أزمة الخليج ..الأسباب والتداعيات والنتائج!

                    أزمة الخليج ..الأسباب والتداعيات والنتائج!

أ.د. محمد الرميحي

      بداية أشكر الأخ الدكتور يعقوب الكندري رئيس تحرير مجلة حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية لدعوته إلى هذه الحلقة النقاشية، وكنت كتبت دراستين في الموضوع، واحدة نشرت في قطر (مجلة سياسات عربية) يوليو ٢٠١٧ تحت عنوان (الأزمة الخليجية: قراءة استشرافية)، والثانية في مجلة السياسة الدولية، الصادرة عن مؤسسة الأهرام/ القاهرة، أكتوبر ٢٠١٧ تحت عنوان (مجلس التعاون في مواجهة أسئلة التغيير)، كما نشرت على موقعي  دراسة مطولة تحت عنوان (أزمة الخليج محاولة للفهم).

     ويمكن أن نحدد خريطة طريق لهذه الأزمة، تتمثل في النقاط الآتية:

١ ــ المصفوفة القطرية لأحداث الأزمة.

٢ ــ مصفوفة الدول الأربع.

3 ــ محاور الصدام وأسبابه.

4 ــ  مطالب الدول الأربع.

٥ ــ دور الكويت.

٦ ــ المخاطر والمخارج.

المصفوفة القطرية ومصفوفة الدول الأربع:

     والدول الأربع: (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر) من جهة وقطر من جهة أخرى كل له وجهة نظر في أزمة (٢٤ مايو ٢٠١٧(.

     فالدوحة ترى أنه استخدم معها عنصر المفاجأة في إثارة الأزمة؛ أي أسلوب الترويع بالصدمة غير المتوقعة لإرباكها.

    وترى أيضاً أن وجودها بين إيران (زعيمة الإسلام الشيعي) وبين السعودية (زعيمة الإسلام السني) يفرض عليها خياراً، هو (السير على حبل مشدود). ولذلك فإن خيارها هو أخذ دور الوساطة والبقاء خارج المحاور.

     وتؤكد الدوحة أن المطالب العديدة التي قدمت من الدول الأربع (غير موضوعية)، وبعضها منافٍ لقواعد (السيادة الوطنية) ومبادئها، كما حددتها الشرائع الدولية.

     في المقابل فإن الدول الأربع ترى أن الأزمة ليست مفاجئة، وأن هناك عدداً كبيراً من الخطوات اتبعت مع الدوحة من أجل لفت نظرها إلى (عدم الارتياح) من بعض سياستها وخاصة دعم (القوى المعارضة للدول الأربع)، وأن الدوحة تتدخل بشكل سلبي في الشؤون الداخلية للدول المعنية، من مثل (احتضان حركة الإخوان المسلمين، خاصة المصريين ودعمهم معنوياً ومادياً)، وأن الاستمرار في هذه السياسة سوف يعرض أمن الدول إلى اضطراب وخاصة مصر، التي يمكن أن تنفجر من الداخل وتسبب اضطراباً دولياً وإقليمياً ضخماً.

     وكان هناك موقف من الدول الثلاث الخليجية عام ٢٠١٤، وسحب السفراء وقتها بسبب تلك السياسة، وعادوا بعد تعهد قطري بمراجعة تلك السياسات. وقبل ذلك توترت العلاقة السعودية القطرية، وسحب السفير السعودي ما بين ٢٠٠٢ و٢٠٠٧.

     والعلاقة كانت متوترة أيضاً بين قطر وبين كل من مصر (مبارك) والإمارات (الشيخ زايد) والبحرين، والأخيرة قديمة وتاريخية، في معظم حقبة التسعينيات من القرن الماضي .

محاور الصراع وأسبابه:

     على امتداد ثمانية عشر عاماً كانت قطر تحاول البحث عن دور، وتقوم بإجراء التحالفات والتوسع في الوساطات وجمع النقيض بالنقيض (وزيرة خارجية إسرائيل ومكتب حماس) وإرباك الخصوم.

     وبين عامي ١٩٩٥(عام انقلاب حمد بن خليفة على والده) و٢٠١٣ (تسليم الحكم إلى تميم)، أخذت قطر تدريجياً في بناء ما يمكن أن يسمى (  (National Brandقطرياً؛ أي دور كبير في المحافل الإقليمية والدولية معتمدة أساساً على الوفرة المالية.

     ولا بد من الأخذ في الاعتبار شخصية حمد بن خليفة والمال الضخم المتوافر والمباح من الغاز والنفط، فضلاً عن صغر المجتمع، والخوف الحقيقي أو المتخيل من الجيران (لابتزاز المال أو المشاركة فيه أو مضايقة قطر)، وهو ما جعل من قطر، في معظم السنوات الثماني عشرة، تغرد خارج السرب! (خوفاً على السيادة والثروة) ونتيجة خوف مرضي من الأخ الأكبر!

     هذه الأسباب دفعت حمد بن خليفة للتوجه إلى بناء (قوة ناعمة)، من مثل بناء العلاقات مع قوى سياسية ما دون الدولة (يسار ويمين)، من مثل: الإخوان المسلمين (على أن لا ينشطوا في قطر)، ومعارضين سعوديين وبحرانيين وإماراتيين!

    وفي المقابل تبنى تنمية انفجارية في الداخل لإرضاء أكبر شريحة من المواطنين، وكتم أي صوت معارض داخلي وكل من هو مشكوك في ولائه وتهديده للأمن القطري، بطرده من (الجنة)، وجاء انقلابه على والده عام 1995 ليسبب له شيئاً من العقدة، وخاصة بعد أن وجد أن دول الخليج، وخاصة السعودية، لم تنظر إلى ذلك الانقلاب بعين الرضا.

     وقد حاول الوالد (خليفة) أن يعود إلى الحكم في  الدوحة في عامي ١٩٩٥ و٢٠٠٥، ولكن محاولاته فشلت، واتهمت الدوحة دولاً، مثل السعودية، بما سمته (محاولة انقلاب لعودة خليفة بن حمد)!

     ومنذ (الخفوس) 1995 والصدام الحدودي بين قطر والسعودية محتدم ومستمر والأوضاع متوترة بينهما وحاولت السعودية تبريدها، وكان الشيخ زايد بن سلطان قد أدلى بتصريح ١٩٩٧ ديسمبر مفاده أنه  (لا يمكن مقارنة ٦٥ مليوناً) بسكان (فندق واحد) إشارة إلى مصر وقطر، عندما احتدم الخلاف المصري القطري!

     وفي السابق كان قد نقل عن الشيخ سلمان بن حمد (البحرين) الذي توفي في ١٩٦١ قوله: “لو كان أبنائي الثلاثة في طائرة تواجه الخطر، وخيرت أن تنزل في الدوحة أو تسقط في البحر، لفضلت الثانية”.

     وبعد وفاة الشيخ عيسى بن سلمان ٦ مارس ١٩٩٩ ووفاة الشيخ زايد بن سلطان ٢ نوفمبر ٢٠٠٤ قيل إن حمد بن خليفة عرض على القيادة الجديدة في كل من البحرين والإمارات التحالف ضد ما سمي وقتها: (الهيمنة السعودية).

     وحقيقة الأمر أن الخلافات القطرية مع دول الخليج ليست حديثة العهد ولا يمكن وصف الخلاف القطري – السعودي بالحديث؛ فقد حدثت بعض المناوشات على الحدود في منطقة الخفوس سنة ١٩٩٢. وهي جزء من مجموعة صدامات محدودة جرت بين دول الخليج في الربع الأخير من القرن العشرين بسبب خلافات حدودية كانت تجد طريقها إلى التسوية من خلال “دبلوماسية صامتة”، إن صح التعبير، أحياناً، ودبلوماسية علنية أحياناً أخرى، بعضها بوساطة كويتية.

     كما كانت ثمة خلافات قطرية – إماراتية، بعضها من جرّاء موقف إماراتي أبدى استياءه من طريقة تداول السلطة في قطر التي يرى فيها بعض الخليجيين تشجيعاً للتغيير غير المبرمج في الحكم. وكان تسلسل نظام الإمارة في قطر قد خضع لتجاذبات هي من طبيعة الحكم في المجتمع التقليدي في الخليج، ما قبل الدولة الحديثة وصدور الدساتير.

أمّا الخلاف القطري – البحريني، فلم يكن فقط بسبب جزر حَوَار التي صدر قرار ملزم من محكمة العدل الدولية بشأنها سنة ٢٠٠١، ولكن أيضاً بسبب خلافات تاريخية بين العائلتين الحاكمتين، لقربهما من بعضهما وتاريخهما المشترك.

     واعتقد البعض، بعد اليسر الاقتصادي وتسلّم جيل مختلف من القيادات في الخليج، وعدم فاعلية البحث في الأوراق القديمة، أن كل ذلك التاريخ قد أصبح وراء الجميع، وتم تجاوزه بسبب المستجدات التي أحدثها قيام الدولة الحديثة وترسيم الحدود وزيادة الثروة، فضلاً عن التهديدات المشتركة من الخارج، أو ربما على الأقل توقّع الجيل الجديد من أبناء المنطقة أن يُبنى توافق واسع في حوض الخليج، بسبب الحتمية الجغرافية والمصلحية، إلا أن ذلك لم يتحقق كلياً.

     أخيراً لا يمكن أن نتجاوز دور العامل الشخصي. وهنا تبرز شخصية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي كان يطمح إلى أن تؤدي قطر دوراً أكبر في محيطها، ويستفيد شعبها من الثروة الجديدة الضخمة. وكان يريد أن يزفّ قطر إلى الحداثة. ويزفّ الحداثة إلى الجوار، بطريقته ومفهومه؛ فخطط لـ “تنمية انفجارية”، قدمت لقطر عدداً من المشروعات التنموية المهمة، يُشهد لها بالكفاءة، ولا سيّما في قطاعي التعليم والثقافة؛ الأمر الذي عاد بالنفع على سائر القطريين. ثم اتخذ الشيخ حمد من قناة الجزيرة الفضائية منطلقاً لما يُعرف الآن بالديمقراطية للخارج Offshore democracy، من دون أن يعمل، لأسباب مختلفة، على تبنّيها محلياً. لذلك. ظهر في تلك السياسة شيء من الازدواجية، وكانت السياسة الخارجية القطرية قد نجحت في إقلاع قطر عالمياً، ساعدها في ذلك الدخل والاستثمار الضخم في السوق الدولية. حصل كلّ ذلك، والجوار إمّا صامت على مضض، وإما منتظر أن تهدأ العاصفة، حتى وصل الأمر إلى أنه لم يعد مكان للدبلوماسية الهادئة، وهي دبلوماسية كان يجب أن تكون فاعلة وواضحة قبل بدء الأزمة. فانفجرت الأزمة التي ساعد على تفاقمها الوضع القائم، خاصة ضغط عامل أسعار النفط المتراجعة وضغوط الحروب المتأججة في الجوار، وأصبح الخليج في موقع ما يُعرف بـ “سجناء الجغرافيا”.

     وكان لانفجار الأزمة الثانية بين الدول الأربع وقطر، في أواخر مايو ٢٠١٧، سوابق. ففي أقل من عام منذ وصول تميم بن حمد إلى السلطة في قطر، انفجرت أول أزمة بين دول الخليج بشكل لافت؛ فقد سحبت كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، ومملكة البحرين، بشكل متزامن سفراءها في الدوحة في مارس ٢٠١٤؛ الأمر الذي فجر ما يمكن أن يسمى (الأزمة الصغرى) في ذلك الوقت. وكان السبب المعلن (ضيق ذرع الدول بسياسة قطر في التدخل في شؤون الدول الأخرى)، وسرعان ما عولجت تلك الأزمة من خلال تدخل نشط من دولة الكويت، وشهدت الرياض توقيع وثيقة من قبل تميم بن حمد مع قادة دول الخليج العربية الأخرى، وهي الوثيقة التي ظهرت إلى العلن (عام 2017) والمعروفة بوثيقة عام ٢٠١٤. وكان هذا الخلاف مع قطر تتجمع عناصره منذ فترة ــ كما أسلفنا ــ فيه الثانوي من العوامل، وفيه الرئيسي، فيه التاريخي والمستجد، ومما زاد الأزمة ردود الفعل القطرية وما  صرح به (سلطان المريخي) في افتتاح أعمال الدورة العادية للجامعة العربية بأن إيران (دولة شريفة)، وكان تصريحاً صادماً بسبب العداء الواضح بين إيران وبقية دول الخليج. ولا شك أن المعادلة التي كانت خليجية فقط قد تغيرت في 2017 بدخول مصر وانضمامها إلى الدول الخليجية الثلاث، ومن المؤكد أن الموضوع المصري حاسم في هذه الأزمة، وتجدر الإشارة إلى موقف الدوحة من مصر كان (في عهد مبارك) أيضاً غير مريح، من خلال ما تبثه قناة الجزيرة حول الأوضاع الداخلية المصرية، وقد مرت فترات تأزم بين الدولتين، كما هو الأمر بين قطر ودول الخليج الثلاث.

     ويكمن الخلاف المعلن في أنّ الدوحة كانت ترى أنّ العلاقات الخليجية البينية لا يعتريها خلاف في الملفات الأساسية، وأنّ الدوحة متسقة كلّ الاتساق مع السياسات العامة للبيت الخليجي، إلا أنّها ترى أنّ بقية علاقاتها مع العالمين، العربي والدولي، هي جزء من سيادتها التي يجب ألّا ينازعها عليها أحد، ومن ثمّ فهي تتصرف بناءً على ذلك كما تريد. وتحاجّ الدوحة بأنّ سياساتها تساند الشعوب التي تغوّلت عليها الأنظمة. وفيما يخص ملف الإخوان المسلمين، فإن الدوحة ترى أنّ عدداً من دول الخليج قد استخدمهم أداة في وقت ما؛ فالقرضاوي ــ مثلاً ــ منح جائزة الملك فيصل وجائزة محمد بن راشد في زمن سابق للأزمة.

     من الجانب الآخر، ترى الدول الخليجية الثلاث، ثمّ مصر، أنّ الوقت هو وقت رصّ الصفوف لمواجهة المخاطر الكبرى الشاخصة، وأنّ سياسات الدوحة مع المنظمات ما دون الدولة والدول الخارجية تضر الأمن المشترك للخليج والإقليم العربي، وكانت الإشارة إلى مصر بالذات التي خاصمتها الدوحة، في حين ترى الدول الخليجية الثلاث أن تعضيد الدولة المصرية القائمة ليس مهمّاً للأمن المصري فقط، ولكنّه أكثر أهمية للأمن العربي، وأنّ ضعف مصر هو ضعف للصف العربي الذي يواجه تحديّات كبرى في أكثر من جبهة، هذا فضلاً عن استضافة الدوحة بعض المعارضات الخليجية، وعدد من الملفات الفرعية الأخرى، كملف الجزيرة، وبعض الملفات التي ترى الدول الأربع أنّها تمسّ أمنها الوطني الداخلي، وهي تتهم الدوحة بأنّها لم تفهم هذه الأمور حقّ فهمها، ولم تأخذ الموضوع بالجدية التي يراها الآخرون.

     أما في معرض الإجابة عن السؤال: لماذا انفجرت الأزمة الثانية بشكل كبير الآن (بداية يونيو ٢٠١٧)، فيمكن ملاحظة وجود أربعة أسباب رئيسية جمعت لتهيئ الظرف الموضوعي، هي أولاً: ضغط تداعيات الانتفاضات الشعبية التي عرفت بـ “الربيع العربي”، ثانياً: تراجع أسعار النفط، ثالثاً: التطورات في مصر، رابعاً وأخيراً: التغيير في موقف الإدارة الأميركية الجديدة حيال عدد من الموضوعات الإقليمية.

     فالقيادة القطرية لجأت إلى تركيب قوة (ناعمة) وقوة (صلبة) في الدوحة، ومن ذلك (الجزيرة، مؤسسات تعليم، ومؤسسات إعلامية خارجية) وقاعدتان للولايات المتحدة: العديد والسليلة، وإن كانت الأخيرة هي الأخطر؛ لأنها (المخ الإلكتروني للقوات الأمريكية الضاربة في المنطقة)، وكذلك قاعدة لتركيا (التي بدأت مفاوضاتها 2014، وانتهت بوجود قوات تركية، بعد خروجها من قطر بمائة عام).

     وقد تزامن صعود القوة القطرية التدريجي خلال ١٨ عاماً مع مرض القيادة السعودية وتبدل الحكم، وتغيرات في مصر، كما تزامن مع ظهور (الإرهاب) بعد سبتمبر ٢٠٠١؛ فأصبحت قطر (صندوق بريد) لتبادل الرسائل بين الولايات المتحدة والقوى المختلفة للإرهاب، و(كتاب يسري فودة ــ طريق الأذى) يظهر بوضوح كيف كانت الدوحة مكاناً لتبادل المعلومات (الإرهابية)، ويسري كان صحفياً في تلفزيون الجزيرة.

     كما أصبح لقطر صوت قوي في التجمع الخليجي وفي التجمع العربي والدولي، وكانت دائماً مسارعة للتوسط، ومن ذلك: لبنان ٢٠٠٦، دارفور، الصومال، الحوثي صالح، ثم دعم قوى الربيع.

وعلى المستوى الخليجي رضخت دول الخليج للفيتو القطري ضد مرشح البحرين (محمد مطوع) عام ٢٠١١ لمنصب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي؛ (لأنه أساء لقطر إبان توليه حقيبة الإعلام في البحرين . أما على المستوى العربي فقد خضعت الدول العربية لمرشح قطر نبيل العربي ٢٠١١ أميناً عاماً للجامعة العربية، بدلاً من المرشح (مصطفى الفقي).

     تصاعد الاختلاف بعد (الربيع العربي)؛ إذ عززت قطر من قوى (إسلامية) في مصر وليبيا وسوريا، لكن الصدام في ليبيا كان مختلفاً؛ إذ كان بين خليجيين يناصرون أطرافاً متحاربة.

     إلا أن أخطر أدوات قطر هي تحالفها مع حركة الإخوان المسلمين (المدعومين بالقوة التركية والمال القطري، وهي الوحيدة المهددة للاستقرار في الخليج؛ كونها منظمة ولها تاريخ وتملك الشارع أو جزءاً منه وتستولي على الأيديولوجيا، وهي الأكثر تهديداً في نظر عدد من دول المقاطعة).

     وهنا تكمن الأزمة الأعمق بين (إسلام شعبي) يتغذى عليه إسلام (حركي)، والأخير يتغذى عليه (إسلام عنفي)، وتمول الدولة الخليجية الإسلام الشعبي، تلك حلقة جهنمية ومفرغة!!

     والحلقة الجهنمية تلك أنه في حال عدم وجود قنوات للتعبير السياسي منظمة ومعترف بها يخلق الناس قنواتهم، والقناة التي لا يمكن (تجريمها بسهولة) كون الشخص (مسلماً(!.

الصعود والهبوط القطري:

ربما كانت قطر قد دخلت منذ الثلث الأول للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ما يمكن أن يسمى over confident ، وبدا أن سبب نجاحها يتوجه إلى الإضرار بها؛ إذ إنها  لم تقرأ جيداً الانقلاب في السياسة الخارجية الأمريكية بعد انتخاب السيد دونالد ترامب، ووصوله إلى السلطة في يناير ٢٠١٧، ولم تحسن أيضاً قراءة التغيرات في السعودية، كما لم يفهم أحد تصدير (الديمقراطية) إلا على أنها offshore democracy . ومبكراً لاحظ السفير الأمريكي في الدوحة أن هدف قطر هو الحفاظ على أبواب الطيف الأيديولوجي (العربي) مفتوحة معها.. وهذا قد يؤدي إلى وضع الدوحة وواشنطن في موقف متناقض، كما يرى السفير!

وكانت الإدارة الأمريكية الجديدة قد أخذت على عاتقها (محو كل آثار سياسة السيد باراك أوباما) السابقة، ومنها، وهو الأسهل، عدم الاحتفاظ بـ (صندوق البريد) القطري. على ضوء قرار حاسم بمحاربة الإرهاب بأشكاله المختلفة، ودون التودد لبعض عناصره والمراهنة عليها؛ مما اعتقد أنه تسامح من الإدارة الأمريكية السابقة مع الإسلام السياسي العربي، وما يؤكد ذلك التغيير الذي تمثل في اللقاء التاريخي بين دونالد ترامب ورجال إدارته، وعدد كبير من القادة العرب والمسلمين باستضافة الرياض ٢٢/١٢ مايو ٢٠١٧. وركزت المناقشات على محاربة الإرهاب بكل أشكاله، من بين قضايا أخرى، كان على رأسها تقييد (الإسلام السياسي) الذي تحول بعضه إلى إرهاب واضح، خاصة في مصر، من قبل إرهابيين يرفضون قطعياً المسار السياسي، ويلجؤون إلى العنف، ويجدون لهم مناصرة معنوية من (الجزيرة). لم تقرأ الدوحة ذلك الانعطاف الأمريكي بطريقة صحيحة، كما لم يتبين لها مقدار التراكم الكمي السلبي لسياستها السابقة التي تحولت من نجاح إلى عبء، وبفعل الزمن، وتغير الظروف من كمي إلى كيفي في دول الجوار. في الوقت نفسه، استخدمت الدوحة وسائلها (الإعلامية والمالية) للتأثير في الأحداث، دون أن تمس (إصلاحات داخلية قطرية سياسية)؛ من أجل إقناع جزء من النخب العربية بجدية خياراتها؛ إذ كانت تتعامل مع الديمقراطية التي تنادي بها على أنها ظاهرة يجب أن تمارس خارج حدودها، تصلح للآخرين فقط؛ فلم تقم الجزيرة ــ مثلاً ــ  في تاريخها كله بالتعرض للأمور الداخلية في قطر، أو مناقشة المتطلبات السياسية للداخل القطري. كما أن الدوحة رسمياً لا تسمح لمواطنيها بالانخراط داخلياً في أي نشاط سياسي (بما في ذلك الإخوان أو قوى اليسار العربي). فالتحالف مع حركة الإخوان كان (خارجياً) فقط، وكذلك مع اليسار العربي (الثوري). وعلى الرغم من الإعلان أكثر من مرة عن احتمال تنظيم (شيء من المشاركة الشعبية الحديثة في الحكم) في قطر، وتحديد موعدها للشعب القطري لبدء العملية، فإنه  سرعان ما ينسى الموعد. ولكن في الوقت نفسه لم تقم حركات شعبية قطرية مطالبة بتلك المشاركة؛ على أساس أن الرضا الاقتصادي الذي يتمتع به المواطن القطري، وضعف الطبقة الوسطى القطرية لم يتيحا فرصة لذلك.. هذه التراكمات التي استمرت لفترة، وزادتها الظروف المستجدة( العوامل الأربعة المشار إليها ) سخونة ــ هي التي فجرت أزمة ٢٠١٧ التي تعانيها المنظومة الخليجية، والتي تصر قطر على أن تختصرها في محاولة تحجيم الحق السيادي للدولة القطرية.

المطالب:    

     وبالنظر إلى مطالب الدول الأربع فإنه يبدو أنها وضعت في ورقة وكل طرف متضرر أضاف مطالبه، لذلك بدت غير متسقة وبعضها خارج المعقول السياسي، من مثل (إقفال الجزيرة) أو خروج بعض الأشخاص من مثل (القرضاوي) خارج قطر.

ولا بد من التأكيد أن الوضع العالمي لا يمكن أن يسمح بتغيير النظام من الخارج، وإن تم فسوف يؤدي إلى فوضى إقليمية، أما التهديد بتغيير النظام من الداخل فأدواته محدودة، وتم التحوط لها قطرياً، ولا شك في أن خيار إحالة الحمدين إلى لجنة العقوبات الدولية! خيار ربما يكون خيالياً، وواضح أن الهدف النهائي للدول الأربع هو محاولة لما يعرف (Down Sizing.) للقوة القطرية الناعمة، ربما تمهيدا لعودتها كدولة صغيرة تتحرك  في اطار  حركة مجلس التعاون دون الخروج بعيدا عن ما تراه دوله النفاذة من مصالح عليا   .

دور الكويت:

لأن الكويت تعرف أهمية مجلس التعاون في ضخ الاستقرار الإقليمي، وهو وعي سياسي قديم، فإنها قدمت المساعدات لبعض دول الخليج لأكثر من نصف قرن في محاولات جادة للتحديث الذي يقود للاستقرار. وظهر من سير الأزمة أن كلاً من طرفي الأزمة يرغب (كل بطريقته) في دفع الكويت للوقوف إلى جانب رأيه في الأزمة، ولا تزال قطر وإيران أيضاً تراهنان على (خروج مبكر للسيد ترامب من الصورة) حتى يختل الموقف ويؤثر في تغير المشهد!

أما الموقف الأمريكي من الأزمة فهو ملتبس وغير محدد، والموقف الأوروبي يرغب في الحفاظ على مصالحه لدى الطرفين، والموقف الدولي يرى أن الحل في (البيت الخليجي).

هل من مخرج؟:

     بناء على كل ما سبق لا يبدو أن هناك احتمالاً لهبوط آمن؛ في وقت قريب ، إذ لا توجد لدى طرفي الأزمة ما يعرف بـ ( exit strategy) أي خريطة طريق آمنة للخروج من الازمة ، والخسائر على الإقليم الخليجي تتزايد مع الزمن، ولم يجد الجميع حساب المسافات السياسية بدقة، ولا توجد قدرة على فرض لحقائق بديلة، يأتي ذلك في ظل غياب المرونة التاريخية التي اتصفت بها الإدارات السياسية السابقة في الخليج، وغياب المشورة الشعبية (اتخاذ القرارات خلف أبواب مغلقة)، وتراجع أسعار النفط!

والحروب في الجوار والضغوط في الداخل؛ وهو ما يضعف المناعة الداخلية. ولا بد من الإشارة إلى أن استحقاقات قطر ضاغطة (كأس العالم 2022)، واستحقاقات الإمارات ضاغطة (إكسبو ٢٠٢٠)، والنتيجة نحن في loss‪/loss situation  ، والخليج يدخل اليوم حقل ألغام لا يعرف أحد متى تتفجر وفي وجه من؟

والأزمة المكتومة اليوم تتلخص في سطر واحد هو (الانفراد بالسلطة)، وضمور قاعدة اتخاذ القرار، وهو مرض شرقي بامتياز، يقلب النجاحات إلى إخفاقات!

     وتبدو الخسارة في حال استمرار الأزمة واضحة المعالم؛ فمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي بُذل فيه جهد ضخم لكي يخرج إلى الوجود ويحقق ما تحقق حتى الآن يتعرّض لضغوط حقيقية، ستفضي بالمنطقة كلّها إلى الانكشاف. كان هذا المجلس ردّاً سياسياً لمجموعة من الهزّات والزلازل الضخمة والتحديات الكبرى؛ منها التغيير الثوري في إيران، والحرب الإيرانية – العراقية، وتراجع دور القوى الغربية في الأمن الإقليمي. ومن ثمّ، لن يكون أمام الدول الصغيرة والمتوسطة في منظومة الخليج إلاّ البحث بكلّ جديّة عن مخرج يحفظ للجميع أمنهم ويساعد على الاستقرار المبنيّ على الثقة. أما القوى الإقليمية التي تحاول الدخول على الخط، فحتى إن كانت تحاول المساعدة، فإن لها أجندتها الخاصة، ومن الخطأ السياسي الجسيم غضّ النظر عنها أو الاعتماد عليها.

ولذلك أرى أنّ أول ما يجب الإصرار عليه هو حل الخلاف في البيت الخليجي سلمياً، والخطوة الثانية هي النظر الجاد في شكل من أشكال المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار؛ لأن أي حركة سياسية، مهما كان غطاؤها الأيديولوجي، لا تنتعش إلا في حالة الفراغ السياسي. وقد وصلت دول الخليج في العقود الخمسة الماضية إلى نضج اجتماعي وسياسي وثقافي، وهو الأمر الذي يدفعها إلى إيجاد وسائل للمشاركة في القرار، من خلال مؤسسات حديثة، يكون للشعب فيها رأي مباشر. فإن كان القلق اليوم من تنظيمات سياسية مؤدلجة بالدين، فليس ثمة ما يمنع من قيام جماعات أخرى لها أيديولوجيا أخرى. هذا إلى جانب ضرورة صناعة “منظومة فقهية جديدة”، تضع الخط الفاصل والواضح بين الدين والسياسة، حتى لا يستغل الدين الذي يؤمن به الشعب ويتحوّل إلى مطيّة سياسية.