية بين دول المجلس بشكل كبير([29]). ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العامل الأمني هو في الأغلب العامل الأبرز وراء التكامل الإقليمي في مختلف الممارسات القائمة في العالم([30])؛ فالاتحاد الأوروبي قام أساساً رغبة في تحييد خطر ألمانيا ومنع قيام حرب عالمية جديدة على الأرض الأوروبية([31])، وآسيان أنشئت أيضاً لمواجهة الخطر الشيوعي في المنطقة، وكذلك نافتا التي قامت لمواجهة خطر الهجرة غير الشرعية الآتية من المكسيك؛ مجلس التعاون الخليجي قام أيضاً لتحقيق التوازن في مواجهة الأخطار الخارجية([32](.

إن طبيعة التكامل الخليجي قائمة على أساس أسلوب التكامل بين حكومات الدول وفقاً للنظرة الواقعية والواقعية الجديدة التي تحتفظ من خلالها الدول بصلاحياتها وسيادتها ولا سيما فيما يتعلق بعملية صنع القرار. فمجلس التعاون الخليجي أقرب ما يكون إلى أنه يجسد التعاون الكونفيدرالي من غيره من الأشكال التعاونية. ورغم وجود بعض المؤسسات والأجهزة التي يمكن أن ينظر إليها على أنها وظيفية مثل درع الجزيرة والاتحاد الجمركي فإن الدول لم تتنازل عن صلاحياتها لمثل تلك المؤسسات والأجهزة، فبقيت مثل هذه المؤسسات والأجهزة غير قادرة على القيام بمهامها التي من المفترض أن تعكسها النظرية الوظيفية أو الوظيفية الجديدة في العمل التكاملي بين دول المجلس. فمثل هذه الترتيبات هي أقرب إلى فكرة نظرية النظام التي تؤكد أن هذه المؤسسات والأجهزة هي ضرورية لوضع الضوابط المساعدة على تحقيق التكامل، ولكنها لا تفقد الدول سيادتها وقوتها في اتخاذ القرارات. فالتكامل الخليجي موجود، حيث إن هناك درجة كبيرة من التعاون المستمر والمؤسسي بين دول المجلس، والذي يعمل على خلق التجانس بين سياساتها، إلا أن هذا التكامل لم يؤدّ إلى عملية مأسسة قوية وناجحة للعمل التكاملي بين دول المجلس من خلال خلق أجهزة فوق قومية ذات صلاحيات قوية كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي، الذي حددت معاهدة لشبونة 2007 صلاحيات كل من الاتحاد وصلاحيات الدول الأعضاء والصلاحيات المشتركة بين الطرفين.

  1. دعوة الاتحاد الخليجي

أتت فكرة الاتحاد الخليجي لتحويل التعاون الخليجي من مرحلة التنسيق إلى مرحلة الاتحاد بدعوة من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في القمة الخليجية الـ 32 في الرياض عام 2011. ويمكن التوقف هنا عند بعض الملاحظات الرئيسية حول هذه الدعوة:

  1. إن هذه الدعوة ليست بدعوة غريبة أو جديدة على عمل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لأن الهدف الأول من أهداف المجلس المحددة في النظام الأساسي تشير إلى تحقيق غاية وحدة الدول الأعضاء في المجلس من خلال “تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها”.
  2. إن العامل الأبرز وراء هذه الدعوة هو العامل الأمني، حيث إن العاهل السعودي قد ذكر خلال دعوته لفكرة الاتحاد أن الخليج “مستهدف في أمنه واستقراره”، وأضاف “نجتمع اليوم في ظل تحديات تستدعي منا اليقظة، وزمن يفرض علينا وحدة الصف والكلمة، ولا شك أنكم جميعاً تعلمون أننا مستهدفون بأمننا واستقرارنا، لذلك علينا أن نكون على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقنا”)[33](. وعليه يمكن الربط بين ما يدور في المنطقة من أحداث ما يسمى بـ “الربيع العربي” ولا سيما تطورات الأحداث في البحرين والتدخل الإيراني في الشأن البحريني وبين دعوة العاهل السعودي للاتحاد.
  3. إن الدعوة جاءت مفاجئة لقادة وشعوب دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لم تكن هناك ترتيبات أو مشاورات مسبقة حول الفكرة بين قادة دول المجلس أو الترويج لها بين شرائح المجتمع الخليجي.
  4. إن الدعوة جاءت مفتوحة لدول المجلس لتحديد خطوط الاتحاد العامة، أي أنها لم تأت في شكل برنامج محدد وواضح من قبل الطرف الذي اقترح الفكرة، وإنما تُرك الأمر لدول المجلس لتحديد شكل الاتحاد وطبيعته.

يتراوح الموقف الرسمي لدول مجلس التعاون من الدعوة لإقامة اتحاد فيما بينها بين المؤيدين، والقابلين، والمترددين، والمعارضين. بالنسبة للمؤيدين، فإنهم يرفعون راية الدعوة لإقامة اتحاد خليجي بحجة أن المنطقة الخليجية تتعرض للعديد من الأخطار التي تتوجب مواجهتها بشكل مشترك لا سيما أخطار التدخل الإيراني في شؤون المنطقة الخليجية وتداعيات أحداث ما يسمى بـ “الربيع العربي”. ولا يبدو أنهم على ثقة كاملة في أن الولايات المتحدة والغرب سيقف معهما في حال تفاقم المطالب الشعبية في المنطقة الخليجية. فمشروع هؤلاء لمواجهة تلك الأخطار هو الاتحاد الخليجي، ويمثل هذا التوجه كل من السعودية صاحبة الفكرة والدعوة، والبحرين أكبر المتضررين الخليجيين من تداعيات “الربيع العربي” والتدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي. وبالنسبة للقابلين فإنهم أولئك الذين لا يودون الظهور على أنهم ضد الاتحاد الخليجي، وبالتالي وقفوا مع دعوة العاهل السعودي إلا أنه لم يبرز منهم موقف رسمي قاطع بعدُ من الاتحاد، وهذا الموقف تمثله قطر بالدرجة الأساسية والكويت بدرجة أخرى، رغم أن هناك تخوفاً داخلياً كويتياً من أن الاتحاد قد يؤثر في الحياة البرلمانية فيها. أما عن قطر فلم تقل لا للاتحاد ولم تبرز تحفظات حول فكرته. ولعل الموقف القطري وراءه القناعة بأن الاتحاد لن يمضي، لذلك لم يرد أن تظهر الدوحة على أنها هي المعرقلة للاتحاد في الوقت الذي تسعى فيه قطر للحصول على دعم سعودي حول سوريا. وبالنسبة للمترددين فهم الذين رحبوا بالدعوة، ولكنهم رفعوا بعض التحفظات التي تتمحور بدرجة أساسية في اعتبار أن الاتحاد مرحلة سابقة لأوانها، وأنه يجب أن يتم الاستعداد لها بشكل أكثر قوة بحيث يستطيع الاتحاد أن يكون اتحاداً قوياً لا اتحاداً مشوهاً غير قادر على تحقيق أهدافه؛ ومثلت هذا الموقف بشكل أساسي دولة الإمارات العربية المتحدة. أما بالنسبة للمعارضين فكانت نظرتهم قائمة على أن الاتحاد مرحلة متقدمة، وأن دول مجلس التعاون لم تلتزم بشكل كامل في الوفاء بالتزاماتها التكاملية في المجالات الأخرى حتى الآن، لذلك لا يمكن الذهاب به إلى أبعد مما هو عليه قبل أن يحقق نجاحات في وضعه الحالي؛ ولقد شكل هذا التوجه سلطنة عُمان، التي أعلنت على لسان وزير خارجيتها يوسف بن علوي أنها خارج الاتحاد ولن تُفرط في “استقلالية كيانها الذي تأسس منذ عهد الرسول (ص)”([34])، وأن عمان “ضد الاتحاد، ولكنها لن تمنعه” إذا ما أرادت الدول الخليجية الأخرى الذهاب إليه([35]).

إن عدم التحمس لفكرة الاتحاد من البعض، ورفضها من البعض الآخر، يمكن إرجاعه بشكل اساسي إلى العوامل التالية:

  1. الخوف من فقدان السيادة، فالاتحاد يعني ذوبان سيادة الدول أو بعضٍ من سيادتها لصالح وحدة سياسية جديدة أو لصالح جهاز جديد يتمتع بسلطات وصلاحيات سيادية([36]). فاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة أذاب الكيانات السياسية التي كانت قائمة قبل الاتحاد في كيان سياسي جديد، باسم جديد، وبسلطات وصلاحيات قوية في المجالات السيادية كالخارجية والدفاع والأمن. والاتحاد الأوروبي – النموذج الأبرز – أنشأ أجهزة فوق قومية استطاعت أن تأخذ بعض الصلاحيات من الدول الأعضاء في بعض المجالات، وأصبحت تلك الأجهزة صاحبة قرار ملزم للدول الأعضاء. لذلك فإن الخوف القائم هو من أن تؤدي إقامة اتحاد بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى فقدان الدول لسيادتها. فدول الخليج تتعامل مع العالم الخارجي من منظور عالم ويستفاليا الذي يحث الدول على أن تعمل على حماية سيادتها وعدم التنازل عنها لصالح أي طرف مهما كان، وهذا هو لب فلسفة الواقعية السياسية.
  2. التوجس من مفهوم الاتحاد، فهذا المفهوم يعني أن الدول لا بد أن تتحد فيما بينها سواء كان ذلك في غطاء اتحاد كامل مثل الاتحاد الفيدرالي أو اتحاد جزئي مثل الاتحاد الوظيفي. فمفهوم الاتحاد يحمل في طياته التزامات سياسية وقانونية وأخلاقية، الأمر الذي يجعل بعض الدول الأعضاء تتوجس من السير في تكامل إقليمي يحمل اسم اتحاد.
  3. الغموض في فكرة الاتحاد، حيث إن الفكرة لم تأت واضحة بشكل مباشر للجميع وكانت مجرد دعوة، وتم تشكيل لجان لمناقشتها. لذلك فإن عملية الترويج لفكرة الاتحاد أصبحت عملية صعبة للغاية في ظل الغموض السائد حولها. فهي لم تأت في شكل برنامج معروف ومحدد ليصبح أكثر فهماً للجميع.
  4. غياب الإحساس بالحاجة الفعلية للاتحاد، فدول مجلس التعاون – كل على حدة – تدرك أنها تعيش في عالم تتجاذبه الكثير من التطورات التي أصبح لها تأثير بالغ في دول منطقة الخليج العربي، إلا أنها تدرك أيضاً أن دول هذه المنطقة كانت منذ نشأتها السياسية تعاني تحديات وأخطاراً كبيرة، لكنها نجحت في مواجهتها من دون أن تفقد سيادتها لدول أخرى في الإقليم. فهناك إحساس لدى قيادات دول المنطقة لا سيما الدول الرافضة والمترددة للفكرة بأن دول الخليج قادرة على مواجهة الأخطار من دون الاتحاد فيما بينها، حيث إن الاتحاد لن يضفي شيئاً جديداً على أمن دول المنطقة باعتبار أن دول المنطقة لا تتعرض إلى تهديد مباشر. فالنظرة الفردية للدول تعتبر أنه ليس هناك حاجة لاتحاد لطالما أن التعاون الراهن القائم بين دول المجلس، والتحالفات الاستراتيجية القائمة بين دول المجلس والقوى الكبرى كفيلة بردع الأخطار عن المنطقة.
  5. الخوف من فقدان المكاسب، لا سيما وأن هناك دولاً استطاعت أن تحقق مكاسب سياسية واجتماعية واقتصادية أكبر بكثير من غيرها من الدول في الإقليم، وهي بالتالي تخشى أن تفقد مثل هذه المكاسب في حالة الدخول في اتحاد مع الدول الأخرى الأقل منها في مجال تحقيق مثل تلك المكاسب.
  6. الخوف من هيمنة ثقافة الأقوى، حيث إن دول مجلس التعاون تنقسم إلى مجموعتين: دول كبيرة في الحجم السكاني والجغرافي (السعودية وعمان)، ودول صغيرة في الحجم السكاني والجغرافي (الإمارات، الكويت، قطر والبحرين)؛ وبالتالي هناك تخوف من أن الدخول في اتحاد بين دول مجلس التعاون قد يؤدي إلى ذوبان هوية الدول الصغيرة في الحجم لصالح هوية الدول الكبيرة في الاتحاد، لا سيما إذا ما أدركنا حقيقة أن الأصول التاريخية الاجتماعية لمعظم مواطني الدول الصغيرة تعود بجذورها في الأساس إلى دول الخليج الكبيرة، الأمر الذي قد يفرض هيمنة الدول الكبرى في المنطقة على الدول الأصغر فيها. ولعل تأثير “الأخ الأكبر” في المنطقة الخليجية موجود منذ فترة وهناك إحساس من قبل الدول الصغيرة به([37](.
  7. عدم اكتمال فرص نجاح الاتحاد، حيث تعتقد الدول بأن الدخول في اتحاد في الوضع الراهن لن يؤدي إلى نجاحه نظراً لأن التكامل السياسي بحاجة إلى نجاحات للتكامل في مجالات أخرى مثل الأمور الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهي أمور ما زال مجلس التعاون عاجزاً عن تحقيق تكامل حقيقي فيها.
  8. الاختلافات القائمة بين دول مجلس التعاون في بعض القضايا لا سيما في السياسة الخارجية والتي من شأنها أن تعرقل عملية تحقيق التكامل السياسي، فهناك درجة من الحرب الباردة قائمة بين بعض دول مجلس التعاون لا سيما بين قطر والسعودية وبين السعودية وعمان، وقطر والبحرين، والإمارات وقطر، وهناك اختلاف قائم بينهم في نظرتهم للتهديدات وكيفية التعامل معها. فهناك من يعتبر إيران خطراً، وهناك من لا ينظر لها كذلك، وهناك من يتعامل مع الإخوان المسلمين ويدعمهم، وهناك من ينظر إليهم بالرفض ويواجههم ويعتبرهم خطراً على أمن المنطقة الخليجية.

 

  1. مستقبل التكامل السياسي الخليجي

من الواضح أن هناك وجهتي نظر قائمة حول مستقبل التكامل السياسي بين دول مجلس التعاون الخليجي. فهناك وجهة النظر التي تريد قيام الاتحاد، وبالتالي الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة جديدة هي مرحلة الاتحاد أياً ما كانت الصيغة؛ ووجهة النظر التي تريد الإبقاء على التعاون الخليجي باعتباره الركيزة الأساسية التي قام عليها مجلس التعاون الخليجي. وجهتا النظر هاتان لا تمثلهما حكومات الدول الأعضاء وحسب، وإنما أيضاً قطاعات واسعة من الشارع الخليجي في تلك الدول. وإن كان هذا الاختلاف أمراً صحياً إلا أن استمراره لن يؤدي إلى تعزيز التكامل السياسي الخليجي، بل من شأنه أن يضعف التعاون القائم. إن إعلان عُمان أنها خارج فكرة الاتحاد الخليجي، وأنها ستنسحب من المجلس في حال اتفقت الدول الخليجية على إقامة اتحاد فيما بينها([38]) جعل المنطقة أمام خطر تجزئة التكامل القائم بين دول مجلس التعاون، حيث إن إقامة اتحاد خليجي بأي شكل ما كان سينهي مجلس التعاون أو يضعف التكامل الذي تحقق في إطار المجلس؛ بالإضافة إلى أن وصول الخلافات بين دول الخليج العربية لدرجة سحب السفراء كما حدث في الحالة السعودية الإماراتية البحرينية مع قطر في مارس 2014 إنما يعطي مؤشراً على أن دول الخليج العربية مازالت لم تصل إلى المستوى المطلوب لإقامة اتحاد فعلي فيما بينها.

لذلك، فإن الحل الأمثل لمستقبل التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي يتمثل في الحل الوسط بين وجهتي النظر أعلاه، باعتبار أن الحل الوسط هو الحل الأمثل المقبول خليجياً لدى الجميع. ويتمثل هذا الحل في تفعيل مجلس التعاون الخليجي القائم في مجموعة من المجالات التي لا تفقد الدول من خلالها سيادتها بشكل كبير وواضح. وهذا الأمر ضروري لأنه من جهة يُرضي الدول الأعضاء بالحفاظ على سيادتها، ومن جهة أخرى يرضي الدول الساعية لتحقيق التكامل من خلال خلق الفرص التي من شأنها أن تعزز العمل التكاملي وفقاً لفلسفة الخطوة خطوة التي تنصح بها المدرسة الوظيفية والوظيفية الجديدة للتكامل الإقليمي والتي شاهدنا نجاحها في ممارسة الاتحاد الأوروبي. الحل الوسط من شأنه أيضاً أن يحافظ على التعاون القائم بين دول الخليج ولا يعرّض وجود هذا التعاون من خلال مجلس التعاون الخليجي إلى التفكك أو الضعف بسبب قيام منظومة أخرى منافسة لمجلس التعاون لا تضم جميع الدول. وهنا نقترح المحاور الثلاثة التالية باعتبارها محاور أساسية لتطوير العمل الخليجي المشترك لدرجة أكثر تعاوناً وقدرة على تحقيق الأمن والاستقرار لدول المنطقة.

  1. محور الأمن

هذا المحور ضروري للغاية، وهو المحرك الأساس للدعوة للاتحاد، وهو الذي من المفترض أن يأخذ الأولوية الأولى في عمل المجلس خلال الفترة القادمة. فالتغيرات التي تحدث من حول منطقة الخليج وفيها تشير إلى وجود بعض التطورات الأمنية التي تفرض على المجلس أن يتحرك في وضع استراتيجية دفاعية خليجية مشتركة تمكنه من إرسال رسائل واضحة بأن دول الخليج وحدة واحدة ضد الأخطار المهددة لأمنها واستقرارها، وهذه التطورات هي:

  • عدم قدرة مجلس التعاون على تشكيل قوة ردع قادرة على ردع الأخطار المهددة لأمن المنطقة، وكان ذلك واضحاً في عجز الترتيبات الأمنية من منع التهديدات والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج في أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، وعجزها عن ردع الخطر العراقي عن الكويت في 1990 – 1991، وعجزها عن ردع الأخطار الإيرانية المتمثلة في توغل عناصر الاستخبارات الإيرانية في الدول الخليجية.
  • الأخطار الإيرانية المتمثلة في تأجيجها للوضع في البحرين أثناء الأحداث الأخيرة لتداعيات ما يسمى بـ “الربيع العربي”، واكتشاف شبكة التجسس الإيرانية في الكويت، والدور الإيراني في تعزيز الطائفية في المنطقة.
  • نجاح إيران في أن تصبح مجاورة لدول الخليج العربية بعد تعزيز نفوذها وقوتها في العراق وسعيها لفعل ذات الأمر في اليمن.
  • تصاعد خطر الجماعات الدينية المسلحة مثل القاعدة والدولة الإسلامية وإمكانية تأثيرها في أمن المنطقة وتهديدها للدولة الوطنية.
  • بروز الإسلام السياسي وخطورته على الأنظمة المحافظة في المنطقة.
  • الخوف من الانكشاف الأمني الخليجي في حالة تراجع الدور الأمريكي في المنطقة لا سيما مع الانسحاب الأمريكي من العراق وأفغانستان وما يذاع حول إمكانية تحول اهتمامها نحو شرق آسيا.
  • إمكانية بروز سباق تسلح نووي في المنطقة مع امتلاك إيران للقنبلة النووية.
  • استمرار فرص حدوث حروب جديدة في المنطقة.
  • احتمال تخلي الولايات المتحدة والغرب عن تعهداتها بحماية منطقة الخليج العربي في يوم ما، فعلى سبيل المثال بالكاد تمت الموافقة على قرار شن الحرب على العراق في الكونغرس الأمريكي لإخراجه من الكويت؛ ومع دخول فنزويلا لتصبح المصدر الرئيس لواردات الولايات المتحدة من النفط وتراجع السعودية ومع سعي واشنطن لتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط ودخول الغاز الصخري في مرحلة الإنتاج قد يثير الشك في مدى استمرار واشنطن في حمايتها لدول المنطقة.
  • العمل المشترك لضمان عدم سقوط أي نظام سياسي خليجي.

هذه الأمور جميعها تفرض على دول الخليج العمل بشكل مشترك في مجال الأمن الدفاعي ووضع استراتيجية مشتركة قادرة على ردع تلك الأخطار. ونظراً للإمكانيات التي تتمتع بها دول المنطقة الخليجية يمكن الحديث – على سبيل المثال – عن الخيارات الثلاثة التالية:

  1. خيار إعادة إحياء فكرة الجيش الخليجي الموحد لتكون قوة عسكرية جاهزة لردع التهديدات الخارجية على دول المنطقة، مع إمكانية إبقاء الدول الخليجية على قواتها المسلحة المستقلة عن الجيش الخليجي الموحد، على أن تكون متناسقة معه.
  2. خيار تقوية قوة درع الجزيرة الحالية بشكل أكبر وأقوى مما هي عليه الآن لجعلها قوة عسكرية قادرة على مواجهة المخاطر التي يمكن أن تهدد أمن الدول الخليجية وتكون مساندة للقوات المسلحة الخليجية، على أن يشمل تعزيز هذه القوة كافة المجالات البرية والبحرية والجوية.
  3. خيار إنشاء منظمة دفاعية على غرار منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) تضم دول المجلس، بالإضافة إلى الدول الفاعلة كالولايات المتحدة وفرنسا أو حلف الناتو وبعض القوى الإقليمية الحليفة للدفاع عن أمن واستقرار المنطقة، باعتبار أن أمن واستقرار هذه المنطقة الحيوية للعالم بأسره هي مهمة دولية أكثر من أنها مهمة إقليمية وحسب. وفي هذا الخيار تطور هام لأنه سيحول المنطقة من تداعيات تأثير الترتيبات الأمنية الثنائية لدول المنطقة مع الدول الكبرى نحو تحقيق ترتيبات أمنية مشتركة لدول الخليج مع مثل تلك القوى.

لقد نجح التدخل الخليجي السريع في البحرين في توجيه رسائل واضحة إلى إيران بأن دول الخليج لن تسمح لأية قوة معادية بالتدخل في شؤونها؛ إلا أن هذا التدخل أثار مجموعة من التساؤلات حول شرعيته. لذلك فإن تعزيز الجانب الأمني من شأنه أن يعدل من الجوانب القانونية لأي تدخل مستقبلي للقوات الخليجية لردع التهديدات والأخطار على أمن وسلامة دول المنطقة.

  1. محور السياسة الخارجية

تشترك الدول الخليجية في الموقف السياسي للعديد من القضايا الدولية والإقليمية؛ لذلك فإن السعي لتطوير هذا العمل المشترك أمر يساعد على تفعيل دور المجلس، ويعطي صورة إيجابية بأن دول المجلس مهتمة بعملية تفعيله، وبالتالي فإن إنشاء مفوضية خليجية للشؤون الخارجية تتولى مهمة إدارة الشؤون الدولية للدول الأعضاء في المواضيع التي تخولها الدول الأعضاء العمل من خلالها هي خطوة إيجابية في مسار تفعيل العمل الخليجي المشترك وتحقيق التكامل السياسي. الدول لن تفقد سيادتها على قرارها الخارجي وإنما ستصبح أكثر قوة في التعامل المشترك مع القضايا التي تتمتع بوجود اتفاق خليجي حولها (مثل القضية الفلسطينية، البرنامج النووي الإيراني، قضايا الإرهاب الدولي، قضايا البيئة وغيرها) وليست هذه هي كل القضايا والمواضيع الخارجية، فالدول ستبقى صاحبة السيادة في علاقاتها الثنائية مع دول العالم. ويمكن لوجود مفوضية خليجية للشؤون الخارجية أن تساعد على خلق أرضيات مشتركة لدول الخليج للتعاون في القضايا الدولية التي قد لا يكون حولها إجماع خليجي.

  1. المحور الاقتصادي

إن المحور الاقتصادي هو أكثر المحاور التي استطاع مجلس التعاون الخليجي أن يحقق قدراً من النجاحات من خلالها، وبالتالي يجب عدم إهماله أو تركه يتراجع. وإن كانت الأولية الأولى للأمن ومن ثم السياسة الخارجية إلا أن الاندماج والتكامل الاقتصادي يجب أن يتم تعزيزه والعمل من خلاله أيضاً، لأنه يستطيع أن يحقق التكامل الفعلي بين الدول في حال استمرار النجاحات من خلاله. فالاتحاد الأوروبي وآسيان ونافتا – على سبيل المثال – هي مؤسسات للتعاون الإقليمي في العالم جعلت الاقتصاد أداتها الأساسية نحو تحقيق هدف التكامل السياسي والأمني بين الدول الأعضاء. ولعل الحديث عن التأثير الإيجابي الذي تطرقت له بعض مدارس التكامل الإقليمي يمكن أن يتحقق في حال الوصول إلى إنجازات اقتصادية على مستوى دول الخليج العربي يكون لها تأثير في حياة المواطن الخليجي.

  1. محور تفعيل الأمانة العامة للمجلس

الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى أن تفعّل بطريقة يمكن من خلالها استيعاب التطورات الحادثة ومواكبتها بحيث تصبح أمانة لها دور فاعل في تقديم التوصيات والمشورة للدول الأعضاء فيما يطلب منها وليس الاكتفاء بتولي مهام أعمال السكرتارية اليومية لأعمال المجلس، وهنا نقترح التالي:

  1. تعزيز الأمانة العامة بكفاءات وقدرات خليجية من مختلف الدول للعمل بها وعدم الاكتفاء بسيطرة موظفين من دولة المقر.
  2. إنشاء مركز للدراسات الخليجية يتولى مهام إعداد الدراسات والتقارير المرتبطة بأعمال المجلس، وتحديد الأخطار والتحديات التي تواجهه، ووضع الرؤى المستقبلية في كيفية التعامل مع تلك الأخطار والتحديات.
  3. منح الأمانة العامة صلاحية تقديم المقترحات والمشورة في مختلف القضايا المرتبطة بالأمن والسياسة الخارجية والاقتصادية والاجتماعية المشتركة لدول المجلس، وسبل تطويرها.
  4. إنشاء وزارة أو مؤسسة حكومية برئاسة شخص برتبة وزير في كل عواصم الدول الخليجية تعنى بمتابعة العمل الخليجي والعمل على تحقيق التواصل بين المجلس ودوله.
  5. إنشاء مقار فرعية للأمانة العامة للمجلس في عواصم الدول الخليجية تتولى مهام الترويج للعمل الخليجي بين مواطني الدول والتواصل السياسي مع المسؤولين.
  6. التفكير الجدي بنقل الأمانة العامة لأصغر الدول الخليجية كالبحرين باعتبارها:
    • تحقق مبدأ توزيع الأدوار في عمل الاتحاد.
    • الانفتاح الذي تتميز به البحرين مقارنة بالسعودية سيساعد على مزيد من الإبداع في عمل المؤسسة بحيث ستصبح أمانة المجلس جهة جاذبة للكفاءات والأفكار الإبداعية.
    • تعزيز العلاقة الخليجية بالبحرين وتقويتها في وجه المطامع الإيرانية التي تحاول إثارة المشاكل الطائفية في المنطقة الخليجية عبر ذلك البلد الخليجي.
    • تبديد شكوك الدول الخليجية الصغيرة من فكرة سعي الدول الكبيرة لفرض هيمنتها على المنظومة الخليجية.
  1. الخلاصة

إن العمل نحو تحقيق الاندماج الاتحادي الكونفيدرالي في مجالات الأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد لن يضر بالسيادة القائمة في الدول الأعضاء، حيث إن الدول ستحافظ على استقلاليتها في القضايا والمواضيع والشؤون التي لم يتم تفويض الاتحاد بها. ولعل تلك المجالات لاسيما الأمنية هي مجالات لا يمكن للدول منفردة تحقيقها من دون وجود تعاون مشترك، والخبرة التاريخية أثبتت ذلك، حيث إن دول الخليج لم تستطع ردع أخطار العراق وإيران ضد أمنها بشكل منفرد فكيف لها بمواجهة الأخطار القادمة لا سيما مع امتلاك إيران السلاح النووي! التعاون الأمني هو عامل مكمل لتحقيق الأمن والاستقرار لدول المنطقة، فيجب على دول المجلس السير به إلى الأمام. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية فإنه في حال وجود تفويض لمفوضية تتولى هذه المهام فإن ذلك سيكون في القضايا والمواضيع المتفق عليها، فيما ستحافظ الدول على استقلالية قراراتها الخارجية في معظم القضايا والمواضيع الأخرى. أما عن الاقتصاد فإن تشكيل كتلة اقتصادية واحدة من شأنه أن يعزز من قدرة المجلس التفاوضية مع الكتل الاقتصادية العالمية بشكل أفضل مما هو قائم عليه الآن، وسيساعد على تقوية التبادلات التجارية. ومن بين تلك المجالات قد يكون المجال الأمني الدفاعي أكثرها ضرورة وقدرة على النجاح في تحقيق الاندماج بين دول المجلس في الفترة المقبلة، وقد يصبح الشرارة التي توقد لهيب الاندماج الأكثر في المجالات الأخرى. فالحديث عن اتحاد في الوضع الراهن الذي تفتقر فيه الدول الأعضاء في المجلس إلى القدرة على تحقيق التكامل فيما بينها في مختلف المجالات أمر سابق لأوانه. ولعل نجاح التكامل السياسي بين دول الخليج يتطلب التالي:

  1. تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي والأمني بشكل فاعل وناجح قبل التحول إلى التكامل السياسي.
  2. التحول نحو التكامل السياسي وفقاً لمنظور فلسفة الخطوة – خطوة، حيث من الضروري عدم الاعتماد على أسلوب التغيير السريع، بل ضرورة الأخذ بأسلوب التغيير المرحلي بناءً على فلسفة الخطوة – خطوة والتي لا يتحرك التكامل من خلالها من مرحلة إلى أخرى إلا إذا ما تم تجاوز عقبات التكامل في كل مرحلة. وهو ما يتطلبه العمل الخليجي، فالتكامل الخليجي يجب أن ينطلق وفقاً لمراحل أساسية حتى يتم الوصول إلى المرحلة المستهدفة وهي مرحلة الاتحاد.
  3. ضرورة تهيئة المجتمع الخليجي لفكرة التكامل السياسي.
  4. ضرورة إحساس الدول الأعضاء في مجلس التعاون بأهمية التكامل السياسي وأهمية دورها فيه.
  5. ضرورة وضع آليات ملزمة لقرارات التكامل السياسي تجعل الجميع يلتزم بها، وإنشاء مؤسسة قضائية تتولى مهمة فض المنازعات بين الدول الخليجية.

إن الهدف الأسمى من الاتحاد الخليجي هو إظهار قوة دول مجلس التعاون الخليجي وقدرتها على التكامل الإقليمي في مواجهة مختلف الأخطار والتهديدات الداخلية والخارجية، لذلك لا يمكن للاتحاد الخليجي أن يبدأ ضعيفاً في المضمون، وقوياً في الشكل، من خلال التحول الشكلي للاتحاد الخليجي، لأن من شأن ذلك أن يدفع بأطراف أخرى متوجسة من قيام الاتحاد مثل إيران والعراق إلى تقوية نفسها بشكل مشترك أو فردي يجعلها قادرة على مواجهة الاتحاد الخليجي، الذي هو في الأساس ليس قوياً في المضمون. فالاتحادات بين الدول في الأغلب ما يتم النظر إليها على أنها تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية لصالحها؛ أي أنها تعمل لتحدي وتغيير الوضع القائم. فالتحول لتفعيل مجلس التعاون الخليجي وفق فلسفة المدرسة الوظيفية والوظيفية الجديدة هو الحل الأمثل لتقوية العمل الخليجي المشترك والوصول به إلى التكامل السياسي الفاعل.

 

 

 

([1]) Jens-uweWunderlich, Regionalism, Globalism and International Order (Abingdon: Ashgate Publishing Group, 2008), p. 1

([2]) Leon N. Lindberg, The Political Dynamics of European Economic Integration, (Stanford, Stanford University Press,1963), p. 6.

([3]) مصدر سابق، Jens-uweWunderlich، ص 7.

([4]) انظر: محمد بن هويدن، الفيدرالية في الإمارات: النظرية، والواقع، والمستقبل (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2010).

([5]) James E. Dougherty and Robert L. Pfaltzgraff, Jr. Contending Theories of International Relations: A Comprehensive Survey, (New York: Harper Collins Publishers, Inc., 1990), p. 432.

([6]) Paul R. Viotti and Mark V. Kauppi, International Relations Theory: Realism, Pluralism, Globalism, and Beyond, (Boston: Allyn and Bacon, 1999), p. 212.

([7]) مارتن غريفيثس، خمسون مفكراً في العلاقات الدولية، (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2008)، 337 – 342.

([8]) Ernst B. Hass, The Uniting of Europe, (Stanford: Stanford University Press, 1958), p. 48.

([9]) Hans J. Morgenthau, Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace (New York: Alfred A. Knopf, 1948), p. 126.

([10]) Stephen D. Krasner (ed.), International Regimes (Ithaca, Cornell University Press, 1993).

([11]) M. O’Neill, The Politics of European Integration (London: Routledge, 1996), p. 71.

([12]) John McCormick, The European Union: Politics and Policies (Boulder, Colorado: Westview Press, 1999)

([13]) W. Sandholtz and A. Stone Sweet, European Integration and Supranational Governance (Oxford: Oxford University Press, 1998).

 

([14]) انظر: قحطان أحمد سليمان الحمداني، “مداخل التوحيد القومي وممكناته”، من أجل الوحدة العربية رؤية للمستقبل، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص665-691.

([15]) Charles Pentland, International Theory and European Integration, (London:Faberand Faber, 1973), p. 29.

([16]) William Wallace (ed.), The Dynamics of European Integration, (London: Pinter, 1990), p. 9

([17]) AmitaiEtzioni, Political Unification, (New York: Holt, Rinehart, and Winston, 1965), p. 4.

([18]) Leon N. Lindberg, “Political Integration as a Multidimensional Phenomenon Requiring Mutlivariate Measurement,” in Leon N. Lindberg and Stuart A. Scheingold, eds., Regional Integration: Theory and Research, (Cambridge, Mass.:Harvard University Press, 1971), pp. 45-46

([19]) Karl W. Deutsch, Political Community and the North Atlantic Area, (Princeton: Princeton University Press, 1957), p. 57.

([20]) Alexander Cooley and HendrikSpruyt, Contracting States: Sovereignty Transfers in International Relations (Princeton: Princeton University Press, 2009), p. 148.

([21]) Barry Buzan and Ole Waever, Regions and Powers, The Structure of International security, (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), pp. 22-23.

([22]) Alex J. Bellamy, Security Communitiesand their Neighbours: Regional Fortresses or Global Integrators (Gordonsville: Palgrave Macmillan, 2004), p. 6

([23]) المصدر ذاته، ص 125.

([24]) Matteo Legrenzi, The GCC and the International Relations of the Gulf: Diplomacy, Security,and Economic Coordination in a Changing Middle East, (London: I.B. Tauris, 2011), p. 31

 ([25]) المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

[26] Louise Fawcett, “Alliances, Cooperation, and Regionalism in the Middle East”, in Louis Fawcett (ed.), International relations of the Middle East, (Oxford: Oxford University Press, 2009), p. 199.

 ([27]) مصدر سابق، Matteo Legrenzi، ص 29.

([28]) مصدر سابق، Louise Fawcett.

([29]) انظر: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، المسيرة والإنجاز: ثلاثون عاماً على طريق التكامل والوحدة (الرياض: مركز المعلومات، 2011).

([30]) Richard Pomfret, Regionalism in East Asia: Why has it Flourished since 2000 and How Far will it Go? (New Jersey, River Edge, 2010), p. 14.

([31]) Paul Kubicek, European Politics (Boston: Longman, 2012), p. 67.

([32]) مصدر سابق، Matteo Legrenzi ، ص 44.

([33]) اهتمام خليجي بدعوة العاهل السعودي للتحول من مرحلة التعاون إلى الاتحاد، 19 ديسمبر 2011، http://www.alarabiya.net/articles/2011/12/19/183322.html

 ([34]) لقاء صحفي لوزير الخارجية العماني يوسف بن علوي مع صحيفة عمان العمانية، منشور في 19 مارس2013.

([35]) تصريح لوزير الخارجية العماني يوسف بن علوي أثناء حوار المنامة في ديسمبر 2013، “سلطنة عمان تعارض قيام اتحاد لدول مجلس التعاون الخليجي”، الإمارات اليوم، 8 ديسمبر 2013، ص 22.

([36]) انظر: s A. Kupchan, How Enemy Become Friends: the Sources of Stable PeaceCharle Princeton: Princeton Unibersity Press, 2010), p. 284)

 

([37]) Hassn Hamdan al-Alkim, Dynamics of Arab Foreign Policy-Making in the Twenty-First Century, Domestic Constraints and External Challenges (London: Saqi, 2011), p. 54.

 ([38]) وفقاً لما ذكره وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي في حوار المنامة، ديسمبر 2013.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.