إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة وآفاقها المستقبلية

إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة وآفاقها المستقبلية

الاثنين 23 يونيو 2003 17:53

الدكتور عبدالله تركماني

 

 

لا شك بأنّ الخطاب الثقافي، في ظل ما تشهده المجتمعات المعاصرة من تحديات وتحولات، هو خطاب الأزمة: فمن جهة، هناك الانهيارات السياسية والايديولوجية التي أصابت العديد من الأفكار والنظم والمشاريع. ومن جهة ثانية، هناك الطفرات المعرفية التي شهدتها الفلسفة وعلوم الإنسان، والتي أسفرت عن انبثاق قراءات جديدة للحداثة وشعاراتها حول العقل والحرية والتقـدم. ومن جهة ثالثة، هناك الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية التي ندخل معها في طور حضاري جديد. ولعلَّ أحد أهم ملامح أزمة الخطاب الثقافي المعاصر تكمن في محاولة التعرّف على عناصر ومكوّنات ثقافة العولمة وأدواتها الوظيفية، وكذلك ما تنطوي عليه من قضايا: الثقافة الوطنية، والهوية الحضارية، والخصوصية القومية. وإزاء كل ذلك، يبدو أنه من الضروري أن يعمل المرء على إعادة صياغة وترتيب أفكاره، بما يمكّنه من فهم وتشخيص هذه التحولات العميقة بداية، ومن ثم الانخراط في تحويل وتغيير الواقع الثقافي في اتجاه التكيّف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر.
وبالنسبة للعالم العربي، تنطوي الثورات المعرفية والتكنولوجية والمعلوماتية المعاصرة على تحديات وأخطار وفرص تمسُّ الكيان العميق للأمة العربية، وتعرّضها لما يسمى بـ ” صدمة المستقبل “. وتزداد الأخطار تأثيرا بسبب ما يعانيه الكيان العربي نفسه من عوامل الضعف المتمثلة في: انتشار الأمية، وتخلّف برامج التربية والتعليم عن حاجات المجتمعات العربية ومتطلبات العصر، ونقص الحريات، وعدم شمولية السياسات الثقافية، وضعف الصناعات الثقافية، وسيادة الإعلام السطحي.
وإذا كنا قد خسرنا العديد من لحظات الانتماء والفعل في التاريخ الثقافي- المعرفي الكوني، خاصة في العصر الحديث، فإننا في الوقت الراهن نقف مكتوفي الأيدي أمام ثقافة العولمة. فبالرغم من المحاولات الجسورة لنخبة رائدة من المفكرين العرب في عصر النهضة العربية، بمرحلتيها الأولى والثانية، فإنّ العالم العربي ما زال يرسف في أغلال التقليد، ويضع قيودا متعددة على حرية التفكير والتعبير.
ومع العصر الرقمي والانفجار المعلوماتي والاقتصاد المعرفي يبدو أنّ إشكاليات اليوم تتجاوز النهضة إلى ما بعدها، ولذا لا غنى عن تجديد المصطلحات وإعادة صياغة الإشكاليات. فليست المسألة الآن كيف ننهض من السبات أو كيف نجدد النهضة، أو كيف نندرج في الحداثة، بالرغم من أهمية كل ذلك، بل التكيّف الإيجابي مع عالم اليوم الذي يكاد يتحول إلى عالم جديد من فرط انكشافه وفيض معلوماته وفائق أدواته.
المسألة أننا لم نحسن الخروج من عجزنا وقصورنا لكي نتحول إلى مشاركين في صناعة العالم بصورة غنية وخلاقة. ولعلَّ ما أعاقنا عن ذلك هو الحمولات الايديولوجية والمسبقات الدوغمائية التي منعتنا من استثمار طاقاتنا على الخلق والتحول، بقدر ما حملتنا على أن لا نعترف بإنجازات الغرب والتعلّم منه، أو التي جعلتنا نتعامل مع هذه الإنجازات بعقلية تقليدية شعاراتية عقيمة وغير منتجة. وفي هذا السياق، يظل من واجبنا الحذر والتحذير من إسقاط التشرذم السياسي العربي على البعد الثقافي. فإذا كان من الخديعة أن نتنكّر للخصوصيات القطرية العربية بدعوى وحدة الأمة، فإنه من الواجب أن لا ننخرط في تضخيم هذه الخصوصيات بحيث تمنعنا من رؤية المشترك الثقافي الذي يعتبر الحصن الأخير لهذه الوحدة. إنها ثقافة عربية واحدة تضمُّ تيارات وخصوصيات تصبُّ في مجرى واحد، من دون هيمنة أو إقصاء. فقد تعددت المراكز الثقافية العربية، وتعددت قوى الإنتاج الثقافي في توزيعها الجغرافي الذي لم يعد محصورا في قطر واحد بعينه. وكانت النتيجة أننا أصبحنا نتحدث عن مستقبل الثقافة العربية في كل الأقطار العربية التي تتبادل الفاعلية والتأثير. وأصبحت المشكلات الثقافية قومية بقدر ما هي قطرية، وإقليمية بقدر ما هي عالمية.
ومن المؤكد أنّ الثقافة هي المدخل إلى معالجة مختلف إشكاليات العالم العربي، على أن تُفهم بمعناها الأوسع والأغنى والأكثر فاعلية، أي بوصفها تجسد حيوية التفكير بقدر ما تمثل منبع المعنى ومصدر القوة للأمة العربية كلها، وبقدر ما تجسد سيرورة التحول والازدهار في العالم العربي. ومن أجل تجسيد حيوية التفكير بات من التبسيط والتضليل مقاربة إشكاليات الثقافة العربية من خلال فكر أحادي الجانب والمستوى، فالعالم هو في بناه ونظامه وصيرورته من التعقيد والتشابك والتحول، بحيث لا تفي بفهمه نظرية واحدة ولا ينجح في تغييره نموذج أوحد. الأجدى أن تتضافر المقاربات والمعالجات، عبر استثمار نتائج الدراسات العلمية والإبداعات المعرفية في مختلف الاختصاصات، وبما يؤول إلى ابتكار الاستراتيجيات والآليات والوسائل التي تسهم في بلورة رؤى ثقافية مستقبلية.
وهكذا، يطرح واقع الثقافة العربية المعاصرة مجموعة تساؤلات: ماهي مشكلات الثقافة العربية ؟ وأين يقف العالم العربي من التغيّرات العميقة التي شهدها العالم ؟ وهل فهم منطق المرحلة الجديدة بمقوّماتها ومعالمها ومنطقها النوعي الجديد ؟ وما مدى الاستجابة للمرحلة على أصعدة الرؤية والتخطيط والتنظيم والممارسة ؟ وما هي التحديات والفرص الجديدة التي تطرحها ثقافة العولمة على الثقافة العربية ؟ وهل نستطيع أن نبلور أسئلة تحدد أجوبتها استراتيجية ثقافية للمستقبل ؟.
I – أهم إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة
لا شك أنّ أزمة الثقافة العربية المعاصرة هي جزء لا يتجزأ من أزمة الدولة القومية العربية من جهة. وهي، من جهة ثانية، أزمة بنية ثقافية عربية تندرج في إطار بنية اقتصادية – اجتماعية متوارثة منذ عقود طويلة من الركود والتأخر والتبعية. مما يسمح لنا بأن نطرح السؤال المقلق الذي أثاره الأمير شكيب أرسلان في مطلع القرن العشرين: لماذا تراجع العرب وتقدم غيرهم ؟. وتفسير عبدالله العروي لأزمة الثقافة العربية المعاصرة بأنها اختلال العلاقة بين الوعي والفعل، بين الوعي المنقوص والفعل العاجز، بين التوفيقية الملتبسة وافتقاد القدرة على الحسم ؟!.
وفي الواقع، تعود أزمة الثقافة العربية، في جانب أساسي منها، إلى أزمة الحامل الاجتماعي لهذه الثقافة. فمنذ بداية سبعينات القرن العشرين بدأ المجتمع العربي يعيش أزمة جديدة تمثلت في تصدّع الفئات الوسطى، أي الفئات التي كانت الحامل الاجتماعي للثقافة العربية منذ الإخفاق العربي النهضوي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كما أنّ النظام الثقافي العربي ساهم، إلى حدٍّ بعيد، في إبعاد العرب عن دائرة المشاركة الفعلية في النظام الثقافي الكوني، وجعلهم أسرى الثقافة الاستهلاكية. وفي المقابل، حوّل الثقافة التراثية إلى قلاع مُغلقة تحاول تسوير نفسها خوفا من رياح التغيير، وتحتمي وراء التقليد وترديد مقولات السلف الصالح. إنه نظام متناقض مع نفسه، خالٍ من الاتساق والمصداقية، يسعى إلى إشاعة ثقافة الغفلة والامتثال والخضوع والعاطفية الجوفاء، بينما يهمل أو يغفل ثقافة الوعي الموضوعي بحقائق الأشياء وواقع المجتمع وواقع العصر الذي نعيش فيه.
وقد أدّى كلُّ ذلك إلى تصاعد نزعات التعصّب والتطرّف، وتزايد عمليات الإرهاب التي تتمسح بالدين الحنيف، وارتفاع درجة العنف الذي صاحب الدعوة إلى الدولة الدينية، أو صاحب الاتجاهات التقليدية الجامدة التي تصف التحديث ببدعة الضلالة المفضية إلى النار. هكذا، رأينا الاعتداء على المواطنين الأبرياء، ورموز السلطة المدنية، وتهديد المثقفين المستنيرين بكل وسيلة ممكنة. وأضيف إلى ذلك تحوّل هذا الإرهاب من إرهاب محلي إلى إرهاب دولي، وذلك في سياق متصاعد وصل إلى ذروته في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وهي الأحداث التي فرضت أوضاعا جديدة تماما، وجعلت العالم كلَّه يرى أبشع وجه للإرهاب.
ومن المؤكد أنّ أصحاب نزعة التعصّب والعنف لم يدركوا التراث العربي – الإسلامي في كماله وصراعاته واختلافاته وتعدده في تنوعه، ولم يدركوا لماذا كان هناك المعتزلة والأشاعرة، ولكنهم أخذوه كما هو في مظهره السطحي وتضاريسه الخارجية. بسبب غلبة الوعي الأصولي النقلي على تفكيرهم، وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالا غائبا عن حياتهم وليس عنصرا تكوينيا من عناصرها الحيوية. ودليل ذلك يسير جدا، نلمسه في ندرة كتاباتهم ورؤاهم التي تشغل نفسها بسؤال المستقبل، وذلك في مقابل الوفرة الوافرة من الكتابات والخطابات والممارسات المهمومة بسؤال الماضي وحضوره الذي يتحول إلى ما يشبه حضور العلة الأولى أو المركز المطلق للحضور. والنتيجة هي قياس كل شيء على الماضي، والعودة بكل جديد إلى أصل يبرره من القديم، والنظر إلى التغيير في ريبة، وإلى التجدد بعين الاتهام.
في حين أنّ الثقافة التراثية ثقافة متنوعة لا ينبغي أن نأخذها في مظهرها السطحي، وعلينا نحن أبناء القرن الحادي والعشرين ألا نتبنى هذا التراث بطريقة مطلقة، وإنما نتعقّله في سياقه التاريخي، وكيف ظهر وانتهى في زمنه، ثم بعد ذلك نضيف إليه بحسب عصرنا وظروفه، وبرؤية عقلانية نقدية، وبذلك يصبح التراث قيمة متحركة، ويخرج عن إطار الجمود أو أن يكون مجرد مـاضٍ.
ومن الشواهد البارزة على وجود الأزمة على المستوى الثقافي العربي أنّ المجتمعات العربية لم تصبح بعد مجالا لإنتاج العلوم النظرية والمعارف العملية، كما كان الحال ماضيا في عصور الازدهار التي شهدتها الحضارة العربية – الإسلامية، وكما هي الحال في المجتمعات الغربية الحديثة التي تحولت إلى مصدر للإنتاج الفكري في مختلف فروع المعرفة والثقافة، بقدر ما اشتغلت على نفسها بالدرس والتحليل العلمي وبالنقد والفحص العقلاني.
وهنا يجدر بنا أن نقلع عن تحميل مسؤولية عجزنا وتأخّرنا على الآخر الغربي، فإذا نسبنا مسؤولية كل ما نتعرض له من إجحاف وظلم قومي إلى الآخرين، فلن يكون من الممكن أن نحدد لأنفسنا مهاما ثقافية خاصة بنا، وسنظلُّ أسرى منطق دائري يجعلنا نعكف على انتظار الخلاص بالصدفة. بينما المطلوب أن نتحرر من هذه النزعة، وأن نجري تغيّرات ثقافية جوهرية، تتضمن – قبل كل شيء – الاعتراف بمسؤوليتنا المباشرة عن أوضاعنا الراهنة وعن مصائرنا، ومن ثم عن المعطيات الأساسية لمستقبلنا في الإطار العالمي.
وفي الواقع هناك ما هو مشترك إنساني في ثقافة العصر، لا سبيل إلى تجاهلـه، وإلا كنا كمن يتجاهل التراث الإنساني الذي أسهم تراثنا العربي – الإسلامي في تخليقه، وكان معنى ذلك أيضا تكريس تخلّفنا، وبالتالي تبعيتنا. ومن أجل تدارك ذلك يجدر بثقافتنا أن تُبنى وتنمو وتتطور بالاستيعاب النقدي لتراثنا العربي – الإسلامي القديم، والتراث الغربي الراهن، ليس هذا فحسب وإنما بتجديد حياتنا القومية وتحديثها ودمقرطتها وتحريرها، وتوحيدها، والمشاركة الفاعلة في معارك الحضارة في عصرنا الراهن من غير تبعية أو تقليد أو استعلاء.
II – المخاطر المحدقة بالثقافة العربية في زمن العولمة والفرص المتاحة
في زمن العولمة، لعلَّ أهم ما يستدعي الانتباه والقلق هو منحى التفكير العربي الذي ينزع إلى تجريد ظاهرة العولمة من سياقها التاريخي والموضوعـي، وتصويرها على أنها امتداد للسياسة الامبريالية، أو أنها نتاج مؤامرة خارجية على شعوب بلدان عالم الجنوب، بما فيها الشعوب العربية. إنّ العولمة هي نتاج التقدم العلمي والتكنولوجي الجاري منذ عقود، أي أنها ظاهرة موضوعية كونية شاملة لا يمكن ردّها وإبطالها برغبة ذاتية، إنما المطلوب هو إجراء التكيّف الإيجابي اللازم للتعاطي مع آلياتها، بما يكفل دفع عملية التقدم الإنساني إلى الأمام وتقليص الأخطار الناجمة عنها، ولا سيما إزاء التفاوت في التقدم بين المناطق المتأخرة والمتقدمة في العالم، والبحث عن وسائل وإمكانات توسيع الفرص الطيبة التي تتيحها هذه الظاهرة لخير البشرية وازدهارها، بعيدا عن استغلال العالم المتقدم والشركات المتعدية الجنسية لعالم الجنوب والإضرار بمصالح شعوبه وثقافاتها ومكاسبها الوطنية.
إنّ الخطاب العربي مُبهَمٌ حول الظاهرة، تتحكم فيه معطيات ظرفية، وعوامل ضاغطة ” صدمة المستقبل “. وبالتالي، فهو يشكو من التناقض، معلنا في أحسن الأحوال أنّ العولمة الاقتصادية قضاء وقدر لا مفرَّ منها، ولكن بشرط المحافظة على هويتنا وخصوصياتنا الحضارية. وحين تسأل عن سمات هذه الهوية ومَنْ يحددها وكيف يمكن المحافظة على الخصوصية ضمن حضارة الصورة التي تكتسح عقر بيوتنا دون استئذان ؟، فإنك لا تحظى بجواب عقلاني واضح.
ففيما تتعولم الأسواق والمعلومات والأفكار والعلاقات والهويات، تنفجر أمام البشر إمكانات لا سابق لها للمعرفة والعمل، أو للتداول والتبادل، أو للاختلاط والتهجين، أو للانتقال والتغيير، وهي إمكانات يمكن العمل عليها باستثمارها ومضاعفتها، من أجل ترجمتها إلى إنجازات وابتكارات في مجال من المجـالات، وعلى النحو الذي يتيح لنا ممارسة علاقتنا بوجودنا وبالعالم المعاصر.
إنّ الخيار ليس متاحا، في واقع الأمر، أمام مجتمعاتنا وشعوبنا، نتعولم أو لا نتعولم، إنما السؤال هو: هل نحن قادرون على مواجهة تحديات واقع بشري معولم لا محالة ؟. وكما أنّ الخيار لم يعد متاحا أمامنا، كذلك لا مجال أمامنا إلا أن نبدأ في استخلاص الدروس النقدية الواعية، بعقل منفتح ودون عقد أو خوف، والسعي بجدية كاملة إلى الاستيعاب الفاعل لما حدث من تحولات وإلى امتلاك القدرة على التعامل مع ما هو قادم.
هل يمكن إصدار حكم قاطع فيما يتعلق بقبول أو رفض العولمة وتداعياتها ؟ إنّ إصدار حكم نهائي برفض العولمة يكشف عن تعجّل في إصدار الأحكام بغير تأمّل في منطق التطور التاريخي، إذ أن ثقافة العولمة أدخلت إلى المجتمعات البشرية سمات الحداثة والمعاصرة والتواصل والوحدة الكونية. فالمهم بالنسبة للأمة العربية أن تتدارس وتتفهم طبيعة آليات العولمة، كي تحدد ما تستطيع عمله للحدِّ من تأثيراتها السلبية واقتناص فرصها وتعظيم فوائدها. فمن الضروري السعي إلى تأسيس كتلة اقتصادية عربية موحدة، تولي اهتماما خاصا بالبعد الثقافي والتربوي للتنمية، إذ يمكن تسهيل انفتاح الجامعات العربية على بعضها البعض، وتبادل المناهج الدراسية، وعقد ندوات ثقافية مشتركة. شريطة أن يتمَّ ذلك في إطار التفتّح وليس التزمّت والانغلاق، لأنّ كل شيء منغلق لا ينفتح على الآخر سيضرُّ بمستقبل الأمة.
وبعيدا عن المبالغات والتوصيفات والتهويمات الايديولوجية، فإنّ العولمة ترتبط أشد الارتباط بالثورة العلمية والمعلوماتية الجديدة، التي تمثل أحد أهم معالم اللحظة الحضارية الراهنة، بحيث يمكن القول أنّ العولمة والثورة العلمية والتكنولوجية هما وجهان لا ينفصلان لسياق تاريخي وحضاري واحد. إنّ العلم الذي نقل البشرية من طور إلى آخر هو الذي يقوم حاليا بخلق عالم جديد ولحظة تاريخية مختلفة كل الاختلاف عن كل ما هو قائم حتى الآن. لقد تحول العلم والثورات العلمية إلى قوة من القوى الكاسحة التي تصنع الأحداث وتشكل المستقبل وتعيد ترتيب أولويات الدول والمجتمعات والأفراد. فمن يمتلك هذه القوة، ويحسن توظيف نتائجها يمتلك أساسا مصيره، ويعرف كيف يتدبر شؤونه، ويتمكن من التأثير في الآخرين.
وفي زمن العولمة، فإنّ طبيعة المخاطر المهدّدة للثقافة العربية لا تتعلق بعمليات العولمة وتداعياتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، بقدر ما تتعلق بمدى قدرة هذه الهوية الثقافية العربية على تجاوز أزمتها، خاصة ما يتعلق منها بالتنمية الشاملة وتوسيع إطار الديمقراطية، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل قيم الحوار والتعددية، وقبول الرأي والرأي الآخر، وتوفير حرية البحث العلمي، وإنشاء منظومة تربوية تقوم على تأهيل وإعداد كوادر تعليم عالية المهارات، واحترام عقل المتلقي، وتوفير وسائل تمكينه من الاستيعاب الناقد للمعلومات والآراء وإبداع الأفكار، واختصار الزمن في مناهجنا التعليميـة، وإطلاق العنان للطاقات الشابة في كل المجالات لكي تفكر وتبدع وتعزز ثقتها بإمكاناتها.
ومن المنظور العالمي، وبعد أن تداعى الاستقطاب التقليدي بين عالمي الرأسمالية والشيوعية، ظهرت النزعة العالمية أو الكونية، القائمة على الاعتماد المتبادل بين الشعوب والدول لمواجهة سطوة نظام عالمي جديد، واحد ووحيد. فالتعددية التي يشهدها العالم، بسبب تباين المراكز الاقتصادية العالمية التي تحولت إلى مراكز ثقافية متكافئة نسبيا، تستبدل الاستقطاب الثنائي القديم بالتعددية الواعدة التي يتجاور فيها الشرق والغرب، الشمال والجنوب، وتبرز فيها الأدوار الأوروبية إلى جانب الأدوار الأسيوية، ضمن سياق مختلف من توزيع الأدوار في ثقافات العالم التي أصبحت ساعية إلى تأكيد التنوّع الخلاق.
وتقوم النزعة الكونية على أسلوب جديد من التفكير الذي يتعقل الكون في شموله، ويردُّ أجزاءه إلى هذا الشمول، مؤسسا رؤية إنسانية مفتوحة على كل الأجناس والأفكار. ويترتب على هذه النزعة ما أصبح يطلق عليه إسم ” الاعتماد المتبادل “، وهو مفهوم يناقض التبعية، ويضيف معنى جديدا للاستقلال، ويؤسس ضرورة التعاون بين الأمم والأقطار لمواجهة المشكلات العالمية الكبرى التي لا يقدر عليها قطر بعينه أو دولة بمفردها، انطلاقا من تعقّد المشكلات العالمية واتصالها بمصائر الأمم كلِّها، فالإرهاب العالمي لم يعد يميّز بين دولة وأخرى، ومخاطره سرعان ما أصابت بأضرارها الدول التي حسبت نفسها بعيدة عنه، ومشكلات البيئة وصلت إلى درجة من التعقّد والتشابك الذي لم يعد في استطاعة دولة واحدة أو حتى قارة واحدة مواجهتها. وليس ذلك سوى مجرد مثال يؤكد أهمية التعاون العالمي، في ظل التسليم بمبدأ التنوّع الخلاق الذي لابدَّ أن تنهض عليه العلاقات بين الأمم والشعوب، وفي مواجهة الأخطار والتحديات المشتركة.
ولعلَّ التحدي الأكبر الذي يستوجب على المجتمعات العربية مواجهته هو التحكم في نقاط ضعفها نفسها وفي مقدمتها نظمها السياسية، ومنظوماتها الإدارية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف هذه النقاط وإدراك النقائص والسعي إلى معالجتها دون عقد كبيرة. هذه هي الخطوة الأولى نحو تكوين الفاعل التاريخي القادر على تحديد أهداف وبلورة استراتيجيات، والدخول في تنافس أو صراع أو تفاهم مع الأطراف الدولية الأخرى، أي نحو الوجود العربي على الساحة العالميـة، كطرف من بين أطراف أخرى لديه قدرة على المبادرة والفعل، وبالتالي على انتزاع اعتراف الآخرين. فلا أمل اليوم لطرف في التأثير على مصيره الخاص، إلا إذا نجح في أن يكون شريكا مع الآخرين في التعاطي الإيجابي مع التحديات العالمية. فالمشاكل التي يعاني منها، هي نفسها التي تعاني منها بقية المجتمعات، ولا مجال لبلورة حلول ناجعة لها إلا من خلال منظورات إقليمية وعالمية.
إنّ مجابهة أخطار وتحديات، وكذلك اقتناص فرص العولمة، لا يتأتى من التنديد بها واعتبارها خطرا خارجيا داهما، بل بالبحث عن أسباب الضعف العربي الداخلي ومعالجته جديا للنهوض بالقدرات العربية إلى مستوى التطورات الجديدة والتعامل معها على أساس من التكافؤ والاقتدار في الميادين المختلفة.
III – مجالات التغيير المطلوبة للتكيّف الإيجابي مع معطيات المستقبل
إنّ حضور سؤال المستقبل في أية ثقافة هو دليل حيويتها، فبقدر حضوره في تكوينها تتحدد قابليتها للتطور، وقدرتها على التقدم، ورغبتها في الإبداع الذاتـي. إنّ الوعي المستقبلي يقيس على الحاضر في حركته إلى المستقبل، ولا ينشغل بالماضي إلا بوصفه عنصرا من عناصر الحاضر الذي يقبل التحول والتطور والمساءلة. وسؤال المستقبل عنصر تكويني في هذا الوعي وعلامة عليـه، سواء في حرصه على الارتقاء بالإنسان من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، أو الانتقال بالمجتمع من التأخر إلى التقدم.
وهكذا، يبدو واضحا أننا أحوج ما نكون إلى إعادة صياغة الخصوصية الثقافية العربية، بمعنى أننا في أمسِّ الحاجة إلى عملية إحياء ثقافي. فالثقافة العربية الراهنة تمرُّ في مرحلة انحطاط وردّة واضحين، فهناك تراجع عن الفكر العلمي لفائدة الفكر الخرافي، وهناك استفحال ظاهرة الخطاب الماضوي الذي يجهد في محاولة إرجاع العالم العربي إلى العصور المظلمة، ويحفّزه على التشبث بمرجعية ماضوية، وكأن الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر والمستقبل.
وإزاء ذلك يبدو أنّ الخطوة الأولى في محاولة التعاطي مع أسئلة المستقبل تكمن في فهم لغة الخطاب العالمي المعاصر، التي يتمُّ التعامل بها بين أطراف هذا العالم الجديد، وخاصة القوى الغربية المؤثرة، وبالتحديد فهم توجهات هذا العالم نحونا. إذ أنّ البحث في الاعتماد المتبادل بين العالم العربي والخارج هو بحث في المستقبل، وأية دراسة للمستقبل لا بدَّ أن تنطلق من صورة العالم، ونماذج تطور النظام العالمي في أبعاده السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والثقافية.
ومن جهة المنظور، لا يخفى أنّ الدراسات المستقبلية ليست جديدة، ولكنها تشهد اليوم ازدهارا واضحا يستقطب اهتمام المفكرين والمنظرين الاستراتيجيين. ومن المؤكد أنّ الاهتمام بالمستقبل لا يعني نفي الماضي، فالذي يحسن فهم حاضره يهيئ لمستقبله بقدر ما يحسن توظيف ماضيه. وتلك هي المعادلة التي تتيح لنا صوغ العلاقة بين الأزمنة بصورة متوازنة ومخصبة، حية وراهنة، بقدر ما تتيح لنا التحرر من الادلوجات التي تجعلنا أسرى ماضٍ يستحيل أن يعود كما كان عليه، أو التخلص من الطوباويات التي تغرقنا في أوهام مستقبل لا ينفكُّ يبتعد.
والفكر المستقبلي لا يمكن إلا أن يكون تعدديا، بمعنى انه يتغذى من جميع فروع المعرفة بقدر ما ينفتح على جميع وجوه الحياة، كما تتجلى في العلوم الاجتماعية، أو في ميدان التاريخ والحضارة، أو في مجال الفلسفة والأخلاق، أو في ميادين الفن والأدب، أو في علوم الاقتصاد والمال، أو في الدراسات السياسية والاستراتيجية، أو في العلوم الطبيعية والبيئية، أو علوم الوسائط والاتصال.
وهكذا فالتفكير من منظور مستقبلي يتوقف على العمل الكوكبي بعقل تواصلي، من هنا تتبلور اليوم شبكة جديدة من المفاهيم تتلاءم مع التحول الذي تشهده البشرية. بحيث تتركز الجهود الفكرية والعملية على تشكيل المجتمع الكوكبي التداولي، لمجابهة الداء الأعظم الذي يفتك بالبشرية، كما يتجسد في أنشطة العنف والأعمال البربرية التي تقوم بها قوات الجيش الإسرائيلي ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني. وهذا أحوج ما يحتاج إليه العرب: المساهمة في تنمية المجال التداولي وتوسيعه وإتقان لغته، خاصة ما يتعلق منه بـ ” المجتمع المدني العالمـي ” ومنظماته غير الحكومية، لأنه الفاعل الجديد في العلاقات الدولية.
وانطلاقا من المعطيات، الموصوفة أعلاه، ثمَّة أهمية كبرى لصياغة استراتيجية قومية عربية للحوار والشراكة مع الثقافات الأخرى، مما يستدعي القيام بدور نقدي مزدوج :
(1)- الاستيعاب النقدي لفكر الآخر، بمعنى المتابعة الدقيقة للحوار الفكري العميق الذي يدور في مراكز التفكير العالمية، وفي العواصم الثقافية الكبرى.
(2)- النقد الذاتي للأنا العربية، بما يعنيه ذلك من ضرورة أن نمارس النقد الذاتي لممارساتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عقود مرحلة استقلالاتنا الوطنية على الأقل.
وهنا تبرز مهمة المثففين بالتوجه إلى الحداثة كهدف وككل متكامل، بما ينطوي عليه ذلك من تبنّي لسلطان العقل على النقل، والفصل بين الخطابين الديني والسياسي، والتخلّي عن الشعارات والأوهام، وفهم اتجاه الحقبة التاريخية المعاصرة، والدعوة إلى التحديث السياسي باعتباره المدخل الحقيقي لأي تحديث آخر، والدفاع عن المواطنة التي قوامها المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والتمسك باحترام الحق في الاختلاف انطلاقا من نسبية المعتقدات والقناعات حسب قول المفكر الجزائري مالك بن نبي: ” رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأيهم خطأ يحتمل الصواب “.
ومما لا شك فيه أنّ عصر الحداثة لم ينغلق في نمط نهائي، بل هو في تطور متواصل، بهدف الإجابة على التحديات التي تواجهها المجتمعات البشرية، عبر عقلانيته النقدية. فهو العصر الذي حققت البشرية فيه أثمن مكاسبها وأعظم إنجازاتها في المجالات السياسية والاجتماعية والمعرفية.

وللخروج من الحالة الضعيفة للثقافة العربية، خاصة في ظل ثقافة العولمة، لا بدَّ من التأكيد مع الدكتور محمد السيد سعيد على مجموعة جوانب مترابطة للتغيير الثقافي، الذي يمكّننا من القطيعة مع التأخر والانطلاق إلى مسارات النمو والتنمية الذاتية، والتحرر من المحنة العربية:
(1) – ثقافة الدور أو الواجب الحضاري، أي إحياء فكرة الإعمار التي هي من أهم الأرصدة الثقافية للحضارة العربية – الإسلامية، بما هي واجب الإنسان في الكون. خاصة وأنّ القول قد حلَّ محل الفعل في أداء رسالة الدور الحضاري في ثقافتنا العربية، حين اطمأن العرب إلى دورهم في الماضي، فعكفوا على تمجيده، دون الإضافة إليه.
(2) – ثقافة الامتياز والإنجاز، إذ أنّ الفائزين في المنافسة الحضارية هم مَنْ يسعون لتحقيق أعلى معدلات وأرقى مستويات الأداء في مجالات الحضارة المختلفة.
(3) – الانفتاح والمبادرة الإيجابية، حيث أنّ الانكماش واتخاذ موقف الدفاع حيال ما يسميه البعض بـ ” الغزو الثقافي ” هو استراتيجية بائسة وفاشلة تمامـا، فلم تعد الاستراتيجيات الدفاعية والفصامية قادرة على إنقاذ الذات الحضارية من الهزيمة أو التبعثر، وإنما صار الأمل الحقيقي في الصمود رهنا بالتعلّم واستيعاب وإتقان ما لدى الآخرين من رصيد المعارف وفنون الإنتاج، ثم في الثقة بالذات والشعور بالواجب الحضاري، وإصلاح شؤوننا الداخلية بعدما فسدت وتدهورت بدءا من أنظمة الحكم ومرورا بنظام الجامعات ومواقع الإنتاج والخدمات.
(4) – المؤسساتية، إذ تحتاج الثقافة العربية احتياجا أساسيا وعميقا لامتصاص واستيعاب أهم منجزات الحداثة وهي المأسسة. فالمأسسة تعني، قبل كل شيء، الاهتمام بتمييز الخط الفاصل بين الشخصي والعام، وخاصة فيما يتعلق بالدور، ولكن أيضا فيما يتعلق بالملكية والسلطة. كما تعني شيئا من الاتصال والتراكم والديمومة في أداء الوظائف.
(5) – التصحيح المستمر والنظر للمستقبل، فبسبب المساحة المهيمنة للمطلقات، والتعلق الشديد بالماضي، لا يحتلُّ المستقبل المساحة الجديرة به في الثقافة العربية، فالمستقبل: ” ليس سوى مجرد استمرار للماضي، بل أنّ أفضل مستقبل هو ما يتقيد بأفضل ما في الماضي “، وكأن الزمن لا يفعل سوى إعادة إنتاج نفسه في نموذج مثالي سرمدي مطلق الصلاحية والحضور.
وهكذا، لم يعد مستقبل الثقافة العربية محصورا في التعليم رغم أهميته، أو مقصورا على مشكلة الكتاب رغم تصاعد دوره وتنوع وسائل تيسيره وإشاعته، وإنما أصبح المستقبل أفقا من الإمكانات المتعددة التي تتعدد فيها وسائط التثقيف التي وصلت إلى درجة هائلة من الانتشار الإعلامي الجماهيري بواسطة التلفـاز، على وجه الخصوص، وظهر الدور المتصاعد للمواقع الثقافية على الانترنت. وكان من نتيجة التعقد اللافت في علاقات العمل الثقافي وأدوات إنتاجه أن اتسع معنى التثقيف العام ليشمل جهود وزارات: التعليم، والثقافة والإعلام، والشباب، والعمل، والأوقاف، والاتصالات، وغيرها. وتتناغم في هذه الجهود أدوار المؤسسات الحكومية وتنظيمات المجتمع المدني، بالقدر الذي تتشابك وتتقاطع فيه مصالح متعددة من الداخل والخارج، تستعين بأحدث منجزات الثورة المعلوماتية.
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

إيلاف خاص

ارسل هذا الموضوع

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.